موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع) -1
 
الأحد - 7 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع) -1  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
نحاول في هذا البحث أن نرافق الحسين (ع) في حركته من مدينة جدّه (ص) قاصداً مثواه الأخير الذي وعده الله إيّاه، وأعدّه له، ولنقرأ ما فيه من مواقف رساليةٍ جسّدت الإسلامَ بكلّ أبعادِه العقائدية، والفكرية، والروحية، والأخلاقية، والسياسية؛ لنستوحي منها الدروسَ والعبرَ، ولنتعلمَ منها كيف نواجه واقعَنا المليء بالمحنِ، والابتلاءاتِ، والتحدياتِ، ولا سيما محنة حرب الإسلام بالإسلام سواء كان مقصوداً ومخططاً له في دوائر الاستكبار العالمي، أو ناتجاً عن فهمٍ مشوهٍ لحقيقةِ الدين من قبل المتحجرين...
إنَّ النهجَ الحسيني العظيمَ هو خيرُ نهجٍ لمواجهةِ التحدياتِ الصعبةِ لا سيما في عصرنا الذي طغى فيه منطقُ الظفر والناب على منطق العقل والدين... وتغليب المصالح الذاتية على المبادئ الرسالية، فلنرافق الحسينَ (ع) من مدينة جدّه (ص) إلى مثواه الأخير.
ولأجلِ معرفة الظروف التي صاحبت حركة الحسين (ع) لا بدَّ من تمهيد مختصر بمقدار ما يتسع الموضوع.
فبعد أن هلك معاويةُ الذي مثّل أخطرَ مراحل التحدي لإيقاف حركة الرسالة، والقضاء على الإسلام، كما صرّح هو نفسه(1)، وكانت ولايتُه أعظمَ فتنة واجهتْها الأمةُ الإسلامية بعد رسول الله (ص) كما أَكَّدَ ذلك الإمامُ الحسين (ع) في كتابه لمعاوية بقوله: ((وإنّي لا أعلم فتنةً أعظم على هذه الأمة من ولايتِك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني، ولأمةِ محمد (ص) علينا أفضل من أن أجاهدَك، فإن فعلْتُ فإنَّه قربةٌ إلى الله، وإن تركتُه فإنّي أستغفرُ الله لذنبي، وأسألُه توفيقَه لإرشادِ أمري))(2).
ولهذا منذ اعتلى يزيدُ عرشَ الخلافةِ الأمويةِ راحَ ينفّذ المخطط الذي وضعه معاويةُ في حياته له؛ للقضاء على الحسين (ع) الذي عجز عن قتله كما قتل الحسن (ع)، فهو يعلم أنَّ الحسينَ (ع) لا يمكن أن يبايع يزيد، ولا بدّ أن يخرج عليه؛ ولذلك ادّخر له وصية مهمة عند مشاوره سَرْجون؛ ليقضي على التحركِ الحسيني، يقول ابنُ الأثير: ((فلما اجتمعتْ الكتبُ عند يزيد دعا سَرْجون مولى معاوية، فأقرأه الكتب، واستشاره فيمن يوليه الكوفة، وكان يزيد عاتباً على عبيد الله بن زياد، فقال له سَرْجون: أرأيت لو نُشر لك معاويةُ كنتَ تأخذ برأيه؟ قال: نعم، قال: فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة، فقال: هذا رأيُ معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب، فأخذ برأيه، وجمعَ الكوفةَ والبصرةَ لعبيد الله، وكتب إليه بعهدِه، وسيَّره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي والد قُتَيبة، فأمره بطلب مسلم بن عقيل، وبقتلِه أو نفيه))(3).
وفي روايةٍ أخرى أنّ سَرْجون قال له: ((هذا عهد معاوية إليه بخاتمه، وقد كان ولاه، فلم يمنعني أن أعلِمَك ذلك إلا معرفتي ببغضِك له))، فأنْفَذَه إليه(4)، وعزل النعمان بن بشير(5).
فمعاوية كان يخطّط في حياته لإخضاع الحرمين الشريفين ليزيد بعد وفاتِه؛ لأنَّه كان يعلم بأنَّها أقوى الجبهات المعارضة في مكة والمدينة والكوفة؛ ولهذا حاولَ بكلّ جهدِه وما أوتي من مكرٍ، ودهاءٍ، وخديعةٍ؛ لأخذ البيعة ليزيد قبل وفاتِه من هذه الأمصار، (فرأى أن يسافر إلى يثرب؛ ليتولى بنفسِه إقناعَ المعارضين، فإن أبوا أجبرهم على ذلك، واتّجه معاويةُ إلى يثرب في موكبٍ رسمي تحوطه قوةٌ هائلةٌ من الجيشِ، ولما انتهى إليها استقبلَه أعضاءُ المعارضة فجفاهم وهدّدهم...)(6).
ولما لم يفلح معاويةُ في أخذ البيعة من الإمام الحسين (ع) وعبد الله بن الزبير غادرَها إلى مكّة، وهو يفكّر مليّاً بالمسرحية التي يريد إخراجَها، وفرضَها على الوجوه المعارضة له؛ وكان قبل ذلك قد صعدَ المنبرَ في المدينة وخطبَ، وأشار بفضل يزيد وعلمِه، وحلمِه، وشجاعتِه، وحنكتِه.
فقال: ((ووالله لو علمْتُ مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعْتُ له. فقام الحسينُ (ع) فقال: والله لقد تركْتَ من هو خيرٌ منه أباً وأماً ونفساً.
فقال معاويةُ: كأنَّك تريدُ نفسَك؟
فقال الحسينُ (ع): نعم، أصلحك الله.
فقال معاويةُ: إذاً أخبرك، أما قولك: خير منه أماً، فلعمري: أمك خيرٌ من أمِّه، ولو لم تكن إلا أنَّها امرأةٌ من قريش لكان لنساء قريش فضلهنّ، فكيف وهي ابنة رسول الله (ص)؟ ثم فاطمة في دينِها وسابقتِها، فأمّك لعمر الله خيرٌ من أمِّه، وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله، فقضى لأبيه على أبيك.
فقال الحسينُ (ع): حسبك جهلك، آثرْتَ العاجلَ على الآجل.
فقال معاوية: أما ما ذكرت من أنّك خيرٌ من يزيد نفساً، فيزيد والله خيرٌ لأمة محمّد منك.
فقال الحسينُ (ع): هذا هو الإفكُ والزورُ، يزيد شارب الخمر، ومشتري اللهو خير مني؟!
فقال معاويةُ: مهلاً عن شتمِ ابن عمِّك))(7).
ولما لم يفلح بأخذ البيعة لوقوف الحسين (ع) له، وفضح كلّ مخطّطاتِه لجأ إلى أسلوبِ التهديدِ، والوعيدِ، والتصميمِ على الجريمة الكبرى في قتل وجوه المعارضة ضمن مخططٍ يُظْهِرُ للناس أنَّ المعارضين له قد بايعوا، فقد أَمَرَ حَرَسَهُ وشرطتَه (أن يُحْضِرُوا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة وهم: الحسين بن علي (ع)، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأوصاهم معاوية، فقال: إنّي خارجٌ العشيةَ إلى أهلِ الشام، فأُخبرهم أنَّ هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فإن تكلمَ أحدٌ منهم بكلام يصدقني أو يكذبني فيه، فلا ينقضي كلامُه حتى يطير رأسُه، فحذر القوم ذلك، فلما كان العشي، خرج معاويةُ، وخرج معه هؤلاء النفر، وهو يضاحكهم، ويحدثهم، وقد ألبسهم الحلل، فألبس ابنَ عمر حلةً حمراء، وألبس الحسينَ حلةً صفراء، وألبس عبد الله بن عباس حلةً خضراء، وألبس ابن الزبير حلةً يمانية، ثم خرج بينهم، وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم، أي القوم، وأنّهم بايعوا، فقال: يا أهلَ الشام، إنَّ هؤلاء النفر دعاهم أميرُ المؤمنين، فوجدهم واصلين مطيعين، وقد بايعوا وسلّموا، قال ذلك والقوم سكوت، ولم يتكملوا شيئا حذر القتل، فوثب أناس من أهل الشام، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، إن كان رابك منهم ريبٌ، فخلّ بيننا وبينهم، حتى نضرب أعناقَهم، فقال معاوية: سبحان الله! ما أحلَّ دماء قريش عندكم يا أهلَ الشام، لا أسمع لهم ذاكراً بسوء، فإنّهم قد بايعوا وسلموا، وارتضوني فرضيت عنهم، رضي الله عنهم)(8).
ورغم هذا المكرِ والكيدِ المفضوحِ فقد وضع مخطّطاً لما يجري بعده للقضاء على البقية الباقية من حملة الرسالة من أصحاب الرسول (ص)، فأوصى خليفتَه يزيد قائلاً: ((إنَّ لك من أهل المدينة يوماً، فإن فعلوها فارمِهم بمسلم بن عقبة فإنَّه رجلٌ قد عرفتُ نصيحَتَه))(9)، (وكان مسلمُ بن عقبة جزّاراً جلاداً لا يعرف الرحمةَ والرأفةَ، وقد استعملَه يزيدُ بعهدٍ من أبيه في واقعة الحرة، فاقترف كلّ موبقةٍ وإثمٍ)(10).

الهوامش:
(1) قال المطرّفُ بن المغيرة بن شعبة: ((دخلت مع أبي على معاوية، وكان أبي يأتيه، فيتحدَّثُ معه، ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقلَه، ويعجبُ بما يرى منه، إذ جاء ذاتَ ليلة، فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّاً، فانتظرته ساعة، وظننت أنَّه لأمرٍ حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال: يا بُنَيَّ، جئتُ من عند أكفر الناس وأخبثِهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلتُ له وقد خلوتُ به: إنَّك قد بلغت سناً يا أميرَ المؤمنين، فلو أظهرْتَ عدلاً، وبسطْتَ خيراً فإنَّك قد كبرت، ولو نظرْتَ إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلْتَ أرحامَهم فو الله ما عندهم اليومَ شيءٌ تخافه، وإنَّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه، فقال: هيهات هيهات! أيُّ ذكر أرجو بقاءه! مَلَكَ أخو تَيْم فعدَل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هَلَكَ حتى هَلَكَ ذكرُه، إلا أن يقول قائلٌ: أبو بكر؛ ثم مَلَكَ أخو عديّ، فاجتهد وشمَّر عشر سنين؛ فما عدا أن هَلَكَ حتى هَلَكَ ذكرُه، إلا أن يقول قائل: عمر، وإنَّ ابنَ أبي كبشة ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات: ((أشهد أنَّ محمداً رسولُ الله))، فأيُّ عملٍ يبقى؟ وأيُّ ذكرٍ يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دفناً دفناً)) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 5/129-130.
(2) السيد الخوئي، معجم رجال الحديث: 18/194.
(3) ابن الأثير، الكامل في التأريخ: 4/22-23.
(4) البلاذري، جمل من أنساب الأشراف: 5/407.
(5) المقرّم، مقتل الحسين (ع): 149 .
(6) الشيخ باقر شريف القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 2/ 218.
(7) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة: 1/211.
(8) الإمامة والسياسة: 1/212-213.
(9) تاريخ الطبري: 5/495.
(10) حياة الإمام الحسين (ع): 2/237-238.

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الأول

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com