موقع الصراط ... الموضوع : عوائق العلاقات الاجتماعية-1
 
الخميس - 6 / جمادي الثاني / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  عوائق العلاقات الاجتماعية-1  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 13 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
العلاقات الفردية والاجتماعية كالكائن الحي الذي يتأثر بالمؤثرات الداخلية الذاتية والعوامل الخارجية، فالوضع النفسي، للشخص له أثر على وضعه الخارجي مثلاً لو كان الإنسان منشرح الصدر، هادئ البال، وصافي الذهن من التصورات السلبية فهو أكثر قدرة على التآلف والتجاذب مع الآخرين، وأما حينما يكون منقبض النفس مشوش الذهن حاملاً تصورات سلبية إزاء الآخرين فلا يمكن أن يتفاعل مع الآخرين، ويتحرك للتأثير فيهم.
ومن هنا فإن سلامة الصدر من الأمراض النفسية كالطمع، والجشع والحقد، والحسد، والتكبر، والشره، أساس مهم في نجاح أي علاقة يراد لها أن تثبت وتنمو وتثمر، وعلى العكس من ذلك لو كان الصدر مشحوناً بهذه الأرجاس من ذمائم الأخلاق فإن أية علاقة لابد وأن تنتهي بالفشل والخسران.
وعلى كل حال فإن سلامة القلب من الأمراض الخلقية أساس مهم في بناء الصلات الاجتماعية، فينبغي لمن أراد التحرك؛ لتكوين علاقات سليمة أن ينقي صدره من كل ما تعلق به من أوضار وأدران خلقية أو سلوكية. فليس بعد ذلك وقبله آفة تدمر العلاقات الإنسانية كالأمراض النفسية والأخلاقية؛ لأنها تصبح حاجزاً بينه وبين الناس، وأكبر من ذلك بينه وبين الله تعالى، ومن هذا المنطلق كان رسول الله (ص) عندما يُنْقل له عن الناس شيء يقول: (دعوني أخرج إلى الناس بصدر سليم) وليس من غرضنا أن نتعرض لذلك بالتفصيل ، وإنما أشرنا إليه إشارة سريعة؛ لأنه من بديهيات الأمور يدركها كل عاقل.
العوائق الخارجية :
وكما أن للوضع النفسي أثر على صلة الإنسان بغيره فإن هناك عوامل خارجية لها تأثير على نفس الإنسان، وبالتالي تتحول إلى عقبات في طريق تكوين العلاقات. فالأفكار المنحرفة التي تُرَوج في المجتمع، والأعمال السيئة والسلوك الملتوي مؤثرات أخرى. كما أن للمناخ الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه الناس بما ينتشر فيه من أفكار ومفاهيم، وما تسوده من عادات وتقاليد مؤثرات مهمة سلباً أو إيجاباً، فمن يعيش في جو سليم ليس كمن يعيش المناخ الموبوء.
ونحن نعرض لبعض العوائق الخارجية والنفسية في العلاقات الفردية أو الاجتماعية وأهم تلك العوائق هي:
أولاً: التميز العنصري:
لقد لعبت الأفكار القومية دوراً رهيباً في تمزيق الأواصر الإنسانية، وخلقت حواجز نفسية كبيرة بين الأقوام. فقسمت البشر على أساس انتماءاتهم العرقية وأخذت تُصعد روح التعالي لقوم على الأقوام الأخرى. وبهذا المكيدة الخبيثة والنعرة الشيطانية المدمرة، رسخت الحواجز بين الشعوب والأقوام حتى أصبح المتعصب العنصري لا يستطيع أن يتآلف ويتكيف مع غير أبناء قوميته بل لربما يأنف أن يجالسهم، لشعوره بتميزه عنهم، بل قد يرى حسناتهم سيئات، وكأنه خلق من طينة غير طينتهم. وهكذا ضعفت الروح الإنسانية فيه ، وطغت الروح العنصرية، ومن العجيب أن يتمحور الإنسان بهذه الصورة البشعة على ذاته وعلى قومه يقول اوليورت: (التعصب العنصري: إنه نمط للعداوة في العلاقات الشخصية يوجه مباشرة ضد جماعة كلية أو ضد الأفراد، أعضاء هذه الجماعة ويؤدي لصاحبه وظيفة نوعية غير عقلانية)
فالعصبية بكل أنواعها هي من الحمية الجاهلية (وهي واحدة من السجايا الباطنية النفسانية، ومن أثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به وحمايتهم بما في ذلك الارتباط الديني، أو المذهبي، أو المسلكي، كذلك الارتباط بالوطن وترابه، والعصبية من الأخلاق الفاسدة، والسجايا غير الحميدة، وتكون سبباً في إيجاد مفاسد في الأخلاق وفي العمل، وهي بذاتها مذمومة حتى وإن كانت في سبيل الحق، أو من أجل أمر ديني من غير أن يكون مستهدفاً لإظهار الحقيقة)
والعصبية تكشف عن ضيق الأفق، وقلة الإدراك لحقيقة الإنسانية، بل هي تحجر عقلي ، ومرض نفسي، وتلوث روحي، ولها آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، لاسيما إذا تأصلت وتجذرت في نفس الإنسان فإنها تجعله ينظر من كوة ضيقة حرجة، ولا يمتد تفكيره إلى آفاق أوسع، ومن آثارها الخطيرة أنها تنمي روح التعالي، والاستغلال، والسيطرة على الناس، ويصبح المتعصب كوحش يحاول افتراس الآخرين، وتخلق روح النفور النفسي، وتجعل الشخصية متصلبة بالباطل، ومتطرفة، وعنيفة، وعدوانية، وتستأصل من النفس روح التجاذب، والمشاركة الوجدانية، يقول أحد علماء النفس: (إذا وصل التعصب إلى درجة معينة من الحدة يصبح عاملاً من عوامل تقويض وحدة المجتمع، وينم عن اضطراب في ميزان الصحة النفسية الاجتماعية مما يفسد المجتمع ويهدد كيانه)
ويقول عالم نفسي آخر: (إذا كان التعصب أكثر شدة، فإنه يؤدي بصاحبه إلى اتخاذ بعض الخطوات؛ لتجنب أعضاء الجماعة الخارجية موضوع الكراهة بصرف النظر عن ملاءمة أو عدم ملاءمة ذلك)
وقد عرض د.معتز سيد عبد الله مراحل متدرجة للعصبية يبين فيها مخاطر هذه الحالة النفسية المقيتة، فقال: (فأوطأ درجاتها هي الامتناع عن التعبير اللفظي خارج حدود الجماعات الداخلية، وهذه الدرجة أقل الدرجات خطورة والدرجة الثانية: هي حالة التجنب والانسحاب والاعتزال لغير من يتعصب له والثالثة: هي التميز ومحاولة منع الآخرين من نيل حقوقهم، ووضع العراقيل أمام تقدمهم، والرابعة هي حالة الانفعال الشديد والعدوان والهجوم الجسمي، والمرحلة الأخيرة : هي التدمير، والإفناء،والإعدام،والإبادة الجماعية خارج حدود القانون والعقل)
ونتيجة لهذا المرض الخبيث جرت على البشرية مآسي مروعة وحروب دامية، وبرزت وحشية لا نظير لها في عالم الغاب، وما يجري من التميز العنصري في أمريكا بين السود والبيض ليس إلا دليل على ذلك، فالأسود ليس له حق أن يدخل مرافق البيض، ولا يؤاكلهم، ولا يشاركهم بشيء، ولا ذنب له إلا بشرته السوداء تلك هي تقدمية الغرب، والأعجب من ذلك ما حدثني به أحد المبلغين أن المسلمين البيض في بعض مناطق أفريقيا يمنعون السود من الدخول إلى مساجدهم، وما جرى قبل سنوات من وحشية مروعة في جمهورية البوسنا والهرسك حيث التعذيب الوحشي والسجون الفضيعة، والإبادة الجماعية للمسلمين من قبل الصرب ليس إلا دليل واقعي على ما نقول.
ولهذا فقد حارب الإسلام هذا التوجه الخطير وعالجه معالجة جذرية على مختلف الأصعدة، فعلى صعيد الخَلق والتكوين أرجع البشرية جمعاء إلى طينة واحدة من أم وأب واحد (كلكم لآدم وآدم من تراب) وعلى صعيد الحقوق والواجبات جعل الكل متساوون لا فضل لأحد على أحد من أي قوم كان، وعلى صعيد التفاضل والمكانة الاجتماعية جعل العلم والجهاد والتقوى هي الميزان الأدق ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) (ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) ولا فضل لابن البيضاء على ابن السوداء إلا بالتقوى.
وهكذا جعل الإسلام أبناء البشر في ميزان واحد لا يتمايزون إلا بالعلم والجهاد والتقوى. وهذه الثلاثة عواصم أساسية في حماية الإنسان من شر التعصب، ورغم ذلك كله ونتيجة للجهل بحقيقة الإسلام نجد عواصف العصب المذهبي تثور بين الحين والآخر؛ لتحصد أللآف من أرواح المؤمنين الأبرياء،كما يجري اليوم في العراق حيث يقتل المئات في كل يوم لا لذنب جنوه إلا لأنهم شيعة أهل البيت (ع). وخلاصة الكلام أن العصبية من أخطر العقبات في طريق بناء وتكوين العلاقات الاجتماعية فضلاً عما يترتب عليها من آثار خطيرة أخرى.
ثانياً: سوء الظن :
وهو مرض روحي خبيث ناتج من الجبن فـ(لا أجبن من مريب) ، ومن سوء السريرة، وقبح الأعمال، وقد بينت الأحاديث الشريفة أخطاره بدقة. فهو آفة الدين، ما حق للإيمان، مفسد للعبادة بل لجميع الأمور، وهو شر الإثم، وأعظم الوزر، وأقبح الظلم. باعث للشرور، وملقح للفتنة فمن سيطر عليه الشك والريب سلب الثقة من نفسه بكل أحد، وعطل علاقاته الاجتماعية ، يقول أمير المؤمنين (ع): (من غلب عليه سوء الظن لم يترك بينه وبين خليل صلحاً)
فالمبتلي بسوء الظن لا يستطيع أن يتآلف مع المجتمع، ولا يتحرك فيه والأخطر من ذلك أنه يوقف عجلة التكامل النفسي والروحي والأخلاقي ما دام يسيطر عليه القلق والخوف، والهم والألم في كل أوقاته يقول أمير المؤمنين (ع): (سوء الظن يردي صاحبه وينجي مجانبه)؛ لأنه يسلبه الثقة حتى من نفسه. فيبقى مستنبطاً للشر رغم أنه يحاول أن يظهر الخير، وبذلك يكون ذا وجهين من التعامل. فحتى لو بنى علاقات مع الآخرين يبقى الريب والشك مسيطراً على نفسه، وتصبح علاقاته علائق نفاق وخداع وتصنع، ومن آثاره أنه يخمد في النفس شعلة الحب والمودة، وينمي شجرة الخلاف والشقاق هذا على مستوى الفرد. وأما مردوداته السلبية على المجتمع فإنه يمنع التعاون، ويفرق الكلمة وينافر القلوب، ويشعل نار الفتن والحروب، ويدفع الإنسان لتتبع عيوب الآخرين فيبقى متلصصاً متجسساً جامعاً لسيئات الآخرين، وحتى لو اطلع على حسناتهم فسرها بصورة معكوسة، لأنه لا ينظر إلى الأشياء على حقيقتها إنما ينظر إليها من خلال التصورات التي يحملها والمشوبة بروح الشك والريبة فـ(من ساءت ظنونه اعتقد الظن بمن لا يخون)
ولهذا عد علماء الأخلاق سوء الظن من المهلكات يقول الشيخ النراقي: (ولا ريب في إن من حكم بظنه على غيره بالشر، بعثه الشيطان على أن يغتابه أو يتوانى في تعظيمه وإكرامه، أو يقصر فيما يلزمه من القيام بحقوقه، أو ينظر إليه بعين الاحتقار، ويرى نفسه خيراً منه، وكل ذلك من المهلكات على أن سوء الظن بالناس من لوازم خبث الباطن وقذارته، كما أن حسن الظن من علائم سلامة القلب وطهارته، فكل من يسيء الظن بالناس، ويطلب عيوبهم وعثراتهم فهو خبيث النفس سقيم الفؤاد، وكل من يحسن الظن بهم، ويستر عيوبهم فهو سليم الصدر ، طيب الباطن فالمؤمن يظهر محاسن أخيه، والمنافق يطلب مساويه وكل إناء يترشح بما فيه) انتهى كلامه رفع الله مقامه.
ونحن لسنا بصدد بيان هذا المرض النفسي بصورة مفصلة أو بيان علاجه وإنما أشرنا إليه بصورة مختصرة بكونه من العقبات الأساسية في طريق بناء العلاقات الاجتماعية.
وقد حذر الإسلام العظيم بشدة من هذا الوبال الخطير المهلك وأمر باجتناب أكثره، وعده إثم وذنب عظيم، يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)) (الحجرات:12)
وفي هذه الآية إشارة لطيفة ونكتة دقيقة حيث قال تعالى: ((اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ)) ولم يقل جميعه؛ لأن العاقل لا ينبغي له أن يحسن الظن بكل أحد على الإطلاق، وإنما ينبغي أن يضع على تصرفات بعض الناس علامات استفهام ويقف موقف الحذر والملاحظة الدقيقة من دون أن يسيء الظن بهم أو يرتب على ذلك أثراً حتى تنكشف حقائق الأمور، وهذا من باب الاحتياط خشية الوقوع في شباك شياطين الإنس، وقد ورد عنهم (ع): (من انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة فقد عرض نفسه للهلكة والعاقبة المتعبة)
كما ورد: (لا تثق بالصديق قبل الخبرة) لأن (الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم)
ومن هنا أكدت تعاليم أهل البيت (ع) بضرورة اختبار الإنسان قبل اتخاذه أخاً وصديقاً وحميماً يطمئن إليه، ونحن نذكر جملة من أقوال سيد الحكماء أمير المؤمنين،يقول: (الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار من قصور العقل).
وقال (ع): (قدم الاختبار، وأجدِ الاستظهار في اختيار الأخوان وإلا ألحاك الاضطرار إلى مقارنة الأشرار).
وقال (ع): (من اطمأن قبل الاختبار ندم)
إذن ليس للإنسان العاقل أن يطمأن إلى كل أحد بدون معرفة مسبقة واختبار دقيق، وأفضل الاختبار هي الصحبة والمرافقة، يقول أمير المؤمنين (ع): (كفى بالصحبة اختباراً) فمصاحبة الشخص ومرافقته تكشف حقيقته للإنسان بشكل جيد، ورغم ذلك كله يبقى حسن الظن هو الأصل والعكس استثناء، وهذا يختلف حسب طبيعة الوضع الاجتماعي من حيث صلاح المجتمع وفساده والظروف الزمانية السائدة فيه فالناس أبناء بيئتهم، وما تربوا عليه، وما ورثوه من عادات وتقاليد وقيم، وهذه تختلف من زمان إلى زمان، ومن بيئة إلى أخرى يقول أمير المؤمنين (ع): (إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثم أساء رجلٌ الظن برجل لم تظهر منه حوبة فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل الظن فقد غرر)
كما أن القاعدة الأساسية في الإسلام هي الحمل على الصحة حتى يثبت العكس، وبناءً على هذه القاعدة ينبغي التماس وجوه الصحة للآخرين، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة يقول أمير المؤمنين (ع): (اطلب لأخيك عذراً فإن لم تجد له عذراً فالتمس له عذراً)
وعنه (ع): (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك عليه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك، وأنت تجد لها في الخير محملاً)
وعنه (ع): (لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوءاً، وأنت تجد لها في الخير محتملاً)
وخلاصة القول أن سوء الظن من العقبات الشديدة في طريق بناء العلاقات. لابد من التخلص منها لمن أراد أن يدخل إلى المجتمع، ويعمل على تغيره، وقيادته، لأجل صلاحه.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com