موقع الصراط ... الموضوع : أهل البيت -1
 
الأربعاء - 27 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أهل البيت -1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 29 / رجب / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) (الأحزاب:33)
لقد أجمع المفسرون والمحدثون والمؤرخون إن هذه الآية الكريمة نزلت في أهل بيت النبي (ص) واختلفوا في تحديد مصاديق أهل البيت من هم؟ فلنتابع مجرى الآية الكريمة وأسباب نزولها ومحلها؛ لنعرف من هم أهل البيت الذين عناهم القرآن الكريم, وأذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
بدأت الآية الكريمة بأقوى أدوات الحصر وهي (إنما) وهي تفيد إثبات ما بعدها ونفي لما سواه. يقول ابن المنظور: (قال النحويون أصلها ما منعت إن من العمل, ومعنى إنما إثبات لما يذكر بعدها، ونفي لما سواه كقوله: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا ومثلي, المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو من هو مثلي)
ويقول صاحب مجمع البيان: (إن لفظة (إنما) محققة لما أثبت بعدها, نافية لما لم يثبت فإن قول القائل: إنما لك عندي درهم, وإنما في الدار زيد, يقتضي أنه ليس عنده سوى الدرهم, وليس في الدار سوى زيد، وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة, أو الإرادة التي يتبعها التطهير, وإذهاب الرجس ، ولا يجوز الوجه الأول, لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة, فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق, ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم, بغير شك وشبهة, ولا مدح في الإرادة المجردة. فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح)

إرادة الله:
لله في خلقه إرادتان : إرادة (تكوينية) وهي الإرادة التي لابد لها من التحقق, ولا يمكن أن يحول شيء بينها, وبين ما يريد, ولا يمكن أن يختلف مراده عن إرادته, ولا يمكن أن يريد شيئاً فلا يكون, يقول عز وجلّ: ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) (يس:82) ومنها قوله (ع): ([ولا لإرادته فصل] أي لا فصل بينها وبين المراد أي لا يتأخر ولا ينفصل مراده عن إرادته, أو لا تنقطع إرادته بل هو كل يوم في شأن أبد الدهر, أو لا قاطع لإرادته يمنعها عن تعلقها بالمراد)
والثانية: هي الإرادة (التشريعية) والمقصود منها ما يريده الله تعالى من عباده في امتثال أوامره, والانتهاء عن نواهيه, وهذه الإرادة تتعلق دائماً بأفعال المكلفين، لتطبيق شريعته التي شرعها تعالى لعباده المكلفين, والإرادة التشريعية غير حتمية التطبيق رغم كونها واجبة, فالله تعالى يصدر والعبد يستطيع أن يستجيب, ويستطيع أن يخالف؛ (لأن الله عز وجلّ أمر عباده تخييراً, ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً, ولم يكلف عسيراً)
وموجز القول: (أن الإرادة التشريعية هي عبارة عن الحكم بالشيء بأنه ينبغي أن يفعل, أو لا يفعل أعني: الأمر والنهي والطلب والزجر؛ ليكون الأمر داعياً لـه إلى فعل ما أمر به, وزاجراً لـه عن فعل ما نهى عنه، بعبارة أخرى هي إنشاء ما يصلح لأن يكون داعياً لـه إلى الفعل المأمور به, وزاجراً عن الفعل المنهي عنه, لأن ينبعث نحو الفعل من ينبعث بأمره, وينتهي عن المنهي عنه من ينتهي عن نهيه, ويتم الحجة على غيره ممن يستخف بأمره)

إرادة التطهير:
بعد أن عرفنا هذا فمن أي الإرادتين إرادة التطهير التي أرادها الله لأهل بيت النبوة والرسالة (ع) ؟ ونحن إذا تأملنا في الآية الكريمة جيداً نجد أن المقصود بالإرادة هي الإرادة التكوينية وذلك لأن الإرادة التشريعية واجبة التطبيق على كل إنسان، ولو كان معنى ((يُرِيدُ اللَّهُ)) أن على أهل البيت أن يطهروا أنفسهم بإرادتهم واختيارهم لقال: (أريد منكم) والآية تدل على غير ذلك وهو: (أن الآية مختصة بأهل البيت كما أنها شاملة للنبي محمد (ص) مما يوحي بأن هناك خصوصية في المسألة تختلف عن الوضع العام الذي يتعلق بالناس بشكل عام لا سيما فيما يتعلق بمقام النبي (ص) وفي ضوء ذلك تكون الإرادة الإلهية هي الإرادة التكوينية التي تتدخل في تكوين الخصائص الذاتية في داخل الذات مما يحقق للشخصية ملكات روحية ثابتة متحركة في اتجاه إيجاد الجو الفكري والروحي الذي يدفع إلى اختيار الحق في القول والفكر والعمل, لا الإرادة التشريعية تقتصر على توجيه التكاليف)
كما أن الله تعالى يعلم أن المهمة التي يلقيها على الأنبياء والأوصياء (ع) ثقيلة بثقل الرسالة فلابد أن يجعل حملة الرسالة يتميزون بميزة تختلف عن سائر البشر؛ ليستطيعوا حمل تلك الرسالة؛ ولهذا أجرى عملية الاصطفاء في إرسال الرسل والأنبياء قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنـُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (آل عمران:33-34)
ومن هنا يتبين (أن الله عز وجلّ قد منحهم إياها للمسؤوليات الثقيلة الخطيرة الملقاة على عاتقهم في قيادة الناس وإرشادهم, وبناءً على هذا فإنه امتياز يعود نفعه على الجميع, وهذه عين العدالة تماماً كالامتياز الخاص الذي منحه الله لطبقات العين وأغشيتها الرقيقة والحساسة جداً, والتي يستفيد منها جميع البدن.
إضافة إلى أن أنبياء الله تعظم مسؤولياتهم وواجباتهم بنفس المقدار الذي يتمتعون بهذه المواهب الإلهية والامتيازات, فإن ترك الأولى من قبلهم يعد ذنباً كبيراً يصدر من الناس العاديين وهذا تحديد وتشخيص لخط العدالة.
والنتيجة أن هذه الإرادة إرادة تكوينية في حدود المقتضى - وليست علة تامة - وهي في الوقت نفسه لا توجب الجبر ولا تسلب الاختيار والإرادة الإنسانية)
وقد يثار تساؤل وهو أن الله تعالى إذا خلقهم مطهرين طاهرين مُخَلَصين من كل رجس فلابد أنهم لا يستطيعون أن يخالفوا إرادة الله تعالى, فما هو إذن فضلهم في التزامهم؟
والجواب: أن هذه الإرادة لا تعني سلب الاختيار, ولا تعني الجبر, ولا يعني أنهم غير قادرين على ارتكاب المعصية, بل إنهم قادرون على إتيانها؛ لأن العصمة المشروطة فيهم لا تخرجهم عن مصاف البشر؛ ولا تلحقهم (بعداد الآلهة كما يشتهي أن يقول المتقولون! هل العصمة في ذاتها جزء إلهي, حتى إذا اشترطناها في الخلافة فقد قلنا في الخليفة بالحلول؟! وهل للألوهية أجزاء لتعد العصمة واحدة من هذه الأجزاء, ولتستطيع هذه الفرية أن تقف على قدم؟!
ألم تشترطها جمهرة المسلمين في رسالة الرسول؟ فهلا كانت لها هذه اللازمة هناك؟ وهلا نقدها أحد هناك بمثل هذا النقد؟ العصمة شرط في رسالة الرسول لدى جمهور المسلمين, وإن اختلفت فرقهم في تحديد هذا الشرط: أهو العصمة في عهد النبوة فقط أم العصمة حتى فيما قبل هذا العهد؟)
والمقصودة من العصمة في أهل البيت (ع): (فهي من إمداد الله تعالى وتأييده لعباده الصالحين من أهل البيت (ع) في تطهير نفوسهم, وإذهاب الرجس عنهم, وتصعيد إرادتهم على نحو تكويني, وبقدرة قديرة من الله تعالى تستحيل معها المعصية والذنب عليهم بمحض إرادتهم واختيارهم، وهذا التأييد الإلهي لا يؤدي إلى سلب الاختيار والإرادة عنهم, وإنما هو في حقيقته تصعيد لدرجة إرادتهم وقوتها, وإمداد لها بالقوة والضبط حتى يستحيل عليهم فعل معصية أو ذنب كما يستحيل على الأم أن تقتل أطفالها مثلاً دون أن يؤدي ذلك إلى سلب الاختيار والإرادة منهم، وإنما بمحض اختيارهم وإرادتهم يتجنبون المعاصي والذنوب)
فهم يُجلون أنفسهم ويَسمون بها عن أن يلوثوها بالأدران والذنوب؛ لأنهم أعرف الناس بالله تعالى، وأكمل البشرية خَلْقاً وخُلُقاً يملكون إرادتهم, ويُحكَّمون عقولهم في أهوائهم, ويسيطرون على كل رغباتهم, ويجعلونها محكومة لإرادة الله تعالى؛ بما آتاهم من علم فإن (العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ, وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال, كما أن سائر الأخلاق كالشجاعة والعفة والسخاء كل منها صورة علمية راسخة موجبة لتحقق آثارها, مانعة عن التلبس بأضدادها من آثار الجبن والتهور والخمود والشره والبخل والتبذير... ومن هنا يظهر أن هذه القوة المسماة بقوة العصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة, ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك لتسرب إليها التخلف, وخبطت في أثرها أحيانا, فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة التي تقبل الاكتساب والتعلم، وقد أشار الله تعالى إليه في خطابه الذي خص به نبيه (ص) بقوله: ((وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)) (النساء:113) وهو خطاب خاص لا نفقهه حقيقة الفقه)؛ وبهذا العلم طهرهم الله تعالى عن كل نقص يشين شخصيتهم, ويعرقل سيرهم فكانوا معصومين عن كل زلل وزيغ وبهذا تكون (العصمة رصيد نفساني كبير يتكون من تعادل جميع القوى النفسانية, وبلوغ كل واحد منها أقصى درجة يمكن أن يبلغها الإنسان, ثم سيطرة القوى العقلية على جميع هذه القوى والغرائز والركائز سيطرة كاملة حتى لا تشذ عنها في أمر ولا تستقل دونها في عمل.
هذه الحصانة الذاتية التي توقظ مشاعر الإنسان الكامل فلا يغفل وتعتلي بملكاته وأشواقه فلا ينزلق ولا يكبو, والتي تكفل له صحته النفسية من كل وجه, هذه العصمة التي يشترطها مذهب أهل البيت (ع) في الرئيس الأعلى للحكومة الإسلامية)

إذهاب الرجس:
الرجس: هو (الشيء القذر) وهو كل ما ينفر منه العقل والطبع السليم وقد يكون حالة مادية ظاهرية كما في لحم الخنزير ((أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)) (الأنعام:145) وقد يكون حالة نفسية كما في قوله تعالى: ((وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ)) (التوبة:125)
وقوله تعالى: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) (الأنعام:125)
وكل هذه الأنواع من الأرجاس المادية أو الأرجاس المعنوية قد أذهبها الله عن أهل بيت رسول الله (ص) وجعلهم طاهرين مطهرين في كل جوانب حياتهم الفكرية والعاطفية والسلوكية بما أفاضه عليهم من علم ومعرفة, وتأييد وتسديد في تطهير نفوسهم, وإذهاب الرجس عنهم, وتصعيد إرادتهم على نحو تكويني بقدرة قدير تستيحل معه المعصية والذنب عليهم بمحض إرادتهم واختيارهم.
وقد دلت الآية الكريمة بمجموع التأكيدات الواردة فيها يقول تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) (الأحزاب: 33) نفى الرجس عنهم على وجه المبالغة حيث أكد ذلك بوجوه:
الأول: (إِنَّمَا) الدالة على الحصر والتأكيد.
الثاني: لام التأكيد في (لِيُذْهِبَ).
الثالث: لفظ الإذهاب الدال على الإزالة بالكلية.
الرابع: التعريف بلام الجنس الذي يستلزم نفيه نفي جميع جزئياته .
الخامس: الإتيان بالمضارع الدال على الاستمرار.
السادس: تقديم الظرف على المفعول الدال على كمال العناية والاختصاص.
السابع: الإتيان بأهل البيت لا بأسمائهم تعظيماً لهم.
الثامن: النداء على وجه الاختصاص.
التاسع: الإتيان بالتطهير الدال على التنزيه عن كل دنس.
العاشر: الإتيان بالمصدر تأكيداً)
و خلاصة الكلام إنَّ : هذا التأكيد الإلهي لا يؤدي إلى سلب الإرادة والاختيار عنهم إنما هو في الحقيقة تصعيد لدرجة إرادتهم, وإمداد لها بالقوة والضبط حتى يستحيل عليهم الوقوع في معصية أو ذنب كما يستحيل على الأم أن تقتل أطفالها مثلاً دون أن يؤدي ذلك إلى سلب الاختيار والإرادة منهم, وإنما بمحض اختيارهم واراداتهم يجتنبون المعاصي.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com