موقع الصراط ... الموضوع : الإشاعة
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإشاعة  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 20 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) (النور:19)
الآية الكريمة نزلت في حادثة معينة معروفة لا نريد التعرض لها, لأن الآية لا تختص بمورد النزول - في قصة الأفك المعروفة- بل إنها تفيد العموم, ولذا فهي تشمل كل من كان مريداً لهذا الفعل الشنيع فضلا من أن يكون فاعلا فالعبرة بعموم اللفظ لا بقذف أم المؤمنين عائشة.
ومعنى الفاحشة هنا مطلق الفاحشة وهي: (ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال) كما تشمل كل خصلة قبيحة.

معنى الإشاعة:
في اللغة هي انتشار الخبر بين الناس تقول شاع الحديث إذ ظهر في العامة.
وفي الاصطلاح السياسي: (هي النبأ الهادف الذي يكون مصدره مجهولاً -ويروج ضد جهة معينة بهدف إسقاطها ، وفي بعض الأحيان بهدف إسنادها- وهي سريعة الانتشار ذا طابع استفزازي أو هادئ حسب طبيعة النبأ)
وهي أسلوب من أساليب الحرب النفسية يهدف زعزعة ثقة الإنسان بنفسه، أو إسقاط اعتباره في المجتمع الذي يعمل فيه (وتعتمد الإشاعة على الترويج, ومادتها الافتراء, والخبر المكذوب, وأسلوبها المبالغة في عرض الخبر, وتضخيم تفاصيله, ومسخ حقائقه)
(والشائعة تقوم أساساً على انتزاع بعض الأخبار والمعلومات ومعالجتها بالمبالغة, والتوهين مع إلقاء الضوء الباهت على تفاصيل معينة تجسم بطريقة الفعالية)
وعلى كل حال فهي سلاح هدام ينتشر من مصدر خفي يستهدف إسقاط شخص, أو جهة, أو مبدأ, وهو سلاح العاجز عن مواجهة الحق بالقوة والغلبة. وبالمنطق الجلي الدافع.

دوافع الإشاعة:
للإشاعة دوافع نفسية كامنة في النفس لا يستطيع الحاملون لها أن يبرزوها بشكل واضح لافتقارهم للحجة والبرهان, ومن هذه الدوافع:
1- الشعور بالنقص النفسي: وعدم القدرة في التفوق على الخصم بالبرهان الواضح والحجة الدامغة, أو القوة الضاربة.
2- المصلحة الشخصية أو السياسية: قد تقتضي مصلحة شخص أو حزب أو أي جهة إلى إسقاط الجهة المعاكسة لها في المصالح, أو الأهداف، ولا يمتلك الشخص أو الجهة الوسيلة الناجحة لإسقاطه فيلجأ إلى الإشاعة بهدف زعزعة ثقة الآخرين بتلك الجهة لإبعادهم عن خصمه, وقطع الروابط معها.
3- الفشل في الحياة العلمية أو العملية: كثير من الناس من يحاول أن يحمل الآخرين أسباب فشله في الحياة فيختلق الأكاذيب والافتراءات لإسقاط من يحسدهم من الناس. فيبقى حسداً من نفسه يترصد لعيوب الآخرين, ويتتبع هفواتهم ليسد ما في نفسه من نقص,وليحمل غيره أسباب فشله فيبقى يثير الإشاعات عنهم.
4- التخطيط الاستعماري (الطابور الخامس): وهذا له مدارس ومعاهد وخبراء في ذلك يتبعون شتى الفنون والأساليب في هذا المسلك الخسيس, وإذا لم يكن الإنسان يقظاً وفطناً فإن يصبح بوقاً لأولئك من دون أن يشعر.

التهم التي تروجها الإشاعة:
تختلف الإشاعة حسب الزمان والمكان والأشخاص والأهداف فلكل وقت أسلوبه في طريقة بث التهم حسب ما يناسب الزمان فمثلاً في زمان رسول الله (ص) عندما شرعت قريش بمقاومة التحرك الإسلامي. فبعد أن فشلت عروضها المختلفة من الترغيب والترهيب والتعذيب...الخ لجأت إلى أسلوب الإشاعات فرموه بالسحر, والجنون, والكذب, والشعر، والتهم الأخلاقية كما أشاع المنافقون في حديث الإفك حتى فضح الله افتراءاتهم, وفي زماننا يتهم المؤمن بالرجعية مرة, وبالتخلف الفكري ثانياً, وبالعقلية القديمة ثالثاً... وإذا كان المؤمن يمتلك الثقافة العالية، والحركية المغيرة, والوعي السياسي, رمي بالعمالة للأجنبي, وبالمتاجرة بالدين... وهلم جرا مما يخطر لهم من أفكار شيطانية. متغافلين عن كل عمل صالح , وصفة إيجابية خيرة محاولين إظهار الجوانب السلبية بحيث أنهم يحاولون النفوذ من أصغر كوة ولو كانت أقذر ما في الأرض, يقول أمير المؤمنين (ع):
(الأشرار يتتبعون مساوئ الناس، ويتركون محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة)

أساليب نشر الإشاعة:
يحاول ناشرو الإشاعات أن يسلكوا شتى السبل والأساليب لترويج ما يرومون نشره من أخبار هادفة, ولكنهم يتفقون على أمور معينة، هي:
1- اختلاق الأكاذيب (البهتان).
2- التفسيرات المعاكسة لمقصد الخصم. حيث يحاولون أن يفسروا قصد المقابل عكس معناه ليصلوا إلى إسقاطه.
3- تضخيم الخطأ على فرض حصوله حتى تصير النملة جملاً والذرة جبلاً.
4- حجب الأخبار الحقيقية عن المجتمع, أو إبداء شيء بسيط منها...
5- محاولة الحصول على أخبار حقيقية.

مواصفات الإشاعة:
هنا سؤال يطرح نفسه: كيف تميز بين الخبر الحقيقي والإشاعة؟ إذا أردنا أن نعرف ذلك لابد وأن نحدد مواصفات الإشاعة.
1- إنها تحمل شيئاً من الحقيقة لا كل الحقيقة, فالمشيع للخبر يأخذ رأس الخبر, ويبقى ينسج عليها من خيالاته الوهمية ؛ ليبني صرحاً من الأباطيل.
2- إن الإشاعة تتسم بالغموض فالشيء المطروح غير واضح , وإنما يكون عائماً ضبابيا لا يركز على قضية معينة ؛ ليوهم الآخرين بوجود أمر يجهلونه... فهو يطلق بالوناً في الهواء, ويتركه يحوم فوق رؤوس الآخرين أما ماذا يحمل فغير بَيِّنٍ ولا معلوم؛ ليثير شبهة , وليولد قلقاً في النفوس.
3- اعتماد التكرار والصياغات المختلفة.
4- تتركز في الوسط الذي يعمل فيه الخصم.
إذا استطعنا أن نحدد هذه المواصفات بدقة, وندركها بوعي حينئذ نستطيع أن ندرس الخبر, ونحلله إلى عناصره, ونعرف ما وراءه من أهداف, وبذلك نستطيع أن نميز الخبر الصحيح من الإشاعة الكاذبة.

أهداف الإشاعة:
للإشاعة أهداف كثيرة شخصية وسياسية واقتصادية وعسكرية, وأما الأهداف العامة:
1- تشويه سمعة الأشخاص من المؤمنين العاملين في وسط الأمة لزعزعة ثقة المجتمع فيهم.
2- تمزيق وحدة الصف في الأمة؛ وذلك بخلق تيار روح الشك والحساسية بين أبنائها.
3- هدم معنويات المؤمنين, وخلق القلق النفسي, وإشغالهم بأمور هامشية تبعدهم عن أهدافهم الحقيقية.
4- بلبلة الأفكار في وسط المؤمنين بنشر أخبار مزورة لا أساس لها من الصحة؛ لإضعاف الروح المعنوية, وتصديع الجبهة الداخلية.

كيف نواجه الإشاعة؟
لا يمكن القول أن السكوت وإهمال ما يشاع بأنه صحيح, بل يجب أن يرد عليها بأسلوب حكيم دقيق, فقد قال أمير المؤمنين (ع) : (إذا قذفت بشيء فلا تتهاون به, وإن كان كذباً، بل تحرز من طرق القذف جهدك، فإن القول وإن لم يثبت يوجب ريبة وشكاً)
إذن لابد من التحرز من سموم الإشاعات أولاً, وإذا ما حدثت فيجب أن نثبت العكس عملياً بشرط أن يكون فعلاً لا رد فعل معاكس لما يشاع فإن ذلك يزيد الريبة, ولابد أن يحدث هذا الفعل بحكمة وروية تغير مجرى الإشاعة أو تقبرها في مهدها ,وهذا يحتاج إلى ثقة عالية بالنفس, وبالخط الذي نعمل فيه لتحقيق الهدف الأسمى, ويمكن تلخيص خطوات الرد بالنقاط التالية:
1- الالتجاء إلى الله تعالى, والثقة بأنه وحده الذي يكف عدوان الظالمين يقول الله تعالى: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)) (الزمر:36)
2- تقوية الثقة بالنفس, وعدم الاهتزاز والانفعال لذلك, بل يجب الهدوء والوقار , وعدم إبداء التأثر أمام الناس, والصبر على ما يقال, يقول تعالى: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) (طـه:130)
((وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)) (المزمل:10)
الدقة في أسلوب الرد بحيث يثبت العكس, ويدحض الافتراء , وهذا يحتاج إلى دراسة الإشاعة, وتحليلها, وكشف الجانب الكاذب فيها. فإذا كان الرد رداً انفعالياً مضطرباً فإنه سيثبت صحتها فضلاً عن دحضها.
4- مراقبة السلوك الشخصي, وعدم إعطاء نقطة ضعف للعدو المتربص لجمع الأخطاء. سأل رجل أمير المؤمنين (ع): (بماذا أسوء عدوى؟ فقال: بأن تكون على غاية الفضائل، لأنه إن كان يسوؤه أن يكون لك فرس فاره، أو كلب صيود، فهو لأن تذكر بالجميل, وينسب إليك أشد مساءة)
5- إثبات العكس بالعمل لا بالقول فقط...
6- البحث عن عناصر الإشاعة, وطرق انتشارها, وكشف أهدافها, وهذا يساعد على إبطال مفعولها.
وقد حرمت الشريعة المقدسة نشر الإشاعات , وحذرت المؤمنين من هذا المسلك الوخيمة عاقبته. ففي الآية التي صدرنا البحث عنها فيها إشارة دقيقة إلى فضاعة نشر الأباطيل. حيث إنها لم تشر إلى الناشر مباشرة, وإنما أشارت إلى من يحب , ويفرح بنشرها على المؤمنين. فإذا كان من يحب أن تنتشر له عذاب أليم فكيف بمن يقوم هو بنفسه بنشرها. فلاشك أن عقابه أكثر وأشد, ومن هنا يمكن القول أن من الواجب على المؤمن أن يراقب قلبه عندما يسمع, ويتأمل في نفسه هل لاقى ذلك ارتياحاً في نفسه أم استنكاراً, ثم يقوم بعد ذلك بدوره في رد الإشاعة. فضلاً عن الحديث فيها يقول الإمام الصادق (ع): (من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز وجلّ: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ...)) )
وعنه (ع): (قال رسول الله (ص): من أذاع فاحشة كان كمبتدئها)
(عن عبد الله بن سنان قال: قلت له: عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال: نعم، قلت: تعني سفليه, قال: ليس حيث تذهب، إنما هي إذاعة سره)
ونعود إلى القول: بأن الاعتقاد الصادق، والهدف الصالح، والمبدئية الراسخة لا يمكن أن تزلزلها الدعايات والإشاعات, بل تزيدها إيماناً, ورسوخاً, واستمراراً في العمل، يقول الإمام الكاظم (ع): (يا هشام لو كان في يدك جوزه , وقال الناس: لؤلؤة ما كان ينفعك, وأنت تعلم أنها جوزه، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: أنها جوزه ما ضرك , وأنت تعلم أنها لؤلؤة)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com