موقع الصراط ... الموضوع : الصفات الأخلاقية للمبلغ
 
السبت - 11 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الصفات الأخلاقية للمبلغ  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 20 / رجب / 1433 هـ
     
  إنّ الأخلاق ميزان الشخصية الإسلاميّة وبها نستطيع نشر الإسلام ولو فكرياً، وأهم هذه الصفات:
1 - الإخلاص: تتفاوت قيم الأعمال، بتفاوت غاياتها والبواعث المحفّزة عليها. وكلّما سمت الغاية، وطهرت البواعث من شوائب الغشّ والتدليس والنفاق، كان ذلك أزكى لها، وأدعى إلى قبولها لدى المولى عزّ وجلّ. وليس الباعث في الشريعة الإسلاميّة إلا النيّة المحفّزة على الأعمال، فمتى استهدفت الإخلاص لله تعالى، وصفت من كدر الرياء نبلت وسعدت بشرف رضوان الله وقبوله، ومتى شابها الخداع والرياء، باءت بسخطه ورفضه. لذلك كان الإخلاص حجراً أساساً في كيان العقائد والشرائع.
فالإخلاص هو صفاء الأعمال من شوائب الرياء، وجعلها خالصة لله تعالى، وهو قوام الفضائل، وملاك الطاعة، وجوهر العبادة، ومناط صحّة الأعمال وقبولها لدى المولى عزّ وجلّ. وقد مجّدته الشريعة الإسلاميّة، ونوّهت بفضله، وشوّقت إليه، وباركت جهود المتحلّين به في عدّة من الآيات والأخبار.
قال تعالى: ((فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا))
وعن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الدنيا كلّها جهل إلّا مواضع العلم، والعلم كلّه جهل إلّا ما عمل به، والعمل كلّه رياء إلّا ما كان مخلصاً، والإخلاص على خطر، حتّى ينظر العبد بما يُختم له".
ولا شكّ بأنّ ما يقوم به المبلِّغ في تبليغ أحكام الدِّين، وتربية المجتمع على قيم السماء هو وظيفة شرعية مقدّسة تنطلق من وجوب تعليم الأحكام الشرعية، وبيان أصول العقيدة، وبثّ روح الأخلاق الإسلاميّة بين الناس، وهو ما يحتاج إلى درجة عالية من الصفاء والإخلاص بحجم الأمانة الّتي يحملها.
2 - التوكّل على الله تعالى: التوكّل هو الثقة بالله عزّ وجلّ، والركون إليه، والتوكّل عليه دون غيره من سائر الخلق والأسباب، باعتبار أنّه تعالى هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وأنّه وحده المُصرّف لأمور العباد، والقادر على إنجاح غاياتهم ومآربهم. وانقطاع العبد في جميع ما يأمله من المخلوقين، والاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور، وتفويضها إليه، والإعراض عمّا سواه، وباعثه قوّة القلب واليقين، وعدمه من ضعفهما أو ضعف القلب، وتأثّره بالمخاوف والأوهام.
والتوكّل هو من دلائل الإيمان، وسمات المؤمنين ومزاياهم الرفيعة، الباعثة على عزّة نفوسهم، وترفّعهم عن استعطاف المخلوقين، والتوكّل على الخالق في كسب المنافع ودَرء المضار.
وقد تواترت الآيات والآثار في مدحه والتشويق إليه: قال تعالى: ((وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ))، وقال: ((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)).
وللتوكّل أركان أربعة يذكرها الإمام الخمينيّ قدس سره في "الأربعون حديثاً" هي:
- إنّ الحقّ تعالى عالم بحاجات العباد.
- إنّه تعالى قادر على تلبية تلك الحاجات.
- إنّه ليس في ذاته المقدّسة بخل.
- إنّ الله رحيم بالعباد رؤوف بهم.
وليس معنى التوكّل إغفال الأسباب والوسائل الباعثة على تحقيق المنافع، ودرء المضار، وأن يقف المرء إزاء الأحداث والأزمات مكتوف اليدين. وليس هو الاعتماد التامّ على الأسباب والوسائل وحدها، بل هذا نوع من الشرك الناتج عن ضعف الإيمان والثقة بالله تعالى.
فلا بُدّ لتحقيق التوكُّل من الأخذ بأسباب الحياة والالتزام بقوانينها، بالاستفادة من الأسباب الطبيعية، والوسائل الظاهرية لتحقيق أهدافه ثمّ نتوكَّل على الله تعالى ونطلب منه أن يمدّنا بالتوفيق والعناية والعطاء الغيبيّ.
وبما أنّ التوكّل هو صفة إيمانية أساس تُعزّز العلاقة بالله تعالى، ما يعني أنه سينتج عنها الثقة والعزّة والثبات والقوّة، وينعكس نجاحاً وتوفيقاً في العمل ـ التبليغي وغيره ـ على مستوى الدنيا، وثواباً وفوزاً في الآخرة، فكيف إذا كان هذا العمل هو تبليغ دين الله تعالى؟
3 - الشجاعة: هي من الصفات النفسيّة المطلوبة للمبلِّغ ليُكمل مسيرته رغم الظلم والكفر الّذي يواجهه، فإنّ هذه التيارات القويّة بحاجة إلى قوّة أخرى أقوى منها لتسيطر عليها. فالضعف والهوان يؤدّيان إلى إيقاف عملية التبليغ أو إبطائها فلا بدَّ من الشجاعة.
4 - الصدر الواسع: تُعتبر رحابة الصدر من الصفات المهمّة، لأنّ المبلِّغ يواجه كثيراً من أصناف الناس أصحاب الكِبر الّذين هم بحاجة إلى من يستوعب عقولهم وأفكارهم. وهنا عليه أن ينظر إلى سيَر الأنبياء عليهم السلام والنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام فهم رغم الأذى الّذي لحقهم فتحوا صدورهم لجمع الناس تحت راية الإسلام.
وقد طلب النبيّ موسى عليه السلام ـ حين أمره الله بالتبليغ ـ أن يشرح الله صدره: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي*وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي))
5 - الصبر: لا بدَّ للمبلِّغ من أن يكون صابراً في جنب الله عزّ وجلّ، سواء على نفس عمليّة التبليغ أم على المشاكل والمصاعب الّتي يُمكن أن تواجهه في مسيرته.
إنّ الصبر الّذي امتاز به الأنبياء أولو العزم والذي ذكره الله تعالى: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ))، لم يكن صبراً على بلاء شخصيّ، إنّما كان صبراً على صعوبات العمل المختلفة، ولهذا فقد كان ميّزة الأنبياء "أولي العزم" الّذين فضّلوا على سائر الأنبياء أنّهم "أولو عزم". وقد تكون دلالة هذا الوصف واضحة على رباطة جأشهم، وسعة تحمّلهم، وقوّة شخصيّتهم أمام المشكلات.
وقد أمر الله تعالى بالتحلّي بهذه الصفة المهمّة جدّاً في قوله سبحانه: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)). فأنت تُلاحظ أنَّ الصبر هنا هو الصبر على نفس العمل. كما أمر الله تعالى نبيّه في موضع آخر بقوله: ((وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً)). وأنت تُلاحظ أنّ الصبر هنا هو الصبر على الآخرين.
والمبلِّغ الدِّينيّ الّذي يُريد أن يؤدّي رسالة الله إلى الناس يجب أن يستعدّ لصنوف الأذى سواءاً من الأصدقاء لجهلهم، أو اختلاف أمزجتهم وتنوّع آرائهم، أو لصدقهم في النصيحة له وتقويمه وإرشاده أم من الأعداء بمختلف مستوى عدائهم في الدِّين أو المذهب أو الطريقة أو المصلحة.
6 - الصدق: من أهمّ الصفات الأخلاقية العامّة هي الصدق سواء على المستوى النظريّ أم على المستوى العمليّ. فالصدق باللسان لا بدَّ وأن يُترجم عملياً ليكون الكلام أكثر فائدة وإلا خرج عن مقصوده ومبتغاه. وهنا يجب على المبلِّغ الابتعاد عن الأمور المشكوكة والموهومة.
7 - الرفق والحرص والمحبّة: الرفق واللين من الصفات الّتي تظهر على الشخصية عملياً. وهنا المبلِّغ عليه التحلّي أكثر بمثل هذه الصفات الّتي لها دور واسع في احتكاكه بالناس وتواصله معهم. فالمبلِّغ يدعو للإسلام بوجوده قبل لسانه، ولهذا كان الحرص على الناس وإضمار المحبّة لهم من الصفات الأساس الّتي يجب التحلّي بها. ولقد وصف الله تعالى نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالقول: ((حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ))، ما يُدلّل على أنَّ أهمَّ خاصيّة للمبلِّغ الدِّينيّ الّذي يُريد أن يرث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويؤدّي أمانته الحرص على الناس، واستشعار روح الخدمة لهم، ومحبتهم، والرفق بهم.
فهو إنّما نصّب نفسه هادياً ومرشداً ودليلاً إلى الجنّة، وإلى الرحمة الإلهية، وإلى النجاة من النار، فلا بد أن يدرك موقعه هذا وما يتطلّبه منه من روح رؤوفة عطوفة، وشعور كبير بالحنان على الناس. ونحن هنا لا نُريد أن نتحدّث عن كيفيّة التعامل مع الناس، فقد يأتي هذا الحديث في فصل لاحق، إنّما نتحدّث عن المنطلقات النفسية في عملية التبليغ، والمشاعر الوجدانية للمبلِّغ الدِّينيّ. يقول الإمام علي عليه السلام: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً...".
ولا بدَّ أن يشعر في عمق وجدانه أنّه مؤتمن على هؤلاء الناس، وأنّه قد استُودِعَ دينهم، وأعراضهم، وأموالهم، وأنَّ الشريعة الإسلاميّة قد وضعته في موضع الراعي المؤتمن على الرعية.
8 - التواضع: يُعتبر التواضع كذلك من الصفات الأكثر حاجة من غيرها لأنّها تمسّ الواقع مباشرة، فإنّ حبّ الناس والتعاطي معهم يُلزم المبلِّغ أن يكون متواضعاً، ليُشارك الناس في أمور حياتهم ولا يكون مترفّعاً عنهم، لأنّ ذلك يؤدّي إلى نفور الناس منه وعدم تقرّبهم إليه. وتوجد هناك صفات أخلاقية أخرى، وإنّما ذكرنا هنا ما رأيناه يتعلّق مباشرة بعملية التبليغ.
المصدر: كتاب التبليغ الديني، مفهومه، مضامينه، أساليبه، لجمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com