موقع الصراط ... الموضوع : النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-7
 
الثلاثاء - 7 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النراقي والتكوين الحديث للعقل السياسي-7  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 13 / رجب / 1433 هـ
     
  6 ــ المجتمع والحكومة، النطاق الحقوقي:
لا شك أن الحكومة التي يدعو إليها النراقي هي الحكومة الدينية الشرعية القائمة على أساس العدالة والشرع، والشارع الحكيم في الوقت الذي عيّن فيه الحاكم وأوجب على الناس اتّباعه وطاعته، رسم الحقوق الاجتماعية والحكومية أيضاً، وأوكل تحديد تلك الحقوق ــ بقسميها ــ إلى من بيده السلطة السياسية وهم الفقهاء العدول. وعليه فإنّ الشريعة التي شرّعت حقوقاً كثيرة للرعية وألزمت القادة والحكّام بتطبيقها والإلتزام بها، أرجعت الرعيّة ــ في الوقت عينه أيضاً ــ في معرفة حقوقها الفردية والاجتماعية وتشخيص حدودها ونطاقها من زاوية شرعية إلى الفقهاء العدول، أي الحكّام على المجتمع، فهم المصدر الوحيد ــ في نظرية النراقي ــ لتحديد الحقوق الاجتماعية والحكومية لا غير.
وبطبيعة الحال، فحريّ بمثل هذه النظرية أن تكون أساساً لنظام حكم مركزي ومقتدر بقيادة مرجعية مركزية ومقتدرة، لكن لا ينبغي الخلط بين هذه النظرية وبين نظرية الدولة الدكتاتورية، أي الدولة التي يحكمها شخص واحد حقيقي ويكون فوق مستوى المساءلة، بحيث تكون الحكومة ضامنةً للمصالح الشخصية لحكّامها حيث تتساوى الغاية من إقامة الحكومة مع التسلّط السياسي والاستئثار بالقرار السياسي.
وبالرغم مما يمنحه النراقي من صلاحيات للطبقة الحاكمة التي يراها، إلاّ أن ذلك لا يتم إلاّ وفق معيار رئيس هو العلم، حيث: ((يجب عقلاً رجوع العامي للعالم))، فبقدر ما يستنبطه ويعيّنه هؤلاء من حقوق بقدر ما يجب إطاعتهم فيه، بل إنّ الفقهاء الذين استنبطوا تلك الأحكام هم أولى بامتثالها والأخذ بها؛ لمكان علمهم واجتهادهم.
وعليه فصِرف اختصاص القدرات والإمكانات بيد الحاكم لا يخلق منه دكتاتوراً، لأن لازم ذلك أن تكون جميع النظريات المعاصرة دكتاتورية؛ وذلك لأنّ دكتاتورية كلّ نظرية منوطة بطبيعة الحاكم الذي تسخّر له هذه المقدّرات، ومنوطة كذلك بالأهداف التي تفوّض على أساسها مثل هذه المقدرات.
هذا ما أمكننا عرضه من النظرية السياسية للنراقي، ولا شك أنّ هذا المقدار غير كافٍ لصياغة نظريته في هذا المجال بشكل متكامل، وإنّما هي محاولة لتصوير لمحة عن الإطار العام لهذه النظرية.
والذي يبدو لي أنّ النتائج التي يمكن ترتيبها على إعادة صياغة الفكر السياسي لدى النراقي عبارة عن:
أولاً: المساعدة في فهم وتحليل نظريته في ولاية الفقيه التي طرحها في كتابه عوائد الأيام.
ثانياً: توضيح الفكر الحاكم على إيران خصوصاً من الفترة القاجارية فما بعدها، وبنحو آخر أيضاً إلى قيام الجمهورية الإسلامية، ذلك الفكر الذي لم يضمحل في إطاره العام رغم الصدمة الكبيرة التي تلقّاها في الحركة الدستورية.
ثالثاً: إنّ بإمكان ذلك أن يؤثر في ترميم فكرنا السياسي الحاضر، أو ليست الحياة المستقلة لأي نظام سياسي وهو يعايش المجتمعات والآراء والنظريات الموجودة بوصفه جزءاً من أجزاء الحياة العالمية، ويحرص على مواكبة العصر، بحاجة إلى فكر حيّ وحرّ قائم على المنطق؟
إنّ الحياة المستقلّة والسياسة المستقلة تبتني على الفكر الحرّ، وإذا أُريد للفكر الحرّ أن يحافظ على استقلاله وحريته وحياته وتأثيره فلا بد وأن يواكب الزمن وأن يكون حاكماً عليه وسابقاً، ولا يتيسر هذا إلاّ في ظل الإصلاحات والتعديلات المستمرة للفكر وأركانه وأطره، وجعلها على محكّ المعطيات والمتطلّبات الزمانية، وهذا ما يحتاج إلى فكر حرّ وبالتالي إلى سياسة حرّة مستقلة، وفي غير هذا الحال سوف يكون موقفنا موقف المدافع الذي فوّت فرصة الهجوم والمبادرة، ومن ثم التراجع للاستتار خلف السواتر الدفاعية التي لا تقوى على المقاومة؛ لأنها قائمةً على أساس غير محكم من العقائد والأفكار لدى عامّة الناس، والتي لا تصلح أن تشكّل أساساً لفكر سياسي يراد له الحياة والديمومة؛ لأنّ ذلك طريق غير آمن ومحفوف بالخطر على المدى البعيد.
وعلى كلّ حال، إن مواجهة تحديات العصر لا ينبغي أن تخيفنا أو ترعبنا، فالطريق الوحيد للنجاح هو المثابرة والسعي الدائم في طريق الإصلاح العقلي والمنطقي للفكر الذي نؤمن به والذي يمثّل أرقى فكر يكفل سعادة الإنسان، لأن جذوره تمتدّ إلى الدين الإلهي، وهذا الطريق وإن كان محفوفاً بعقبات كبيرة، إلاّ أنّه الطريق الوحيد الذي يفترض بنا سلوكه.
ويعتبر تحليل آراء كبار السلف ونقدها من أهم الواجبات والمهام في هذا السبيل، أمّا البحوث والاستدلالات الكلامية فهي وإن كانت علاجاً مسكّناً ومحطات إقناع بشكل مؤقت إلاّ أنها تعتبر عابرة وغير دائمة التأثير، هذا مضافاً إلى أنّها سوف تضفي على فكرة ولاية الفقيه صبغة شيعية خاصة، وتحصرها في هذه الدائرة الضيّقة إذا ما قسناها بالدائرة الأكبر للمسلمين، بل ستغدو ــ من ناحية فكرية ــ قاصرةً عن الإجابة على تساؤلات المسلمين من غير الشيعة، رغم أننا لاحظنا ــ من خلال البحث السابق ــ أنّ نظرية ولاية الفقيه تمثل نظرية سياسية إسلامية تشمل جميع المجتمعات والمذاهب الإسلامية، فهي نظرية عامّة وعالمية.
إنّ تهذيب وترميم النظرية السياسية للنراقي في نطاق هذا البحث له أهميته الخاصّة به، حيث اتّصف هذا البحث بالحيادية وعدم اعتماد النقد كما لاحظنا؛ وذلك ليكون مناراً في هذا الطريق، فهذا هو المقصود وليست الدراسة النقدية، فهي خارجة عن قدراتنا، بل نسعى إلى دراسة نظرية ولاية الفقيه للنراقي في ضوء مجموع أفكاره وآرائه.
7 ــ النراقي والمراغي وتعدّد القراءات الفقهيّة لمقولة ولاية الفقيه:
تركت آراء جعفر كاشف الغطاء في هذا المجال آثارها على الفقهاء الذين تلوه، فقد استند في مسألة ولاية الفقهاء إلى أصل فقهي خاص، إلاّ أنه أجاز في الوقت نفسه ــ انطلاقاً من اطّلاعه على المسائل السياسية ــ لفتح علي شاه بمزاولة بعض الأمور الخاصة بالإمام (ع) وبالمجتهدين من بعده، وعلى كلّ حال فقد كان أصله الخاص في الاستدلال على هذه المسألة منشأ ــ في الفترة التي أعقبته ــ لطريقتين ونظريتين متفاوتتين فيها.
فالفقهاء الذين كانوا على ارتباط بالمسائل السياسية، بادرت غالبيّتهم ــ عندما طرحت فكرة ولاية الفقيه ــ إلى الإيمان بها، وأثبتوا إطلاقها وعدم محدوديتها، وكان النراقي على رأس المبادرين إلى ذلك، وحيث يرجع الفكر السياسي في إيران في مبادئه وأسسه في تلك الحقبة التي عاصرها النراقي ــ من حيث طبيعته ــ إلى فترة قديمة، لذلك ــ أي لأجل الفترة التي كان ينتمي إليها الفكر السياسي آنذاك ــ شقّت مقولة ولاية الفقيه طريقها في فكر النراقي ومن تابعه إلى زمان الحركة الدستورية.
وقد كانت جهودهم تصبّ في إثبات الولاية المطلقة للفقهاء، حيث تمّت صياغة صلاحياتهم وحقوقهم جميعها ضمن قاعدة عقلية كلّية، صارت فيما بعد المدار والمحور في الاستدلال والاستنباط.
في المقابل، ثمّة فريق آخر من الفقهاء ممن كان بمعزل عن السياسة وملابساتها، عندما يصل بحث ولاية الفقيه يقتفي المنهج الخاص لكاشف الغطاء في معالجة النظرية، فكان العمدة في بحثهم التركيز على شمول الأدلّة في هذه المسألة وتشخيص حدودها وأبعادها، لا في الموارد المستثناة من هذه القاعدة وهذا الشمول، وأبرز هؤلاء المير عبدالفتاح المراغي صاحب كتاب العناوين، الذين فرغ من كتابته بعد سنة واحدة من صدور العوائد للنراقي، كما ينقل فيه عن الأخير.
وعلى هذا الأساس، انقسم الفقهاء إلى تيارين متأثّرين بكاشف الغطاء وآرائه هنا، الفقهاء الذين يؤمنون بولاية الفقيه على إطلاقها، والفقهاء النافون لهذا النحو من الولاية، وقد مثّل كلّ من النراقي والمراغي أنموذجين بارزين لهذين التيارين. وسوف نقارن بين رأيي هذين الفقيهين، ولا نحسبنا بحاجة للإشارة هنا قبل الدخول في المقارنة إلى أنّ الخلاف بين الفريقين ليس في أصل ثبوت الولاية للفقهاء، بل في حدودها وأبعادها وصلاحياتها، ويتأثر هذا الاختلاف بالخلفيات والنظرات غير الفقهية لدى كلّ واحد من هؤلاء الفقهاء، فالمهتمّين منهم بالسياسة يستنتجون استنتاجاً يختلف في طبيعته عن غيرهم.
يحاول العلمان المذكوران ــ النراقي والمراغي ــ استعراض كلّ ما يطلق عليه دليلاً فقهياً من العقل والنقل والإجماع، كما يرجعان معاً إلى الأصل الذي يتمسّك به كاشف الغطاء وهو: ((الأصل الأولي عدم ثبوت ولاية أحد من الناس على غيره؛ لتساويهم في المخلوقية والمرتبة، ما لم يدلّ دليل على ثبوت الولاية؛ ولأنّ الولاية تقتضي أحكاماً توقيفية، فلا ريب في أن الأصل عدمها إلاّ بالدليل))، ويكمن الفارق بينهما في أنّ النراقي يؤسّس لقاعدتين كليتين وعقليّتين، يرتّب البحث في المسائل التي يبحثها جميعها عليهما، فيما يرفضهما المراغي بتاتاً.
ويمكن لهذا الاختلاف أن يكون مائزاً بين هذين الفقيهين، وقد أشرنا قبل صفحات إلى القاعدتين المذكورتين، وسنذكرهما نصّاً بالتفصيل في الهامش، وذلك لأهمّيتهما. والتأمل في هاتين القاعدتين يقودنا إلى الإذعان بأن القاعدة الثانية متضمّنة في الأولى ومؤدّية لها، وتتجلّى مصاديق الثانية في المناط الكلّي المذكور في الأولى، ويركّز النراقي في استدلاله بهذه القاعدة على ثلاثة أركان:
1 ــ الإجماع كما صرّح به كثير من الأصحاب بحيث يظهر منهم التسالم.
2 ــ الروايات العديدة الدالّة على ذلك والتي ذكرها.
3 ــ العقل.
وقد نقل من النصوص بعد الإجماع (19) رواية، ثم يستدلّ بعد نقل النصوص قائلاً: إن من البديهيات التي يفهمها كلّ عاميّ وعالم ويحكم بها: أنه إذا قال نبيّ لأحد عند مسافرته أو وفاته: فلان وارثي، ومثلي، وبمنـزلتي، وخليفتي، وأميني، وحجتي، والحاكم من قبلي عليكم، والمرجع لكم في جميع حوادثكم، وبيده مجاري أموركم وأحكامكم، وهو الكافل لرعيّتي، أنّ له كل ما كان لذلك النبي في أمور الرعية وما يتعلق بأمّته، بحيث لا يشكّ فيه أحد، ويتبادر منه ذلك، كيف لا؟ مع أنّ أكثر النصوص الواردة في حقّ الأوصياء المعصومين، المستدلّ بها في مقامات إثبات الولاية والإمامة المتضمّنين لولاية جميع ما للنبي فيه الولاية، ليس متضمّناً لأكثر من ذلك، سيما بعد انضمام ما ورد في حقهم أنهم خير خلق الله بعد الأئمة، وأفضل الناس بعد النبيين، وفضلهم على الناس كفضل الله على كل شيء، وكفضل الرسول على أدنى الرعية.
وإن أردت توضيح ذلك، فانظر إلى أنه لو كان حاكم أو سلطان في ناحية وأراد المسافرة إلى ناحية أخرى، وقال في حقّ شخص بعض ما ذُكر فضلاً عن جميعه، فقال: فلان خليفتي، وبمنـزلتي، ومثلي، وأميني، والكافل لرعيتي، والحاكم من جانبي، وحجّتي عليكم، والمرجع في جميع الحوادث لكم، وعلى يده مجاري أموركم وأحكامكم، فهل يبقى لأحد شك في أنه له فعل كلّ ما كان للسلطان في أمور رعية تلك الناحية؟ إلا ما استثناه، وما أظن أحداً يبقى له ريب في ذلك، ولا شك ولا شبهة.
وناقشه في ذلك معاصره المراغي، إضافة إلى نقده لما استدلّ به من نصوص، فقال: ((وهذه الروايات لا دلالة فيها على الولاية، نظراً إلى أنها مسوقة لبيان الفضل لا لبيان الولاية، ولا نسلّم الملازمة بين الفضل والولاية، بمعنى كون كل فاضل وليّاً على مفضول، سيّما إثبات الولاية العامّة المطلقة التي نحن بصددها، نعم، كون كلّ وليّ فاضلاً قضى به قبح ترجيح المرجوح أو المساوي، وأمّا كون كلّ فاضل وليّاً فلا دليل عليه، والأخبار لا دلالة فيها على أزيد من التفضيل، وهو غير المدّعى، وليس بمستلزم له)).
فالروايات التي استدلّ بها النراقي لا تمثّل دليلاً مستقلاً ــ عند المراغي ــ لإثبات الولاية المطلقة للفقهاء، بل هي واردة لبيان فضلهم ومقامهم، ولا ملازمة بين الأمرين، فاللازم في إثبات المطلوب إقامة الدليل المباشر عليه، ولا تصلح الروايات التسعة عشرة المتقدّمة دليلاً لذلك.. وهكذا يحاول المراغي من خلال هذه المناقشة زعزعة القاعدتين الكليتين اللتين أسّسهما النراقي وأشاد عليهما بناءه، ثم يخلص إلى القول مستنتجاً: ((وبالجملة فالعمدة هنا الإجماع، وما مرّ من الأخبار على ما ذكرناه في بعضه، ولولا ذلك لما اقتضى كون الشيء مما لابد منه ثبوته على الفقيه، بل كان سبيله كسبيل الواجبات الكفائية، نعم لو أريد إثبات جواز مباشرة الحكّام أو وجوبها عليهم ولو كفايةً ــ وبعبارة أخرى عدم المنع عليهم في هذا التصرف ــ لأمكن إثباته على هذا الفرض، وهو ليس محلّ البحث، فتدبّر)).
وقد تابع الشيخُ الأنصاري المراغيَّ في مناقشاته عندما أخذ يشكك في الإجماع.. وبهذا فقد أجهز أتباع هذا المنهج على فكرة الولاية المطلقة للفقهاء، وذهبوا إلى تحديدها بحدود الأمور الحسبية.
لكن ــ وكما تقدّم ملاحظته في استدلال النراقي ــ مجرّد الفضل والمنـزلة الثابتة للفقهاء كافية في ثبوت الولاية، فلا يلزم بناءً على ذلك وجوب دلالة الأخبار عليها بالمباشرة، بل حتى لو كانت في مستوى الإشعار بفضلهم ومقامهم ــ وهو أدنى مستويات الدلالة ــ كفى ذلك في إثبات المطلوب.
وبناءً على ذلك ــ أي القبول بأنّ الفضيلة تستلزم الولاية ــ لا يستقيم ما ذكره المراغي من المناقشة في الاستدلال بالروايات، ولا ما ذكره الشيخ الأنصاري من المناقشة في الإجماع، فيبقى ما ذكره النراقي من الاستدلال باقياً على قوّته، رغم أنّ دلالة الروايات التي تمسّك بها لا تفيد أزيد من بيان فضل الفقهاء ومقامهم.
إن ملاحظة منظومة الفكر السياسي عند النراقي تنتج أن العقل يقضي ــ وبمعزل عن الروايات المذكورة ــ بلزوم أن تكون الولاية للفقهاء العدول، لأنّ العدالة وتطبيقها تُعدّان رأس الفضائل، ومعرفة العدالة منوطة بمعرفة الشريعة، فإذاً الفقهاء عدول، لأنّهم يتّصفون بأعلى الفضائل، والعقل يدرك أنهم منصوبون من قبل الشارع، ويدلّ على ذلك ما استدلّ به النراقي في القاعدة الأولى التي تقدّم نقلها، وكذا المتبادر من أنّ للفقهاء جميع الصلاحيات الثابتة للنبي (ص).
وأما استدلال المراغي على أنّ مقتضى الروايات هو: ((كون كلّ ولي فاضلاً، وأمّا كون كل فاضل ولياً فلا دليل عليه)). فلا يمكن أن تصلح إشكالاً على نظرية النراقي؛ لأنّ النراقي لايرى ثبوت هذه الصلاحيّات لتمام الفقهاء في عصر واحد، بل هي لأفضلهم، وفي صورة التساوي فإنّ الناس يختارون أحدهم، وعليه فإنّ كلّ من يُنتخب إمّا لأفضليته أو لتساويه تثبت له جُملة الصلاحيات، وقد تعرّض النراقي بمنهج خاص لبيان الطريقة التي ينتخب من خلالها المرجع، وقد تقدّم شرح ذلك ونقله سابقاً.

الخلاصة:
حاولنا في هذا المقال إعادة صياغة النظرية السياسية للفاضل النراقي لصقلها في منظومة الفكر السياسي.. وقد استفدنا في ذلك من مؤلّفاته الأخلاقية والفقهية، كما دعمنا ذلك ببعض المقطوعات من ديوان شعره بالفارسية.
لقد لاحظنا النراقي في كتابه معراج السعادة ــ الذي تأثّر فيه بالأخلاق الفلسفية الأفلاطونية والأرسطية القديمة ــ يشبه الفكر اليوناني في النـزعة السياسية الأخلاقية، وتعتبر هذه الخصيصة من أهم ركائز هذا الفكر الأخلاقي.. حتى أنّ النراقي كتب سيف الأمّة وبرهان الملّة ردّاً على مارتن لوثر وپادري النصراني، حيث طرح فيه نفس هذه الأفكار التي تبنّاها.
إنّ ملاحظة المضمون الأخلاقي، الديني والسياسي لمعراج السعادة يكشف عن نمط خاص من الفكر السياسي يحفظ للعلم سيادته وموقعه المتميّز والمرموق. وينطلق النراقي من أن قوام المجتمع والفرد وديمومتهما مرهونتان بالعدالة، ليستدلّ على أنّ معطي العدالة ومصدرها الوحيد للناس هو الله تعالى. والشريعة ــ بناءً على ذلك ــ هي المعيار للعدالة، وتطبيقها هو الكفيل بتحقيق العدالة وحفظ سلامة الإنسان وديمومة المجتمع واستمراره، ومن هنا، فإنّ الذي له أهلية القيادة في عصر الغيبة هو العالم بالشريعة؛ أي الفقيه، وهذا ما استدلّ عليه النراقي في العوائد بشكل محكم ورصين.
كما يطرح النراقي أيضاً ما أطلقنا عليه هنا فكرة السلطان المقلّد، وذلك في حال عدم تهيؤ الأرضية المناسبة لتولّي الفقهاء السلطة بشكل مباشر، فنجد النراقي حتى في مثل هذه الظروف لا يستسلم للأمر الواقع وإنما يحاول جهد المستطاع جعل السلطان الحاكم تابعاً للشريعة وآراء الفقهاء؛ ليقلّل من وطأة الأزمات السياسية والاجتماعية.
إن النراقي وإن كان يميل ــ اضطراراً ــ إلى مثل هذه الفكرة، إلاّ أنّه يحرص على أن يكون هذا السلطان تابعاً للعدالة والشريعة المحمدية، وقد عبّر عن مثل هذا السلطان بالعادل الأوسط.
المصدر: مجلة نصوص معاصرة.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com