موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-27
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-27  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 20 / رجب / 1433 هـ
     
  وفود العرب بين الرسول (ص):
بعد أن أظهر الله دينه، ونصر نبيه، وكسرت شوكة قريش، وسقطت هيبتها، ولم يعد أحد يخاف بطشها توجهت أنظار العرب صوب المدينة المنورة، فقد أصبحت مركز القوة في الجزيرة العربية، فصارت أكثر القبائل تخطب ودها، وتتقرب إليها، ولا سيما بعد أن انتشر صيت رسول الله (ص) وسُمُوه الأخلاقي، وحكمته الإلهية، ومعجزاته الخارقة، وسياسته الحكيمة، وعدله، وشجاعته، وعفته، وحكمته صار نقطة استقطاب لكل القبائل؛ ولذلك (جعلت قبائل العرب بعد ظهور الإسلام ترسل وفودها إلى النبي (ص) بالمئات والعشرات، والجماعة والآحاد بعضها مسلمة، وبعضها على شركها فمنها من يسلم فوراً ومنها بعد مدة، ومنها يبقى على شركه، وهو القليل، ومن يسلم يعود إلى قومه، فيسلمون كلهم، أو بعضهم، أو يبقون على شركهم، ومنهم من يبايع على قومه)
ونحن إذا تأملنا في لقاءات رسول الله (ص) واستقباله، وتوجيهاته، وإرشاداته، وأسلوب مخاطبته تتجلى لنا الحكمة الرسالية، ويتضح لنا منهج التغيير والإصلاح بدقة متناهية، ففي كل لقاء من لقاءاتها ترى أسلوباً يختلف حسب مستوى الوفد من حيث العدد، ومراعاة العادات والتقاليد السائدة فيها، فيخاطبها بما يثير فيها العواطف النبيلة، ويصعد فيها الروح الإنسانية، وكان (ص) يدخل إلى نفوسهم من الجوانب الإيجابية فيهم، وما عرفوا فيه من صفات كريمة كالكرم، والشجاعة والإباء، والعفة، وغيرها... ويعالج بعض الظواهر السلبية كتغيير بعض الأسماء التي توحي بالغلظة، والخشونة، والجهل، (ويعرف من سيرته (ص) معهم فضيلة الإسلام، وشيء كثير من السياسة الإسلامية الباهرة التي أوجبت انتشار الإسلام بسرعة فيهم، وفي غيرهم، فكان (ص) يكرمهم، ويوسع لرؤسائهم في المجالس، ويجلسهم بجانبه، ويؤنسهم بالحديث، ويسألهم عن أهاليهم وبلادهم، ويغير أسماءهم بأحسن كعبد العزى بعبد الله، وغوي براشد، ويدعو لهم، ويحلم عن جاهلهم، ويعفو عن مسيئهم، ويطلق لهم أسراهم، ويضيف كثيراً منهم، ويعطيهم الجوائز، ويتألفهم مهما أمكن، ويزجر من تعدى طوره منهم بما يخالف الشريعة الإسلامية، ويأمر من يرسله لقبض زكاتهم أن يأخذها من أغنيائهم، فيردها على فقرائهم)
وقد ذكر السيد الأمين في أعيانه نقلاً عن طبقات ابن سعد أسماء أكثر من خمسين وفدا قدموا إلى رسول اللهً، وما وقع فيها من استقبال وكلمات رسول الله (ص)، وتوجيهاته لهم، ونحن نذكر بعض تلك الدروس والعبر التي تجلت من خلال لقاءاته مع الوافدين، علَّنا نقتبس بشيء من نوره (ص). (كان أول من وفد على رسول الله (ص) من مضر أربعمائة من مزينة، وذلك في رجب... فجعل لهم رسول الله (ص) الهجرة في دارهم، وقال أنتم مهاجرون حيث كنتم، فارجعوا إلى أموالكم، فرجعوا إلى بلادهم)
ثم يذكر ابن سعد أنَّ نفراً (من مزينة منهم خزاعي بن عبد نهم، فبايعه على قومه مزينة، وقدم معه عشرة)
ثم إنَّ خزاعياً خرج وأراد إلى قومه، فلم يجدهم كما ظن (يعني أنَّهم لم يستجيبوا لدعوته)، وأراد رسول الله (ص) أن يثير فيهم العواطف النبيلة؛ ليفتح قلوبهم على الإسلام، (فدعا رسول الله (ص) حسان بن ثابت فقال: اذكر خزاعياً، ولا تهجه، فقال حسان بن ثابت:
ألا أبلغ خزاعياً رسولاً * بأن الذم يغسله الوفاء
وأنَّك خير عثمان بن عمرو * أسناها إذا ذكر السناء
وبايعت الرسول وكان خيراً * إلى خير وأداك الثراء
فما يعجزك أو ما لا تطقه * من الأشياء لا تعجز عداء
قال: وعداء: بطنه الذي هو منه، قال: فقام خزاعي، فقال: يا قوم قد خصكم شاعر الرجل، فأنشدكم الله، قالوا: فإنَّا لا ننبو عليك، قال: وأسلموا، ووافدوا على النبي (ص) ، فدفع رسول الله (ص) لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعي، وكانوا يومئذ ألف رجل)
وهكذا كان رسول الله (ص) يفتح القلوب، ويشرح الصدور، ويثير في الإنسان حمية الإيمان، فتنجذب إليه النفوس، وتلقى إليه يد الطاعة، وفي ذلك من حسن السياسة، والدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة.
ووفد عليه وفد جهينة لما قدم (ص) المدينة، وفيهم عبد العزى بن بدر، فغير اسمه بعبد الله، ثم قال: من أنتم؟ قالوا: بنو غيان قال: أنتم بنو رشدان، وكان اسم واديهم غوى، فسماه رسول الله (ص) رشداً... وخطَّ لهم مسجدهم، وهو أول مسجد خط بالمدينة .
وهنا نلاحظ أنَّ رسول الله (ص) أراد أن يغرس في نفوسهم الرشد في كل شيء حتى في الأسماء، ويطهرهم من عادات الجاهلية المقيتة، وتلك هي سنة التغيير والإصلاح أن يطرد عنهم كل ظاهرة سلبية.
وكان يلاقي (ص) من بعض الوفود غلظة وجفاء في المسائلة، فكان يوسع لهم صدره، ويجيبهم عن كل ما يسألون، فيستوعبهم، ويجذبهم إليه بعد أن يفتح القلوب وينور العقول كما في لقائه بوفد بني سعد بن بكر، الذين وفدوا في رجب سنة خمس، (أرسلوا وافداً إليه (ص)، فأغلظ في المسألة، سأله عمن أرسله، وبما أرسله وعن شرائع الإسلام، فأجابه عن ذلك كله، فرجع مسلماً فما أمسى في حاضره رجلاً ولا امرأةً إلا مسلماً، وبنوا المساجد، وأذنوا)
وكان (ص) يصحح بعض التصورات الخاطئة التي يقع فيها المجتمع نتيجة الجهل بكتاب الله تعالى، كما في وفد عبس، فقد قالوا: (إنَّه قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنَّه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواشٍ، هي معاشنا فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا) فقال رسول الله (ص): (اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئاً)
وكان بعضهم على ما يبدوا مطلعاً على الأدبيات السائدة آنذاك ، فأخذ يقارن بين تلك الأدبيات، وبين ما يسمعه من رسول الله (ص) من قرآن وسنة فبهره القرآن، وغير رؤاه وتصوراته كما يقول قيس بن نسيبة من بني سليم حين وفد على رسول الله (ص)، وأخذ يسأله (عما شاء، فأجابه، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، ورجع إلى قومه، فقال لهم: قد سمعت ترجمة الروم، وهينمة فارس، وأشعار العرب، وكهنة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمدٍ شيئاً من كلامهم، فلما كان عام الفتح خرج منهم سبعمائة إلى رسول الله (ص)، فلقوه بقديد، واسلموا، وكانوا في مقدمته)
وحين وفد عليه عشرون رجلاً (من عبد القيس من ربيعة، فقيل: يا رسول الله، هؤلاء وفد عبد القيس، قال: مرحباً بهم، نِعْمَ القوم عبد القيس، اللهم اغفر لعبد القيس، أتوني لا يسألوني مالاً، هم خير أهل المشرق)
وكان (رئيسهم عبد الله بن عوف الأشبح، وكان دميماً، فقال رسول الله (ص): إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه قلبه ولسانه، وقال له: فيك خصلتان يحبهما الله الحلم والأناة، وأنزلهم في دار رملة بنت الحارث، وكان ينزل فيها الوفود، وأجرى عليهم ضيافة، وأقاموا عشرة أيام، وكان عبد الله الأشبح يسأل رسول الله (ص) عن الفقه والقرآن، وأمر لهم بجوائز، وفضل عبد الله، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشأ)
وفي هذا اللقاء دروس دعوية أخلاقية تغير واقع الإنسان، وترفع مستواه النفسي، والفكري، ولا عجب فإنَّه رسول الله (ص).
وفي (وفد شيبان وفد عليه (ص) حرملة بن عبد الله من بني كعب من بلعنبر من بني شيبان، فقال: يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل؟ فقال: ائتِ المعروف، واجتنب المنكر، وانصرف، ثم رجع، وقال: يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل؟ قال: ائتِ المعروف، واجتنب المنكر، وانظر الذي تحب أذنك إذا قمت من عند القوم، أن يقولوه لك فائتِه، والذي تكره أن يقولوه لك إذا قمت من عندهم، فأجتنبه)
وفي هذا اللقاء أسس لهم رسول الله (ص) قاعدة أخلاقية اجتماعية رائعة؛ لتصبح قانوناً أخلاقياً يسود في المجتمع.
وهكذا كان يعطي لكل جماعة تفد عليه (ص) ما يصلح واقعهم، ويغير حالاتهم النفسية، وترفع من مستواهم الروحي، والفكري، وتعيد لهم ثقتهم بالله تعالى، مثلاً على ذلك يقول (ص) لوفد الأزد حين أسلموا: (مرحباً بكم، أحسن الناس وجوهاً، وأصدقه لقاء، وأطيبه كلاماً، وأعظمه أمانةً، أنتم مني، وأنا منكم)، وجعل شعارهم مبروراً.
ففي كلمات مختصرة سلسلة ميسرة غرس فيهم أربع خصال محبوبة تنجذب إليها النفوس وهي: حسن الوجوه، وصدق اللقاء، وطيب الكلام، وعظمة الأمانة، وفوق ذلك نسبهم إلى نفسه.
وحين نظر إلى حسن هيئة وفد النخع أعجب بهم، فقال لهم: (هل وراءكما من قومكما مثلكما؟) قالا: (يا رسول الله، قد خلفنا من قومنا سبعين رجلاً كلهم أفضل منا)، فقال: (اللهم بارك في النخع)
وحين وفد عليه (وفد حضرموت قدموا مع وفد كندة وهم ملوك حضرموت، فمنهم وائل بن حجر الحضرمي من ملوك حضرموت، وقال: جئت راغباً في الإسلام والهجرة، فدعا له، ونودي الصلاة جامعة سروراً بقدومه)
قال ابن سعد: (أمر رسول الله (ص) معاوية بن أبي سفيان أن ينزله، فمشى معه ووائل راكب، فقال له معاوية: ألقِ إليَّ نعلك، قال: لا، إنِّي لم أكن لألبسها، وقد لبستها، قال: فأردفني، قال: لست من أرداف الملوك، قال: إنَّ الرمضاء قد أحرقت قدمي، قال: امشِ في ظل ناقتي كفاك به شرفاً)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com