موقع الصراط ... الموضوع : سنة الله في إهلاك الأمم-1
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  سنة الله في إهلاك الأمم-1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 29 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون))
إنَّ كل ما يقع في المجتمع البشري لا يقع اعتباطاً, وصدفةً, وإنَّما يجري وفق قوانين، وسنن وضعها الله تعالى, وأجراها على خلقه, وهي مستمرة إلى يوم القيامة.
والآية الكريمة تشير إلى سنة من سنن الله تعالى الجارية في كل زمان ومكان، هذه السنة هي سنة (المجازاة في الشكر والكفر)، ونقصد بسنة المجازاة: إنَّ كل عمل من أعمال الفرد, أو المجتمع يترك آثاراً في الواقع الإنساني، إن خيراً فخيراً, وإن شراً فشراً (فالجزاء يكون من سنخ العمل)، فنتيجة الشكر الزيادة, ونتيجة الكفر الهلاك والبوار والنقصان, وهكذا فكل أثر في الكون والحياة هو نتيجة لأعمال قام بها الناس، وكل هلاك تعرضت له الأمم هو نتيجة ظلمها وخروجها عن السنن الإلهية، يقول تعالى: ((وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنَّ أخذه أليم شديد))، فهذه الآية صريحة بأنَّ الله إنَّما يأخذ الناس بالعذاب لظلمهم.
((وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون))
((وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين * فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تُسْأَلُون * قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين))
((فكأين من قرية أهلكنها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد))
وهكذا تتعرض الأمم للهلاك نتيجة أعمالها الطالحة, وتلك سنة الله في الأمم التي تكذب بالحق, وتصد عن سبيل الله بحربها للدعاة إلى الله, وكثير من الآيات (تدل على أنَّه كان من سنة الله إنشاء قرن بعد قرن, وهدايتهم إلى الحق بإرسال رسول بعد رسول، وهي سنة الابتلاء والامتحان، ومن سنة القرون تكذيب الرسول بعد الرسول، ثم من سنة الله ثانياً - وهي سنة المجازاة - تعذيب المكذبين، وإتباع بعضهم بعضاً)
فكل الفساد الاجتماعي, والفكري, والسياسي في المجتمع البشري هو النتيجة لما جنته البشرية بأعمالها الفاسدة، ومخالفتها لرسل الله سبحانه وتعالى. ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)) فقوله تعالى: ((بما كسبت أيدي الناس)) بعد قوله تعالى: ((ظهر الفساد)) يدل على أنَّ ظهور الفساد في الحياة بسبب أعمال فاسدة أقدموا عليها، كانت ذات عاقبة وخيمة عليهم. (وقوله: ((بما كسبت أيدي الناس)) أي بسبب أعمالهم التي يعملونها من شرك, أو معصية... وقوله: ((ليذيقهم بعض الذي عملوا)) اللام للغاية, أي ظهر ما ظهر؛ لأجل أن يذيقهم الله وبال بعض أعمالهم السيئة، بل ليذيقهم نفس ما عملوا؛ لأنَّ الله سبحانه برحمته يعفو عن بعض كما قال: ((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير)) )
وهذه السنة (سنة المجازاة) جارية لا تتغير, ولا تتبدل أبداً, ولا تنسخ كالأحكام، فالسنة الجارية في الأولين جارية فيمن يأتي بعدهم وهكذا... كما في قوله تعالى: ((سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً))
والسنة: (هي الطريقة المعمولة التي تجري بطبعها غالباً أو دائماً)
فكأنَّ الله سبحانه يقول: (هذا النكال الذي أوْعَدْنَا به المنافقين, ومن يحذو حذوهم من النفي والقتل الذريع، هي سنة الله التي جرت في الماضين, فكلما بالغ قوم في الإفساد وإلقاء الاضطراب بين الناس, وتمادوا وطغوا في ذلك أخذناهم كذلك، ولن تجد لسنة الله تبديلاً فتجري فيكم كما جرت في الأمم من قبلكم)
إذن هذه السنن ليست بدعاً من الأمر, وإنَّما هي قوانين تجري في الحاضرين كما جرت في السابقين, وهي غير قابلة للنسخ كالأحكام التي قد تتبدل حسب مقتضيات الزمان, وإنَّما هي ثابتة لا تقبل التحويل والتبديل: ((سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً))
إذن هلاك الأمم لم يكن (بغير جرم استحقوا به الهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بشركهم، وفسادهم في الأرض, وإصرارهم حتى لم يعد فيهم بقية من قبول الحق, وإيثار الخير على الشر بحيث لو بقوا زمناً آخر لما ازدادوا إلا ظلماً، وفجوراً، وفساداً)
((فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين))
وتأسيساً على هذا أمر الله عباده أن يتدبروا في عواقب الأمم, وأن يسيروا في آثارهم، وينظروا في أعمالهم, ويدرسوا الحالات التي أدت إلى هلاكهم.
((قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين))
((قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين)) ((قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين)) فدراسة التاريخ البشري بوعي, وعمق, وتحليل, وتفهم لعوامل نهوض الحضارات وسقوطها يوقف الإنسان على حقائق ضخمة, ورؤية واضحة في مساره يستطيع من خلالها أن يتجنب الخطأ الذي وقع فيه السابقون, ويدرك الأمور التي قدمتهم, وحينئذٍ يرتقي درجة في سلم التكامل.

دور المصلحين في حياة الأمم:
((فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون))
تُبَيِّنُ لنا هاتان الآيتان دور المصلحين في حياة الأمم, فلولا قيامهم بأداء مسؤولياتهم الكبرى في الإصلاح, والنهي عن الفساد لجرت سنة المحق والاستئصال على الجميع، إلا أنَّ قيامهم بدور الإصلاح، والتغيير للواقع الفاسد هو الذي حمى الأمم من البوار والدمار، وفي كل مرحلة من مراحل التأريخ لو قامت مجموعة منهم بالنهي عن الفساد والظلم لما تعرضت لسنة المحق والاستئصال.
ونفهم من الآية المتقدمة أنَّ دور المصلحين هو حماية الأمم والشعوب من جريان سنن الله عليها الإهلاك ,أو المحق, التمحيص؛ ولذا فإنَّ الوقوف بوجه الظالمين واجب في سنة الله تعالى، وإنَّ وجود المعارضين لخط الأنبياء والمصلحين أمر لا بد منه, وإنَّ الصراع القائم مستمر إلى يوم القيامة ما دام هناك نفس أمارة بالسوء، ونفس مطمئنة داعية إلى الله.
إنَّ سبب المعارضة لخط الرسالة الإلهية هي حالة الترف التي يعيشها الطغاة، ومحاولتهم الحفاظ عليها باستغلال خيرات الأرض، وحرمان الآخرين منها، يقول سبحانه وتعالى: ((وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون))
ففي هذه الآيات بيان سبب المعارضة، وهو: حالة الترف السائدة بينهم, ومحاولة خداع الناس على أنَّهم على دين آبائهم وأجدادهم, والترف حالة استرخاء عقلي وفكري، وميوعة نفسية من خلال الاستغراق في النعم المادية ينسى فيها الإنسان دوره المناط به في الحياة الدنيا، فلا يعرف إلا عرشه وكرشه, وشهواته, فإذا أحس بخطر يداهم ذلك وقف بقوة، وتجبر، وتجاوز كل الحدود الإنسانية من أجل الحفاظ على الحالة الترفية التي يعيشها.
ولهذا نرى الطغاة في مقاومتهم لرسالة الله على مختلف الأصعدة يحتجون بأنَّ الأنبياء والمصلحين لا يملكون الأموال، والقصور، والجاه، العريض، ولا الكنوز، والحدائق الزاهرة؛ ليؤمنوا بهم، فهم يحسبون قيمة الإنسان بما يملك من مال وسلطان لا بما يحمل من ملكات نفسية عالية، وأخلاق إنسانية كالعدل، والعطف، والرحمة .
ومن هنا نفهم من الآيات الكريمة المواضيع التالية:
1- إنَّ النهي عن الفساد واجب شرعي على كل قادر عليه، بل مقاومته واجتثاثه ضرورة لا غناء عنها بحال، وإنَّ السكوت عن الظلم, والتقاعس عن مقاومة الظالمين هو السبب الرئيس في هلاك الأمم بصورة عامة، يقول سبحانه وتعالى: ((لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون))
فسبب اللعن والطرد من رحمة الله تعالى هو تركهم التناهي عن المنكر هذا، فإنَّ الأمة التي تتقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد وأن تتعرض لسخط الله ولعنته، ولا ينجو من العذاب إلا الآمرون بالمعروف, والناهون عن المنكر, يقول سبحانه وتعالى: ((وإذ قالت أمة منهم لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون))
إذن سبب نجاة الأمم وسعادتها هو النهي عن السوء, والمنكر, وبالنتيجة يكون سبب العذاب ترك النهي عن المنكر.
2- إنَّ القلة والكثرة ليسا هما المعيار: قد يبرر البعض قعوده عن مواجهة تيارات الظلم بقلة عدد المؤمنين، وكثرة المخالفين للحق، لا داعي للنقاش النظري في ذلك، وإنَّما لنستشهد بموقف رسول الله (ص) حيث بعث وحده، وواجه جبروت قريش بتلك الثلة المؤمنة القليلة, وبها أباد الجاهلية العربية, وأسقط الإمبراطوريتين الفارسية والرومية, وأنشأ دولة الإسلام, ومن بعده ولده الحسين (ع) قد أبطل كل التصورات التبريرية بموقفه العظيم يوم الطف، وواجه بتلك القلة القليلة جيوش النفاق, وأعطى دروساً بقي أثرها إلى اليوم وإلى يوم القيامة.
وهذا هو ديدن العظماء على طول خط التاريخ، فأهل الحق والخير دائماً هم القلة, وبهذه القلة يدفع الله البلاء عن البشرية أجمع, ويصلح شأنها, وإذا انعدمت هذه القلة تعرض المجتمع إلى البلاء المبرم، والعذاب الشديد, ورد في الحديث عن أبي عبد الله (ع): (إنَّ الله [لـ]يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمَّن لا يصلي من شيعتنا, ولو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا, وإنَّ الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا عمَّن لا يزكي, ولو أجمعوا على ترك الزكاة لهلكوا, وإنَّ الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمَّن لا يحج, ولو أجمعوا على ترك الحج لهلكوا, وهو قول الله عز وجلّ: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين))، فوالله ما نزلت إلا فيكم، ولا عنى بها غيركم)
فلو كانت القلة والكثرة هي المعيار في المواجهة لوجب على الأنبياء والمصلحين أن يتوقفوا عن سيرهم وحركتهم, ولتركوا الحبل على الغارب.
فليس الكثرة هي الغالبة، ولا القلة هي المخذولة دائماً, وقد قال الله سبحانه وتعالى عن لسان عباده المخلصين: ((قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com