موقع الصراط ... الموضوع : قضايا الأدب الإسلامي .. الثنائيات الأساسية : توافق أم تضاد ؟
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  قضايا الأدب الإسلامي .. الثنائيات الأساسية : توافق أم تضاد ؟  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 29 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم: عماد الدين خليل
تشكل الثنائيات في سياق المعرفة الإنسانية والأدبية بطبيعة الحال فرصة مناسبة لاختبار قدرة المفكر والأديب على إقامة الجسور وردم الخنادق، ولمّ المتضادات، وإيجاد شبكة خصبة من الخبرات التي تستمد مفرداتها من طرفي المعادلة، فيما يبدو في الظاهر تعارضاً وتناقضاً يقود إلى الارتطام والنفي والاصطراع، ولكن اليد القديرة تعرف كيف تكتشف الخيط الذي يربط بين الطرفين، أو القاسم المشترك الذي يضعهما في حالة توافق وانسجام؛ لجعلهما يعطيان كل ما عندهما في حالاته القصوى المتاحة، وإتاحة الفرصة للمتعامل معهما مفكراً كان أم أديباً، للمضيّ بعمله صوب المزيد من الإحسان والاكتمال.
ولعلّ إحدى المشكلات الأساسية التي يعاني منها الأدب الإسلامي المعاصر هي عدم إدراك هذه الحقيقة، أو -في أفضل الأحوال- التعامل معها في وتائرها الدنيا، وقبل المضي لمعالجة بعض أنماط هذه الثنائيات في سياق المعطى الأدبي الإسلامي، لابد من التذكير بأنه ما من عقيدة كعقيدة الإسلام أولت هذه الظاهرة اهتماماً كبيراً، وقدرت في الوقت نفسه، على تحقيق أقصى حالات التناغم والوفاق بين جل الثنائيات التي تحكم العالم والطبيعة والوجود والحياة البشرية.
إن القرآن الكريم يقولها بوضوح: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) (البقرة 143) والوسطية هنا ليست موقعاً جغرافياً، ولكنه موقف عقدي، وإستراتيجية عمل، ورؤية نافذة لموقع الإنسان المؤمن في الكون والعالم، إنها القدرة الدائمة على التحقق بالتوازن، وعدم الجنوح صوب اليمين أو الشمال، ومن خلال هذه القدرة يتحقق مفهوم الشهادة على الناس؛ لأنها تطل عليهم من موقع الإشراف المتوازن الذي لا يميل ولا يجور، إنها العقيدة التي قدرت، انطلاقاً من رؤيتها هذه على أن تجمع في كل متناسق واحد: الوحي والوجود، والإيمان والعقل، والظاهر والباطن، والحضور والغياب، والمادة والروح، والقدر والاختيار، والضرورة والجمال، والطبيعة وما وراءها، والتراب والحركة، والمنفعة والقيمة والفردية والجماعية، والعدل والحرية، واليقين والتجريب، والوحدة والتنوع، والإشباع والتزهد، والمتعة والانضباط، والثبات والتطور، والدنيا والآخرة، والأرض والسماء، والفناء والخلود.
إن هذه الرؤية التوازنية المرنة الشاملة للعقيدة الإسلامية تمنح الأديب المسلم فرصة طيبة لاعتماد المنهج نفسه في التعامل مع الثنائيات التي ينطوي عليها الجهد الأدبي في سياقاته التنظيرية والنقدية والدراسية والإبداعية على السواء، ولكن الذي يحدث -في كثير من الأحيان- هو العكس: نوع من الانحياز إلى هذا القطب أو ذاك من طرفي المعادلة، والتفريط -بالتالي- بالقطب الآخر، بل افتراض تضاد من الطول إلى الطول، يفصل بين القطبين، ويقيم بينهما خندقاً يصعب تجاوزه.
ومن خلال هذا التصور الخاطئ ضيع أدباء الإسلامية على أنفسهم العديد من الفرص لتوظيف سائر العناصر الممكنة من أجل الارتفاع بمستوى أدائهم إلى وتائره العليا الممكنة، وهكذا أصبح الشكل ينفي المضمون أو بالعكس، والتراث يصادر المعاصرة، والأنا تلغي الآخر، والأديب يستبعد الفقيه، والمحلية تغلق الأبواب على العالم الفسيح، بدلاً من أن يصير الشكل أداة للمضمون، والتراث تأصيلاً للمعاصرة، والآخر فرصة لإغناء الذات، والفقيه مسدداً لخطى الأديب، والمحلية خطاباً متميزاً يتقدم به الأديب المسلم إلى الإنسان في كل زمن ومكان.
بل إننا نجد كيف أن هذا الافتراض الخاطئ في التعامل مع الثنائيات مضى بجرثومته إلى داخل نسيج الأنواع الأدبية، وبخاصة الشعر، فاستهلك الكثير من الجهد والوقت في الصراع -غير المبرر- بين أنصار الشعر العمودي وجماعة ما اصطلح عليه بشعر التفعيلة، رغم أن هذا الأخير يحترم الوحدة الموسيقية للبحور -بما في ذلك الرويّ والقافية- ولكنه يحررها فقط من هيكلية العمود، وبرغم أن طبيعة الخطاب الشعري تقتضي صوتاً عالياً هنا وهمساً خافتاً هناك، فيما يتطلب اعتماد العمود حيناً، والتفعيلة الحرة حيناً آخر. ثمة ما هو أكثر من هذا.. إن بعض النقاد والدارسين من أدباء الإسلامية أدانوا ـ وهم ينحازون إلى هذا القطب أو ذاك، وينفون معادله في الطرف الآخر ـ أولئك الذين اتخذوا الموقف النقيض، رغم أن الطرفين ينطلقان من افتراض خاطئ في أساسه.
لقد كان المؤتمر الذي عقدته كلية الآداب في جامعة الزرقاء فرصة طيبة لتسليط الضوء على هذه المشكلة، التي تقف عائقاً في طريق الأدب الإسلامي، وهو يمضي لتأكيد ذاته قبالة جملة من التحديات الصعبة. فلعل تشخيص الداء يعين على تحديد الدواء الذي يرجع بالمعادلات الجانحة إلى وضعها السويّ؛ فيزيد حركة الأدب الإسلامي المعاصر قدرة على الإبداع والعطاء. وقد حاول البحث الذي نحن بصدده، متابعة ثنائيات أساسية في سياق النشاط الأدبي، منها: 1ـ الشكل والمضمون. 2ـ التراث والمعاصرة. 3ـ الأنا والآخر. بدءا بتحديد طبيعة العوائق والافتراضات التي تفصل بين قطبي كل سياق، وصيغ ردمها وإقامة الجسور عليها، من أجل استعادة الوفاق المفقود في حدوده الممكنة والمشروعة. ولقد جرت ـ ولا ريب ـ محاولات عديدة في هذا الاتجاه، ولكنها في معظم الأحيان كانت تكتفي بالتعامل مع هذا السياق أو ذاك. ولذا سيكون البحث ـ بشكل من الأشكال ـ محاولة لوضع السياقات الأساسية كافة قيد البحث والمناقشة؛ من أجل التحقق بأكبر قدر ممكن من توظيف أقطاب الفاعلية الأدبية؛ لخدمة أدبنا الإسلامي المعاصر، وتمكينه من العبور إلى الحلقتين العربية والعالمية، في عصر أصبح الخطاب الأدبي فيه ذا أهمية بالغة، بعد الانفجار الكبير في تقنيات التواصل المعرفي والإعلام الثقافي.
الشكل والمضمون: هذه إحدى الثنائيات التي تعترض مسيرة الأدب الإسلامي المعاصر، وتعرقل تناميها وقدرتها على إقناع الآخرين. ومع أن المنظور النقدي لهذه الثنائية قد تجاوز هذه المشكلة منذ زمن بعيد، باعتبار العمل الإبداعي ليس خطاباً تقريريا، أو جهداً تسجيلياً، أو بحثاً في التاريخ، أو نقلاً مباشراً للوقائع والخبرات، وإنما هو خطاب مشحون بالقيم الفنية والجمالية، منزاح عن الدلالات اليومية للكلمات والتعابير، وإلا ما أصبح أدباً، ومع أننا قد نجد هذا التلاحم مؤكداً في معطياتنا التراثية وإلا أصبح الأدب ـ كما يقول الجاحظ: «كلمات ملقاة على قارعة الطريق»، وغير الجاحظ جملة من نقادنا القدامى أكدوا تلاحم الشكل والمضمون كابن قتيبة، والقرطاجني، وابن سلاّم، بل إن بعضهم لم يفصل أساساً بين طرفي الإبداع، كابن رشيق وضياء الدين بن الأثير، ويبلغ التداخل بين هذين الحدين أقصى درجات التحامه في نظرية النظم التي صاغها عبد القاهر الجرجاني (ت: 471هـ) والقائلة بالعلاقة الباطنية القائمة بين الألفاظ والمعاني. ولا بأس هنا من استدعاء بعض الشواهد بالإيجاز الذي تتيحه صفحات كهذه. فابن قتيبة يقسم الشعر إلى أربعة أنماط أو أضرب: «ضرب حسن لفظه وجاد معناه، وضرب حسن لفظه وحلا فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى. وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه. ولفظ تأخر معناه وتأخر لفظه».
وابن رشيق يرى أن «اللفظ جسم وروحه المعنى» وأن «ارتباطه كارتباط الروح بالجسم: يضعف بضعفه ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه. فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه».
ويصر ابن الأثير على «أن عناية العرب بألفاظها إنما هو عناية بمعانيها، لأنها أركز عندها وأكرم عليها» وهو إذ يلحظ اهتمام الشعراء بالجانب اللفظي، يؤكد أن ذلك لا يعدو أن يكون «وسيلة لغاية محمودة ، وهي إبراز المعنى صقيلاً. فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها، ورققوا حواشيها وصقلوا أطرافها، فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني»
أما عبد القاهر الجرجاني فإنه يبلغ أقصى درجات الالتحام بين اللفظ والمعنى في نظريته المعروفة بالنظم التي يعرفها بأنها «تلك العلاقة بين الألفاظ والمعاني»، وأنها «تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل»، وأنه «لا نظم في الكلم وترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب تلك»، وأن النقد الصحيح يجب ألا ينصب على الألفاظ فحسب، بل عليه أن يتابع المعاني؛ فهي التي «تضفي على الألفاظ ما يكون من حسن النظام وجودة التأليف، وهو العلاقة المترتبة على فهم القسمين: اللفظ والمعنى».
ومع هذا وذاك، فإن العديد من أدبائنا لا يزال يتشبث بفك الارتباط بين القطبين؛ لكي يمنح لنفسه الحرية بالجنوح صوب أحدهما. وفي الحالة الإسلامية فإن الذي يحدث هو ما يمكن اعتباره نقيضاً لخطيئة البرناسية، أي الذهاب باتجاه المضمون دون بذل جهد كاف لتحسين قيم المعطى الأدبي وآلياته الفنية والجمالية، وهي الخطيئة التي سبق أن وقع في إسارها أدباء الماركسية؛ بإدانتهم للشكلانية وانجرافهم باتجاه الأداء المباشر في التعامل مع الخبرة الاجتماعية. ها هنا نجد أنفسنا قبالة وهم آخر ما كان على الأدباء الإسلاميين أن ينجرفوا فيه، الأمر الذي تمخض عن سيل من المعطيات الإبداعية، في سياق الأنواع كافة، انطوت على نزعة خطابية تقريرية مباشرة، وتضاءلت التقنيات الفنية والجمالية، فأعطيت بذلك الفرصة للآخرين لكي يتهموا الأدب الإسلامي بالضعف، والعجز، وأنه لا يرقى إلى مصاف الآداب الأخرى. والحق أن لغة الإبداع التي تباشر مفرداتها صيغ التعبير لن تمنح أدباً، لأن الفاعلية الإبداعية لا تتألق إلا بسلسلة من الكنايات والاستعارات والمجازات، تبتعد بالمعنى عن دلالاته الاعتيادية، في لغة الخطاب اليومي إلى مواضع جديدة تمنح المفردات والتعابير نبضاً خفاقاً وألقا مدهشاً، ولكن شرط أن يتم هذا كله وفق منظومة من الضوابط البيانية والنحوية واللغوية، وفي ضوء قواعد ومرتكزات وثوابت متفق عليها من المعطيات النفسية والاجتماعية والجمالية، والثقافية في نهاية الأمر، من أجل أن يتحقق التواصل في الخطاب بين المبدع والمتلقي ولا يغدو تسيباً وانفلاتاً وعبثاً.
إن نظرية الانزياح ـ مثلاً ـ ليست في نهاية الأمر كشفاً جديداً تماماً، ولكنها تأكيد وبلورة وتنظير لممارسات جمالية ومعطيات بلاغية نفذها الشعراء منذ اللحظات الأولى لولادة الشعر في هذا العالم. إنهم تجاوزوا، بجر المعنى من حالته اليومية إلى حالات غير مباشرة، وباستخدام الأدوات والتقنيات البلاغية، جعل المعنى مطروحاً على قارعة الطريق، وتحولوا به إلى تشكيل جديد يرفض المباشرة ويمضي بالدلالة إلى آفاق جديدة هي في نهاية الأمر ما يفرق الشعر عن النثر العادي. إن الظاهرة الأدبية لن تحقق وظيفتها في الخطاب الإبداعي ما لم تتحقق باثنتين: المضمون والشكل، أو الفكر والفن.
والأدب الإسلامي في بنيته التعبيرية هو كأي أدب في العالم لابد أن ينطوي على طبقتين أساسيتين هما:
1ـ المعنى الذي يراد التعبير عن مكنوناته.
2ـ التقنيات الجمالية التي تمكنه من الوصول إلى المتلقي بأكبر قدر من التوتر والفاعلية والجمالية والتأثير.
لا يتجادل في هذا اثنان، ولكن الضرورات التاريخية للخطاب الأدبي الإسلامي ربما تكمن وراء إلحاح بعض الدارسين والأدباء، سواء في تجاوز المطالب الحرفية أم التساهل معها في الأقل لصالح المضمون، لكن هذا وحده قد لا يكفي، ولابد أن يفيء أدباء الإسلامية كافة إلى الميزان إذا أرادوا أن يكون أدبهم أدباً، فضلاً عن أن يأخذ طريقه إلى الإنسان والعالم، ويحتل موقعه المناسب في خرائط الدنيا. إن التكشف الكامل للعمل الإبداعي يقوده إلى الضحالة، ويفقده خصائصه الفنية، ويؤول به إلى النثرية الباردة، أو التقريرية، أو ما شئنا من التسميات. ولابد إذن من التغطية.. من المجاز.. من إحاطة الخبرة التعبيرية بأكبر قدر ممكن من المضافات الفنية التي تبعد بها عن الكلام الاعتيادي، وهذا ـ على الأغلب ـ قد يقودها إلى نوع من الغموض، وهما في الحقيقة ـ وبالنسبة المعقولة ـ مما يميز الإبداع عن المعاني المطروحة على قارعة الطريق. لكن المبالغة في الإغماض وفق قصد مسبق، قد يقود التعبير إلى التشرنق، والعزلة ويصده عن الوصول إلى المتلقي؛ فيفقد وظيفته الفنية الأساسية.
إن كثيراً من قصائد الشعر الحر ـ على سبيل المثال ـ تتحول على أيدي الأدعياء وأنصاف الشعراء من المولعين بالتقليد والملاحقة، إلى نوع من لعبة الكلمات المتقاطعة.. من الشفرات السرية التي قد لا يقدر على فكها وحل رموزها سوى واضعها نفسه، وهذا ـ بالتأكيد ـ ليس ميزة للأديب بقدر ما هو إدانة لأدواته الفنية وقدراته التعبيرية. مرة أخرى فإننا لن نستطيع أن نصل إلى الآخر، ونفتح ثغرة في الجدار الذي يفصله عنا، ونقنعه بسماع صوتنا إلا بتحقيق التوازن في معطياتنا الإبداعية بين المضمون والشكل.. بين المعاني والقيم الفنية.. إننا بأمس الحاجة إلى إعادة الوفاق بين القطبين، وحينذاك يمكن أن نتجاوز عزلتنا. إن المضمون مهما كان عالياً لن يقدر على التأثير في الآخر، وكسب احترامه في دائرة الأدب والفن، ما لم يحترم شروط الخطاب الأدبي.. ولحسن الحظ فإن محاولات جادة نفذت ولا تزال لتحقيق تلاحم أكثر بين الشكل والمضمون.. مقاربة أشد لما يسميه النقاد (النسبة الذهبية) بين القطبين، وكلما ازداد هذا التيار عطاء قدر على كسر الحواجز، والانطلاق إلى آفاق أرحب. التراث والمعاصرة: هناك مساحة واسعة من القلق والغموض بصدد الموقف من ثنائية الأصالة والمعاصرة، أو التراث والمعاصرة، التي تبدو في أكثر صيغها جدة فيما اصطلح عليه بتيار الحداثة..
وتأتي في هذا السياق معضلة التعامل مع المعطى الغربي بشكل عام، فيما سنتحدث عنه في ثنائية الأنا والآخر. وتأخذ هذه الإشكالية صيغاً شتى؛ من بينها على سبيل المثال ذلك الاعتقاد الخاطئ، السائد لدى العديد من الأدباء الإسلاميين، بأن احترام التراث يوجب رفض الحداثة والتنكر لها، أو أن قبول بعض حلقات الحداثة يعني بالضرورة التنكر للتراث.
ولقد ثار جدل كثير حول هذه المسألة التي بنيت على فرض خاطئ، فإن أحد القطبين لا ينفي الآخر بالكلية، بل يمكن أن يجد فرصته للتحقق جنباً إلى جنب. ابتداء فإن الأدب الإسلامي المعاصر لا تتشكل ملامحه، ولا تتحدد شخصيته المتميزة إلا بالتجذر في اثنتين: العقيدة والتراث، وإلا فقد خصوصيته، فإذا كانت الأصول العقدية للأدب الإسلامي مما لا يختلف عليه اثنان، فإن التراث باعتباره معطى وضعياً ينطوي على هامش من الحرية يفسح المجال للانتقاء، فإذا سلمنا بأن ممارسة كهذه لا تعني بالضرورة نفياً للتراث، لم يبق ثمة حجة للاصطراع الموهوم بين فئتين من أدباء الإسلامية؛ تلتصق إحداهما بالتراث بأكثر مما يجب، حتى إنها لا تكاد تترك بينها وبينه فاصلاً مناسباً للرؤية الصائبة، التي تتيح الأخذ أو الرفض على هدى وبينة، وتبعد الفئة الأخرى صوب الطرف النقيض، مدعية أن الأدب الإسلامي مادام يحمل لافتة «المعاصرة» فإن عليه أن يفك ارتباطه بالتراث. إن إحدى خطوات تعديل الوقفة الجانحة لأدبنا الإسلامي هي إزالة هذا الوهم، وتحقيق التصالح الموزون بين التراث والمعاصرة، وإن حركة الأدب الإسلامي هذه لهي «معاصرة» بقدر ما يتعلق الأمر بتنظيراتها وجانب كبير من ممارساتها النقدية والدراسية، كما أنها «معاصرة» باستعارتها العديد من التقنيات الإبداعية المتقدمة لدى الآخرين، وخاصة الغرب. وهي «تاريخية» بقدر تجذرها في المعطى التراثي الخصب، ذي الخبرات المتراكمة عبر العصور، وليست أقلها محاولات رائدة مثل نظرية النظم للجرجاني، حيث نجد تأسيساً بنيوياً في التعامل مع النص من داخل نسيجه الخاص، وكذلك المعطيات البلاغية في مجال المجاز والاستعارة والكناية.. إلخ مما يمكن أن يطل برأسه على (الانزياحية) الأكثر حداثة، التي بالغت في التباعد بين اللغة ومطالبها من ناحية، وبينها وبين دلالاتها التعبيرية غير المباشرة من ناحية أخرى، ووضعت معايير نقدية قد تصدق حيناً وقد لا تصدق أحياناً.
ثم إن مصطلح الأدب الإسلامي، قبل هذا وذاك، إذ ينبني على رؤية متميزة للكون والعالم والإنسان والوجود، قد يجد انعكاسه ليس فقط في التراث، أو حتى في الأعمال الإبداعية المعاصرة، وإنما في العالم على امتداده. فحيثما التقت مفردات نص إبداعي بهذه الرؤية، وتناغمت معها، أصبح النص صالحاً لإغناء الأدب الإسلامي، الذي يملك من المرونة وسعة الفضاء ما يسمح بانفتاحه على البعدين الزمني والمكاني معاً.
إن تيار الحداثة في سياقيه النقدي والإبداعي سلاح ذو حدين، فهو قد يمنحنا أدوات عمل جديدة في الممارسة النقدية، تكشف وتحدد وتضيء وتتجاوز بالناقد حافات «الذاتية» التي مارست لزمن طويل إصدار أحكامها الارتجالية، وفرضت ميولها وذوقها الخاص على النص بنوع من المصادرة التي تبعد بالنشاط النقدي عن موضوعيته المرجوة. كما أن الحداثة «الإبداعية» يمكن أن تعطينا خبرات وصيغاً جديدة، وتكسر بعض التقاليد الفنية العتيقة باتجاه تقاليد أكثر جدة وملاءمة، وتضع قبالة المبدع حالات مدهشة في توظيف التقنيات الفنية. لكن هذا هو أحد جانبي الصورة، وثمة الجانب الآخر الذي يقود إليه إلحاح العقل الغربي على تجاوز الثوابت والنزوع إلى التحول والتغير، ليس فقط في دائرة الأدب، وإنما في جل سياقات الفكر والحياة، الأمر الذي أدى في حالات عديدة إلى التضحية بخبرات الأجيال، وضرب الثوابت النقدية والإبداعية عرض الحائط، وإيجاد بدائل جديدة سرعان ما كانت تتعرض هي الأخرى للتجاوز والإهمال. والضحية في معظم الأحيان هو القارئ الذي لا يكاد يجد موطيء قدم يقف عليه، وهو يتعامل مع النص الإبداعي حيناً، ومع الجهد النقدي المنصب عليه حيناً آخر. إن مذاهب النقد الأكثر حداثة ونظرياته أخذت تضيق الخناق على القارئ، وتعزله عن النص الإبداعي، لكي تستأثر بالتأويل والتفسير، كل وفق منهجه ورؤيته. ولم يعد من حق القارئ أن يمارس التجوال الحر عبر النص بعيداً عن رقابة النقد وأثرته، ذلك الذي بلغ في أكثر النظريات حداثة، كالبنيوية والسيميائية والتفسير الانزياحي، والتفكيكية، وباسم المنهج العلمي في النقد، حدّ إرغام النص على قبول مقولات المشرحة والمختبر! والحق أن الموضوع يستحق محاولات جادة من النقاد والدارسين الإسلاميين، تبين مظان الإيجاب والسلب في دعوات أو كشوف كهذه، فتضيء بالإيجاب منهجها النقدي، الذي يطمح لأن يكون متميزاً، وتتخذ من السلب مؤشراً مدعماً بالحجة والجدل والبرهان، على أنه ما كل ما يجيئنا من الغرب في هذه الدائرة أو تلك من دوائر المعرفة الإنسانية يمكن أن يبهرنا، أو يجعلنا نلهث وراءه، متخلين عن أولويات في العمل والمنهج قد تكون أكثر أهمية وجدوى.
إن الاتجاهات الحديثة تلح في تحميل النص دلالياً، أو تشريحه بصيغة مختبرية صارمة لا وجدان فيها، الأمر الذي قد يثير احتمال الانقلاب عليها باتجاه النقد الذاتي الانطباعي، الحر، كرة أخرى، وتلك هي مأساة أحادية الرؤية لدى الغربيين، ليس في مجال النقد فقط، وإنما في سائر الأنشطة والكشوف التي شهدتها دائرة العلوم الإنسانية. والأولى، كما يتبادر للوهلة الأولى، تحقيق قدر من التوازن بين الموضوع والذات، بين القانون والحرية، بين العلم والذوق، بين التشريح والرؤية الشمولية، مادام الأمر ينصب على المعطى الإبداعي الذي يصعب، بل يستحيل، إدخاله من عنق زجاجة العلم أو القانون أو المعادلة الرياضية. وبدون التحقق بهذا التوازن، فقد يخشى من حدوث رد الفعل المتوقع، بل المؤكد، لأن المسألة ببساطة هي أن قراءة النقد وجماهير الأدب يريدون أن يقرأوا شيئاً ممتعاً ومجدياً في الوقت نفسه، شيئاً يفسر لهم النص ويضعهم فيه كذلك، أي يجعلهم ينفعلون به ويتأثرون، ويدركون، بلمسة التعامل المشترك بين الناقد والمبدع والقارئ، الملامح الجمالية للنص وقيمه التعبيرية.
إن كل حركة نقدية تطلع في الغرب تمثل ولا ريب كشفاً ذا قيمة وإضاءة جديدة تخدم الأنشطة النقدية، من أجل التحقق بإيغال أعمق وأكثر انضباطاً في شرايين النص. هذا أمر يكاد يكون متفقاً عليه، لكن محاولات العقل الغربي المعهودة والمكرورة التي تأخذ بخناق المنهج الغربي في حقول الإنسانيات هي سعي لمط الاكتشاف، لكي يفسر أكبر قدر من الحقائق سواء في حقله الخاص، أم حتى في الحقول الأبعد نسبياً عن تخصصه فيقع في الخطأ، بل إنه كثيراً ما يسعى إلى الاستئثار بالحقل الذي يتعامل معه، ويرفض أية إضاءة قد تجيء من رؤية مغايرة أو منهج آخر، على الرغم من أنها قد تكون تفسيراً تكميلياً ربما يعين الدارس على فهم أعمق وأكثر شمولاً لما بين يديه. إن التعميم، والرؤية الأحادية التي تتجاوز إضاءات الغير وكشوف الآخرين، هما اللذان يجعلان معظم الحركات الغربية في ميدان الإنسانيات تسقط في نهاية الأمر في مستنقع الادعاء بالقدرة على فعل المستحيل، والمستحيل هاهنا هو تحويل الكشف الجزئي إلى عقيدة شمولية، تعطي جواباً عن كل سؤال.
وهذه مسألة تكاد تكون مستعصية، وكثيراً ما قادت إلى نتائج خاطئة أو مهزوزة، انتهت بسقوط الكشف نفسه، أو تهافته، وفقدان الثقة بمصداقيته، كما حدث مع الماركسية والوجودية والفرويدية وغيرها، وصولاً إلى البنيوية التي أخذت منذ الستينيات تتلقى ضربات قاسية، والتي سعت بخلفياتها الفلسفية إلى قتل الإنسان، إذا استخدمنا عبارة المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي، والتي لا تزال تتلقى سيلاً من ردود الأفعال في عدد من بلدان الغرب. على أية حال، فإن الناقد المسلم، وهو يتعامل مع نظريات وكشوف ومذاهب كهذه، يمكن أن يلحظ كيف أن بعض محاولات الحداثة النقدية، كالانزياحية مثلاً، لا ترتبط بأية رؤية أو منظور ذي طابع عقدي، وإنما هي تقنيات منهجية صرفة، تضع أدواتها في خدمة النص، بغض النظر عن مدى سلامة هذا المنهج وقدرته على التحليل والتفسير، بينما تنسج محاولات أخرى، كالبنيوية مثلاً، حول نفسها منظومة من المفاهيم التي تخرج عن دائرة التقنية باتجاه التعامل مع الإنسان ووضعه في العالم، وقد يصل بها الأمر إلى حافات العقائدية.
ومن خلال هذا الفارق بين النمطين يتأتى للناقد المسلم أن يفيد ما وسعه الجهد من الحالة الأولى ذات الطابع الحرفي الجزئي الذي يتحاشى الشمولية والإيديولوجية، وأن يكون حذراً من الحالة الثانية على الرغم من أن حذره من الخلفيات يجب ألا يصده عن المضي للإفادة من الجوانب الحرفية الصرفة للمحاولة. والمهم هو تجاوز الوقوع في أحد أمرين: التقبل الكامل لمعطيات الحداثة، بدافع الإعجاب والتزام «العلمية» في العمل النقدي، أو الرفض الكامل لها بحجة ارتباطها بخلفيات قد ترتطم في مفرداتها، أو بعضها، مع المنظور الإسلامي، للكون والعالم والإنسان، ولطبيعة النشاط الإبداعي. هذا هو أحد طرفي المعضلة التي يعاني منها أدباء الإسلامية، أما الطرف الآخر فهو الموقف من التراث. يتحتم علينا ابتداء أن ننظر إلى التراث بوصفه معطى بشرياً ينطوي على الصواب والخطأ، فيه ما هو إبداعي وما هو اجتراري، إنه خزان الحضارة، ما نكتبه من شعر وأدب، ونكتشفه من حقائق، ونصوغه من فلسفات، ونتخلق به من طبائع، ونتشكل به من عادات وتقاليد وأذواق.. هذا كله يصب في ساحة التراث، وقد يكون في العديد من مفرداته وليد بيئة ما، أو زمن محدد، وبالتالي فإنه لا يحمل صفة الإلزام، ونحن لسنا ملزمين بحمله على كواهلنا، والمضي به عبر الحاضر إلى المستقبل، وهو لا يحمل طابع القدسية على أية حال. وفي آيتين كريمتين يحررنا كتاب الله من أعمال الأجيال الماضية تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون (البقرة: 134)، وهو يدين الكفار لتشبثهم الأعمى بتقاليد الآباء والأجداد: إنا وجدنا ءاباءنا على أمةٍ وإنا على ءاثارهم مقتدون (الزخرف: 23) وعليه فنحن نستطيع أن نتعامل مع التراث بكل حرية: نقبل ونرفض، نفكك وننتقي، نعيد التركيب في ضوء ما تقود إليه هذه العملية، من بناء لأنفسنا وتأكيد لوجودنا كأمة متميزة.
ومدار الأمر أن نكون مخلصين لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي منحنا معياراً إنسانياً مرناً في التعامل مع مفردات سلوكنا اليومي والمعرفي في حديثه الشريف: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» فإذا أردنا أن نتحرك، أو نمارس فعلاً حضارياً وتوافرت النية المخلصة في دائرة الضوابط الشرعية فذلك هو الضمان، بخلاف أولئك الذين يتعاملون مع تراثنا من خارج دائرة الإسلامية، من الملاحدة والعلمانيين والمتغربين الذين يدسون رؤوسهم في المعطيات التراثية برؤية انتقائية مسبقة، لا يحكمها ضابط أو معيار، ويسوقها الظن والهوى؛ فتكون النتيجة عبثاً بمقدرات هذا التراث وتزييفاً لخصائصه. فنحن بقدر ما نرفض التعبد للتراث والتقديس لمفرداته، نرفض في الوقت نفسه العبث بمقدراته والتعامل معه بمعايير يؤتى بها من خارج الدائرة الإسلامية فيما يجعلها لا تصلح ـ ابتداء ـ للوصول إلى نتائج مقبولة.
إننا أحرار في تعاملنا مع التراث، شرط أن نكون مخلصين لخصوصياتنا وعقيدتنا وثوابتنا وتاريخنا، وأن يتجاوز هذا التعامل الصيغ المتحفية الساكنة، أو حتى الأكاديمية البحتة، وأن يعين ـ بدلاً من ذلك ـ على تحريك حياتنا الراهنة، وإعادة تركيبها في ضوء الخبرة التاريخية، من أجل أن نتجاوز حالة التفكك، وانعدام الوزن، وضياع الشخصية. إن التجذر في التراث ليس ترفاً أو اختياراً، ولكنه قدر كل فاعلية ثقافية تسعى لأن يكون لها مكان في العالم، من خلال تشبثها بالشخصية المتفردة، والملامح ذات الخصوصية، ولن يكون هذا بدون الامتداد صوب البعد التاريخي، أو العمق التراثي للتحصن به والاستهداء بمعطياته، جنباً إلى جنب مع الأصول العقدية التي تشكل قاعدة العمل الأساسية، وبوصلة الانطلاق والتوجيه. هنالك حقيقة طالما غابت عن أذهاننا ونحن نتحدث عن ثنائية التراث والمعاصرة، رغم أنها قد تكون بداهة من البداهات، وهي أن المعطى التراثي نفسه كان ساعة تشكله «معاصراً»، بمعنى أنه وليد اللحظة التاريخية، بكل مكوناتها ومؤثراتها وموروثها التراثي، القادم من نقطة زمنية في الماضي، ولم يكن ـ بالتالي مأسوراً بسلطة التراث الذي يسبقه في الزمن، قد يتأثر به ويتلقى عنه، ولكنه لا يعكسه كالمرآة دونما إضافة أو إبداع.
هذا إلى أنه من المعروف لدى الدارسين أن التعامل مع الموروث الثقافي، ومعطيات الآباء والأجداد بشكل عام، إما أن يعتمد صيغة اتباعية تمارس التقليد والاجترار، ولا تكاد تضيف جديداً، أو صيغة إبداعية لا تتنكر للموروث، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ لا تسمح بأن تقع في شباكه.
ويكاد يكون من المتفق عليه أن هذه الحالة هي التي تشكل أحد العوامل المساعدة على تنامي الفعل الحضاري، وبالعكس فإن الحالة الاجترارية تعكس في معظم الأحيان الوضع التاريخي الذي يتعثر فيه هذا الفعل، ويمضي بالحضارات صوب التدهور والسقوط. الأنا والآخر: في المنظور التاريخي كانت «الأنا» لا تلغي «الآخر» ـ في معظم الأحيان ـ أو تصادره، وكان تحقق «الآخر» لا يعني ـ بالضرورة ـ الحكم بالإعدام على «الأنا»، بل إن بمقدور المرء ـ على العكس ـ أن يضع يديه على سياقات مترعة بالخصوبة والعطاء بخصوص ثنائية الأنا والآخر، كانت ـ في حالات كثيرة ـ تمنح القطبين معاً الفرصة للتحقق والصيرورة والتنامي. صحيح أن لحظات النفي والاصطراع والمصادرة امتدت عبر مساحات واسعة في الزمن والمكان، لكنها ـ على أية حال ـ ليست الصيغة الوحيدة.
أما على المستوى العقدي فيكفي أن نرجع إلى المنظور القرآني للثنائية؛ لكي يتأكد لنا أنها مركوزة في الجبلة الآدمية، وأنها تنطوي على الإيجاب والسلب معاً، وهي في الحالة الأولى يمكن أن تكون فرصة مناسبة للحركة والتجدد والإبداع والعطاء. إن الإرادة الحرة والاختيار المفتوح اللذين منحا للإنسان، فرداً وجماعة، للانتماء إلى هذا المذهب أو ذاك، يقودان بالضرورة إلى عدم توحد البشرية وتحولها إلى معسكر واحد، أو أرقام في جداول رياضية صماء، إن قيمة الحياة الدنيا وصيرورتها المبدعة تكمن في هذا التغاير بين الأنا والآخر، وأن حكمة الله - سبحانه - شاءت ـ حتى بالنسبة للكتلة أو المعسكر الواحد ـ أن تشهد انقساماً وتغايراً وتنوعاً وصراعاً. والقرآن الكريم يحدثنا عن هذه الثنائية في أكثر من مكان، ووفق أشد الصيغ واقعية ووضوحاً: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم.
وكثيراً ما يكون اختلاف الألسنة والألوان الذي يعقبه تغاير الثقافات وتعدد الأعراق، أحد العوامل الأساسية التي تكمن وراء التنوع الذي هو بحد ذاته صيغة من صيغ الإبداع الإلهي في العالم: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون.. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين.
أما عن الهدف من وراء هذا التغاير، فإن القرآن يجيب: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين.
وهكذا فإن التغاير يقود إلى تحريك الحياة نحو الأحسن، وتخطي مواقع الركود والسكون والفساد، ومنح القدرة للقوى الإنسانية الراشدة كي تشد عزائمها قبالة التحديات. إلا أن القرآن ـ وهو يتحدث عن الصراع الناجم عن التغاير البشري في المذاهب والأجناس واللغات والمصالح والثقافات والبيئات الجغرافية ـ لا يقصر المسألة على التقاتل والتدافع، إنما يمدها إلى ساحة أوسع، ويعطي للتغاير البشري آفاقاً بعيدة المدى، تبدأ بإشهار السلاح، وتمتد لكي تصل إلى الموقف الأكثر إيجابية، والذي يجعل من التغاير سبباً لعلاقات إنسانية متبادلة، بين الأمم والأقوام والشعوب، تسعى للتقارب والتعاون والتعارف، مع بقاء كل منها على مذهبه أو جنسه أو لونه أو لغته أو بيئته الجغرافية: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير.
فإذا ما انتقلنا من العام إلى الخاص، أي من الدائرة الحضارية أو الثقافية على اتساعها، إلى حلقة الآداب والفنون، وجدنا أنفسنا قبالة ثنائية يمكن أن تمنح الأدب الإسلامي ـ إذا أحسن توصيفها ـ خبرات مضافة تمكنه، ليس فقط من أن يزداد نضجاً ويستوي على سوقه، وإنما ـ أيضاً ـ من التأثير في الآخر والتحول، شيئاً فشيئاً، إلى العالمية، التي تمثل السقف العالي الذي يطمح إليه كل أدب قدير على العطاء والإبداع، وهي ـ في المقابل ـ إذا أسيء توظيفها فإنها ستقود إلى إحدى اثنتين: العزلة عن الآخر وتضييع فرص الإتقان والإحسان من جهة، أو الفناء فيه وضياع الملامح الأصيلة التي تميز آداب الأمم والشعوب وتمنحها خصوصياتها، من جهة أخرى.
وإذا كنا في المحور السابق قد تحدثنا عن العلاقة الزمنية ذات البعد العمودي بين التراث والمعاصرة، فإننا هنا سنؤشر على العلاقة المكانية ذات البعد الأفقي بين الأنا والآخر، وهي فرصة مناسبة للحديث ـ كرة أخرى ـ عن إشكالية حدود التعامل الإسلامي مع معطيات الأدب الغربي عموماً ـ وليس في دائرة الحداثة فحسب ـ تلك المعطيات التي ينطوي عليها المعمار الواسع المتشعب لهذا الأدب. في البدء يجب التذكير بأن حركة الأدب الإسلامي المعاصر مادامت لم تزل في مرحلة التأسيس والتشكل، فلابد أن تشهد تبايناً في وجهات النظر إزاء العديد من القضايا المرتبطة بالنشاط الأدبي، هذا التباين أو التغاير الذي يتدرج في مساحاته الفاصلة بين الطرفين، حتى يبلغ في بعض الأحيان مدى بعيداً قد يعزل أحدهما عن الآخر، ويقطع كل الجسور التي من شأنها أن تمكن أحدهما من العبور إلى الطرف الآخر.
وليست هذه الظاهرة أمراً استثنائياً ولا حالة شاذة أو مرضية. على العكس إنها الظاهرة الأكثر حدوثاً في مراحل التشكل والتأسيس، ليس على مستوى الأدب فقط، وإنما في السياقات الثقافية كافة (ولنتذكر ما الذي حدث في مرحلة تأسيس الثقافة الإسلامية عبر مجابهتها المبكرة لتحديات الثقافات الأخرى). إن التلاقح بين الأفكار المتغايرة في إطار الرؤية المشتركة يقود إلى مزيد من الخصب والتنوع والعطاء، وهذا أمر بَدَهيّ، ما دام هناك قاسم مشترك يجمع المتحاورين على الخطوط العريضة. لكن الأمر قد لا يقف عند هذا الحد، فقد يمضي إلى ما هو أبعد فيتحول، وهذا هو الجانب الخطر في الظاهرة، إلى نوع من الفصام التام، وإلى التشرذم في نهاية الأمر داخل توجهات متغايرة ترفض الحوار، وتتشرنق داخل نسيجها الخاص دونما أية محاولة جادة لسماع صوت الآخرين، فلعل في بعض مفرداته إضاءة أو إضافة ما تعين على النمو المأمول.
والآن فمن الضروري التحول من هذا التعميم الذي قد لايعني شيئاً، إلى التخصيص، أي إلى تنفيذه في إطار مشكلة محددة تباينت حولها وجهات النظر، وتمخض عن ذلك سياقان من الجدل: أحدهما إيجابي يعبر عن نفسه بالرغبة في الحوار الجاد المخلص للوصول إلى نتائج أكثر دقة، وثانيهما سلبي يرفض فتح أية نافذة لتبادل الرأي مع الطرف الآخر.
إنها قضية التعامل مع الأدب الغربي وتوظيفه في النشاط الإبداعي والدراسي والنقدي الإسلامي، ذلك أن ساحة الأدب الإسلامي المعاصر تشهد اليوم تيارين أساسيين في مواجهة تحدي الأدب الغربي، أو في الأقل إزاء التعامل معه كنشاط ذي طبقات عديدة (وسنتجاوز الآن الوقوف عند تيار ثالث يتخذ موقفاً وسطاً بين القبول والرفض، وهو في حقيقة الأمر الحالة المتوازنة المطلوبة، والتي يؤمل أن يلتقي عندها التياران الآخران إذا فتحا باب الحوار الجاد للوصول إلى قناعات مشتركة).
البعض يرفض هذا التعامل ابتداء، وقد يدين أصحابه بضعف وتخلخل الأسس الإسلامية لثقافتهم الأدبية، بغض النظر عن الطبقة أو المعطى الأدبي الغربي، وموقعه في المعمار الشامل ذي الطبقات والأدوار، بل هو يرفض حتى استعارة بعض مصطلحات هذا الأدب، وتوظيفها إسلامياً، ولو بصيغة مرحلية تستهدف التوصيل لحين إيجاد أو نحت مصطلحاتنا الإسلامية الخاصة بنا.
والبعض الآخر يذهب في هذا التعامل إلى حدوده القصوى، وأيضاً دونما تمييز لموقع المعطى الغربي من خارطة النشاط الأدبي، وأجدني مضطراً للتأكيد على وجود خارطة، أو معمار ذي طبقات عديدة في دائرة النشاط الأدبي الغربي، لأنها ليست كلها سواء في مدى تماسها مع المنظور الفكري أو العقدي، أو حتى الثقافي، وبالتالي فإن وضعها في سلة واحدة، والحكم عليها بصيغة المصادرة، سيقود إلى خطأ في الموقف من التعامل معها في الحالتين أي في حالة الرفض الكامل أو القبول الكامل. ومن أجل توضيح هذه النقطة بالذات، التي هي عصب الموضوع، لابد من تذكير القارئ بأن النشاط الأدبي الغربي يتضمن الفعاليات أو المعطيات التالية التي قد يرتبط بعضها ببعض، وقد يفضي بعضها إلى بعض، ولكنها ليست بالضرورة انبثاقاً أو تماسكاً عضوياً، بحيث إن التعامل مع أي طرف منها سيجر وراءه تأثيرات الطبقات أو المفردات كافة. فبعد رحلة قرون متطاولة من الجهد والعطاء، والمحاولة والتجريب، أخذت معطيات الأدب الغربي السياقات الأساسية التالية:
(1) المعطيات الإبداعية وفق أنواعها المعروفة، والتي تشكل قاعدة البناء كله.
(2) المنظور أو الرؤية الشمولية التي تتشكل في ضوئها هذه المعطيات فتتكون بموجبها.
(3) مدرسة أو مذهب أدبي كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والوجودية.. إلخ.
(4) الجهد النقدي الذي يسعى لإضاءة الأسس الجمالية للنص الإبداعي، وتحليله، وصولاً إلى قيمه الفنية ودلالاته المضمونية، وطبيعة ارتباطه بالمنظور وبالمذهب الذي يندرج تحته.
(5) الطريقة أو المنهج الذي يدرس الحركة، أو الظاهرة الأدبية، عبر مساراتها الشاملة في الزمن والمكان، وفي ضوء قوانينها وارتباطاتها الداخلية الصميمة (ويجئ تاريخ الأدب لكي يندرج تحت هذا السياق).
(6) النظرية التي تلم هذه المساحات وتنطوي عليها جميعاً. فالنشاط الأدبي ليس إبداعاً فحسب، كما أنه ليس قراءة نقدية للنص الإبداعي فحسب، وإنما هو فضلاً عن هذا وذاك مذاهب ومدارس في الإبداع، تتشكل وفق المنظور أو الإطار الشامل الذي يتكون الجهد الإبداعي في رحمه، كما أنه (مناهج) و(طرائق) لدراسة الأدب وتصنيفه وفق سياقاته في الزمن والمكان، وفي ضوء قوانينه وارتباطاته الداخلية، ثم هو في نهاية الأمر نظرية شاملة تلم هذا كله، وتبحث عناصر الارتباط والتأثر والتأثير بين طبقاته، وتؤثر على النسب والأبعاد بين معطياته، ثم تسعى لاستخلاص التوجهات الشمولية التي تندرج وتصب فيها مفردات النشاط الأدبي كافة، لكي تصنع أو تصوغ توجهاً ذا شخصية محددة وملامح متميزة.
صحيح، مرة أخرى، أن ثمة ارتباطاً من نوع ما، بين هذه السياقات أو الحلقات الست، ولكنه ليس بالضرورة ارتباطاً بينها جميعاً، فقد يكون بين حلقتين أو ثلاث، وتظل الحلقات الأخرى أو بعض مفاصلها سائبة حرة، قد تتأثر بالحلقات الأخرى، وقد تؤثر فيها، وقد لا تتأثر أو تؤثر بحال.
ومن خلال هذه الثغرة قد نجد ممراً مشروعاً للدخول إلى معمار هذا الأدب، أو إلى أحد أدواره والإفادة منه وظيفياً، في إنضاج حركة الأدب الإسلامي واستكمال مقوماته. وعلى سبيل المثال، فإن بالإمكان تفكيك المنهج الواحد، وانتقاء العناصر الملائمة، والتي لا ترتطم بالرؤية الإسلامية في التعامل النقدي، ورفض اعتبار المنهج وحدة نهائية يصعب تفكيكها، كما ترى التوجهات التي تدعي العلمية. مهما يكن من أمر فإن المنهج هو غير المذهب وغير النظرية، ورغم أنه قد يرتبط بخلفيات تنظيرية أو مذهبية، وقد يتجذر في الرؤية أو العقيدة، لكن هذا يجب ألا يكون حكماً نهائياً، لأن هناك من المناهج، أو بعبارة أدق، مساحات ومفاصل في نسيج المناهج ما يمكن أن تكون بمثابة أداة حيادية تقنية صرفة، قد يكون التفريط بها تضييعاً لفرصة ممتازة لإضاءة المسالك، أمام الأنشطة النقدية الإسلامية، وبخاصة في مجال النقد التطبيقي.
خلاصة القول: إننا بإزاء فرص للتوظيف في سياق حركتنا الأدبية، تزيدها نمواً وخصباً واكتمالاً، وتقربها أكثر من لغة العصر، ومن الوصول إلى الآخر خارج دائرة الإسلامية نفسها، لكي تقنعه بمعطياتها في هذا الجانب أو ذاك، من جوانب النشاط الأدبي: إبداعاً أو دراسة أو تنظيراً أو نقداً. فإذا كانت مفردات هذه الفرص وقنواتها ذات طابع تقني صرف، لا يرتطم من قريب أو بعيد بأي من القيم والمنظومات الإسلامية، فلماذا نفرط بها ونعلن الحرب عليها؟ وإذا كان الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بتقييدها، كما تقول القاعدة الفقهية المعروفة، فلم نسوق المباحات إلى دائرة الكراهية أو الحرمة؟ ولم نسد القنوات التي قد تمنح إسلاميتنا أدوات أكثر قدرة على التعبير عن الذات، وإدراك الأبعاد الحقيقية للإبداع كوسيلة للتعبير؟ وسيكون من فضول القول التذكير بأن الاندفاع غير المبرمج باتجاه الأخذ عن النشاط الأدبي الغربي دونما ضوابط، ولا معايير إسلامية تفرز وتعزل وتميز وتختار، سيكون نوعاً من الانتحار الثقافي، لأنه سيقود إلى فقدان الهوية والذوبان في منظور «الآخر».
وهكذا تجد الحركة الأدبية الإسلامية نفسها في أمس الحاجة إلى مزيد من الحوار المرن المفتوح غير المتشنج، بين التيارين الإسلاميين بخصوص التعامل مع الآخر، من أجل أن تفيء الأطراف كافة إلى الوسطية التي هي نبض الممارسة الإسلامية الأصيلة، في كل منحى من مناحي الحياة، وهي ليست موقعاً جغرافياً، ولا اختياراً هروبياً لمواقع السلامة، وإنما ـ على العكس ـ انتقاءً إرادياً صعباً لعناصر الإيجاب في الظواهر كافة، من أجل التحقق بأكثر الصيغ توافقاً وانسجاماً وقدرة على العطاء.
المصدر: موقع المختار الإسلامي
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com