موقع الصراط ... الموضوع : الموقف من الحاكم الظالم-1
 
الإثنين - 5 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الموقف من الحاكم الظالم-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 2 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)) (هود:113)
الركون إلى الذين ظلموا هو الميل إليهم, والتعاون معهم ومحاباتهم في شيء من أمور الدين, ومداهنتهم, والرضا بفعلهم, وموالاتهم, وحب بقائهم, فقد ورد عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجلّ: ((ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار)) قال: (هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه)
وبالجملة الركون هو الاعتماد عليهم, والدخول معهم في ظلمهم . إلا لمصلحة للدين أو الدنيا التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة مع الحذر والدقة في التعامل، وتقديم الخدمات للمؤمنين كل ذلك نهى عنه الإسلام, وحرمه على المؤمنين, وأوضح عاقبته الوخيمة في الدنيا والآخرة... لما يترتب عليه من مفاسد خطيرة, وعواقب سيئة على الإنسان فرداً ومجتمعاً, ونفهم من ذلك:
إن الركون إلى الظالمين يخرج الإنسان من ولاية الله ورحمته كما في قوله تعالى: ((وما لكم من دون الله من أولياء)) وأي خطر أعظم من طرد الإنسان من ولاية الله تعالى حيث يصبح مجرداً من كل حصانة ووقاية تحميه من مزالق الهوى والشيطان وعلى هذا تظهر النتيجة الثانية وهي الخذلان, وعدم النصر ((ثم لا تنصرون)) وكأن الآية الكريمة تريد أن تقول: إن كنتم تريدون النصر فأظهروا النفور والاشمئزاز من الظالمين, بل أظهروا النقمة, والبراءة منهم، وإلا فستخذلون, وإذا خذل الله إنساناً فستكون عاقبته النار والعذاب الأليم.
والسر في تحريم الركون إلى الظالمين - وإن كان يحقق بعض المصالح الذاتية الآنية- أنه مخالف لكتاب الله, وسنة رسوله, فإن الله إنما أرسل الرسل, وشرع الشرائع؛ ليقيم العدل والقسط؛ ليسعد الجنس البشري من خلال هدايتهم وإرشادهم إلى صراطه المستقيم... والركون إلى الظالمين مخالف لسنة العدل والقسط, فإنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان, والظالمون يأمرون بالجور, والظلم, والعدوان على خلق الله ويهتكون حرمات الله تعالى, ثم إن الركون إليهم يؤدي إلى تقوية شوكتهم, واتساع رقعتهم, وبذلك يفسدون المجتمع البشري بأبشع صور الفساد .
والمقصود بالظالمين كما يظهر من جملة من المفسرين هم الذين يقومون بإدارة شؤون المجتمع في حياته الدينية والدنيوية على غير شريعة الله. أو إن العامة تقلدهم أمورهم فيحجبون عنها الحقائق الإلهية، لاستعبادهم, وسلب حقوقهم الإنسانية ويأكلون أموالهم بالباطل, ولا سيما الولاة الظلمة الذين يخرجون الناس عن جادة الصواب من السلاطين أو وعاظهم الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم, فأصبحوا خداماً للظالمين يبررون لهم ظلمهم, ويشرعون لهم؛ ليكون ظلمهم مغلفاً بثوب الشرعية المقدسة.
وقد حَرَّمَتْ الشريعة الإسلامية التعاون مع هؤلاء, والرضا بأفعالهم والسكوت عنها حتى لو كانت تنفع العامة, روي: (قسم الحجاج مالاً فأعطى منه مالك بن دينار, فقبل وأراد أن يدفع إلى آخر فأبى أن يقبل, ثم مرَّ ذاك الرجل بمالك وإذا هو يقسم ذلك المال, فقال له مالك: لهذا قبلناه, فقال له الرجل: دعني مما هناك أسألك بالله، الحجاج اليوم أحب إليك أم قبل اليوم؟ فقال: بل اليوم. فقال الرجل: فلا خير في شيء حبّب إليك الحجاج)
وقد حرم الإسلام العمل مع الظالمين, والتعاون معهم، والرضا بأفعالهم, وأوعد عليه أشد العذاب، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة القطعية، والعقل، والإجماع. قال تعالى: ((ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) (المائدة:2) ولا شك أن الإثم والعدوان هو الظلم بعينه.
وأما الأحاديث الواردة في تحريم صحبة الظالمين ومعونتهم فمستفيضة ومتواترة فعن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (ع) في حديث قال: (إيّاكم وصحبة العاصين، ومعونة الظالمين)
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (العمل بالظلم، والمعين له، والراضي به، شركاء ثلاثتهم)
وعن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (ع) عن أعمالهم فقال لي: (يا أبا محمّد، لا ولا مَدَّة قلم إن أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله، أو حتى يصيبوا من دينه مثله)
وعن ابن أبي يعفور قال: (كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له: جعلت فداك (أصلحك الله) إنَّه ربما أصاب الرجل منا الضيق، أو الشدة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسنّاة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله (ع): ما أحب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، وإن لي ما بين لابتيها، لا ولا مَدَّة بقلم إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد)
بل شدد أهل بيت العصمة والطهارة (ع) على المنع من التعاون مع الظالمين حتى ولو كان في أداء الواجبات الشرعية، أو المستحبات أو ما إلى ذلك. فعن صفوان بن مهران الجمال قال: (دخلت على أبى الحسن الأول (ع) فقال لي: يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً.
قلت: جعلت فداك أي شيء؟
قال (ع): إكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون.
قال: والله ما أكريته أشراً، ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو، ولكنّي أكريته لهذا الطريق، يعني طريق مكّة، ولا أتولاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.
فقال لي (ع): يا صفوان أيقع كراؤك عليهم؟
قلت: نعم جعلت فداك.
قال: فقال لي (ع): أتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟
قلت: نعم .
قال (ع): من أحب بقاءهم فهو منهم, ومن كان منهم كان وروده النار.
قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني.
فقال لي: يا صفوان بلغني أنَّك بعت جمالك.
قلت: نعم.
قال: ولِمَ؟
قلت: أنا شيخ كبير، وإنَّ الغلمان لا يفون بالأعمال.
فقال : هيهات هيهات، إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر.
قلت: ما لي ولموسى بن جعفر؟
فقال: دع هذا عنك فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك)
وبرغم هذا التشديد من قبل أئمة الهدى والحق، فقد راجت نظرية الركون إلى الظالم في عصر بني أمية، بأحاديث وروايات وضعها لهم وعاظ السلاطين، وطلاب الدنيا بالدين، فجاءت ثورة الحسين (ع) صاعقة فنسفت كلما بنوه، وتركته قاعاً صفصفاً.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com