موقع الصراط ... الموضوع : مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع) -2
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع) -2  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
ماذا فَعَلَ الحُسَيْنُ (ع) في مُواجَهَةِ مُخَطَّطاتِ مُعاوِيَة؟
لقد كان الإمامُ الحسين (ع) يرقب كلَّ تحرّكات معاوية، ويتابع مخططاتِه الإجرامية، ومكائدَه الخبيثة، ويعمل على توضيح خطورتِها للأمّة، ويفضحها على رؤوس الأشهادِ، ويطرح البديلَ المناسب.
(لقد فعل الحسينُ (ع) ما بوسعه، أيام معاوية؛ لكي يلفت نظرَ الأمة من جديد إلى قيم الإسلام الكبيرة العليا، ويعيدها من جديد إلى عهد رسول الله (ص)، فكانت حلقةُ العلمِ التي يديرها بمسجد الرسول (ص)، وسَيْرُه إلى مكة ماشياً، واجتماعُه مع صحابة الرسول (ص) ، وتذكيرُه إياهم بمنزلة أميرِ المؤمنين وآل البيت (ع) من الرسول (ص) والإسلام، وسلوكُه الشخصي، وشخوصُه كأحد رموز الإسلام، كمثال حيّ له، ومعارضتُه بيعة يزيد، وتصدّيه للعديد من أحكام معاوية وأعمالِه، تمثل بعض جوانب الأعمال التي قام بها للكشف عن الإسلام الحقيقي، وحفظه من الاندثار والتحريف، والكشف عن الوجه الأموي، الذي أراد سلب كل مكاسب المسلمين، وجعلها غنيمة باردة بيد يزيد)(11).
كما عقد الحسينُ (ع) مؤتمراً سياسياً قبل هلاك معاوية بسنة في مكّة المكرمة جمع فيه صلحاءَ الأمة، ووجهاءها، وأوضح الخطرَ الذي يواجه الإسلامَ، وألزم حضّار المؤتمرِ بنشر ذلك بين المسلمين وإيصالِه إلى كل من يمكنهم إيصاله.
قال سليم بن قيس: ((فلما كان قبل موت معاوية بسنة حجَّ الحسينُ بن علي صلوات الله عليه، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن جعفر [معه]، فجمع الحسينُ (ع) بني هاشم، رجالهم، ونساءهم، ومواليهم، وشيعتهم من حجَّ منهم، ومن الأنصار ممن يعرفه الحسينُ (ع) وأهل بيته.
ثم أرسل رسلاً [قائلاً لهم]: ((لا تَدَعوا أحداً ممّن حجَّ العام من أصحاب رسول الله (ص) ، المعروفين بالصلاح والنُسك إلا اجمعوهم لي))، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل، وهم في سُرادقِه، عامتهم من التابعين، و[نحو من مائتي رجل من أصحاب النبي (ص)] و[غيرهم].
فقام فيهم الحسينُ (ع) خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنَّ هذا الطاغية - يعني معاوية - قد فعل بنا وبشيعتِنا ما قد رأيتُم، وعلمتُم، وشهدتُم، وإنّي أريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقْتُ فصدّقوني، وإن كذبْتُ فكذّبوني، أسألكم بحقِّ الله عليكم وحقِّ رسول الله وحقِّ قرابتي من نبيِّكم، لمّا سيّرتم مقامي هذا، ووصفْتُم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أنصاركم من قبائلكم من آمنتم من الناس، ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا، فإنّي أتخوف أن يدرس هذا الأمر، ويذهب الحق ويغلب، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
وما ترك شيئاً مما أنزل الله فيهم من القرآن إلا تلاه، وفسّره، ولا شيئاً مما قاله رسول الله (ص) في أبيه وأخيه وأمه، وفي نفسه وأهل بيته إلا رواه.
وكل ذلك يقول الصحابة: ((اللهُمَّ نعم، قد سمعنا وشهدنا))، ويقول التابعي: ((اللهم قد حدّثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة))، فقال (ع): أنشدكم الله إلا حدّثتم به من تثقون به وبدينه))(12).
وهذا المؤتمرُ أصدقُ دلالة على إحساس الحسين (ع) بخطورة الأمر، وما يحيق بالإسلام من مؤامرات؛ ولذا فإنَّ قيامَ الحسين (ع) بجمع هذا العدد الكبير من صلحاء الأمة، وتحميلهم المسؤولية بعد بيان المخططات التآمرية على الإسلام؛ لنشر ما تحدث به (ع) في جميع آفاق الإسلام، وهذا العملُ يمثل خطوةً متقدمةً لإفشالِ ما قام به معاويةُ طيلةَ حياتِه من أعمال إجرامية لدفن معالم الإسلام، وتشويه حقيقته.
كما كتب معاويةُ كتاباً يهدد به الحسينَ (ع) قائلاً: ((فإنّي متى أنكرْك تنكرني، ومتى تَكِدْني أكِدْك، فاتقِّ شقَّ عصا هذه الأمة، وأن يرجعوا على يدك إلى الفتنة))(13).
فأجابه الحسينُ (ع) بكتابٍ مفصلٍ كشف فيه جميعَ جرائمِهم، وأحابيلِهم، وبذلك مَزَّقَ كلَّ الأقنعةِ التي ضربها على تلك الجرائم... نذكر مقاطعاً من ردّه صلوات الله عليه وسلامه، فقال (ع): ((فأما ما نمي إليك، فإنما رقّاه المَلاقون المَشّاؤون بالنمائم، المفرّقون بين الجميع، وما أريدُ حرباً لك، ولا خلافاً عليك، وأيم الله لقد تركتُ ذلك وأنا أخاف الله في تركه، وما أظنُّ اللهَ راضياً عني بترك محاكمتك إليه، ولا عاذري دون الإعذار إليه فيك، وفي أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظالمين، وأولياء الشياطين)).
وفي هذا المقطع أوضح أنَّ الملتفين حول معاوية هم العناصرُ الفاسدةُ المفسدةُ، والضالّةُ المضلّةُ... كما أكَّد وجوبَ مقاومتِه، فهو يخشى اللهَ في ترك حربِه وجهادِه.
ثم أوضحَ بعد ذلك الجرائمَ التي أقدم عليها معاويةُ في سفكِ دماءِ المؤمنين من حَمَلَةِ رسالةِ اللهِ تعالى كحِجر بن عديّ الكندي، وعَمْرو بن الحمقِ الخزاعي، والحضرمي، ثم ادعاءه لزياد ابن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، ثم يقول له بعبارةٍ صريحةٍ واضحةٍ: ((إنَّ أعظمَ فتنةٍ لأمةِ محمَّد هي ولايةُ معاوية))، فيقول (ع): ((فلا أعلمُ فتنةً على الأمة أعظم من ولايتِك عليها، ولا أعلمُ نظراً لنفسي وديني أفضل من جهادك، فإن أفعله فهو قربة إلى ربي، وإن أتركه فذنب أستغفر الله منه في كثير من تقصيري، وأسأل الله توفيقي لأرشد أموري)).
ثم يواجه تحدّي معاوية له بتحدٍّ أقوى حيث قال له معاوية: ((وإنَّك متى تكدني أكدك))، فيقول (ع): ((وأما كيدك إياي فليس يكون على أحدٍ أضرَّ منه عليك، كفعلك بهؤلاء النفر الذين قتلتهم، ومثلّت بهم بعد الصُلح، من غير أن يكونوا قاتلوك، ولا نقضوا عهدك، إلا مخافة أمرٍ لو لم تقتلهم مُتَّ قبل أن يفعلوه، أو ماتوا قبل أن يدركوه)).
ثم يوجه له ولمكائدِه صفعةً بقيَتْ ترنّ في أذن الزمن إلى اليوم ، بل إلى يومِ القيامة قائلاً: ((فأبشرْ يا معاوية بالقصاص، وأيقنْ بالحساب، واعلم أن لله كتاباً لا يغادرُ صغيرةً، ولا كبيرةً إلا أحصاها، وليس الله بناسٍ لك أخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة، وأخذك الناس بالبيعة لابنك، غلام سفيه يشرب الشراب، ويلعبُ بالكلاب، ولا أعلمك إلا خسرْتَ نفسَك ، وأوبقت دينَك، وأكلت أمانتك، وغششْتَ رعيَّتَك، وتبوأت مقعدك من النار، فـ((بُعْداً لِلْقَومِ الظَّالِمِينَ))(14)))(15).
فبهذه اللغة الواضحة الصريحة، وبهذا الكشف التام لجميع ما اقترفه معاويةُ من جرائم على كل المستويات تحدَّثَ الحسينُ (ع)، وبذلك أبطل بدعَ بني أمية، وحَفَظَ رسالةَ اللهِ تعالى من التحريفِ والتزييف، والأمةَ من الإضلال.
كما أقدمَ الحسينُ (ع) على الاستيلاء على أموالِ الدولةِ التي أُرْسِلَتْ إلى معاوية من اليمن، ووَزَّعَها على المحتاجين من بني هاشم، وكَتَبَ بذلك إلى معاوية يعلمُه صراحةً بلا خوفٍ ولا ترددٍ...
هذه بعضُ الخطوات التي نجّزها الحسينُ (ع) لمواجهةِ وإبطالِ خطط معاوية، وقد كان لها دورٌ فاعلٌ في حفظ الإسلام من التحريف، والأمة من الانحراف.
بعد كلّ هذا العناء الذي لاقاه الحسينُ (ع) من معاوية، وبعد كلّ هذا الجهدِ الذي بَذَلَه؛ لإنقاذِ أمة جدِّه، ودينها من مصائدِه، هَلَكَ معاويةُ، وجاء دورُ المحنةِ الكبرى، والفتنة الحاسمة التي تجلَّى فيها موقفُ الحسينِ (ع) من معاوية ليؤدي الدورَ الذي ادّخره الله تعالى إليه؛ ليكونَ حقّاً وارثاً للأنبياء...
كتب يزيدُ إلى واليه الوليدِ بن عتبة قائلاً: ((من يزيدَ أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد؛ فإنَّ معاويةَ كان عبداً من عبادِ الله، أكرمَه اللهُ، واستخلَفَه، وخوّله، ومكّن له، فعاشَ بقَدَر، وماتَ بأَجَل، فرحمه اللهُ، فقد عاشَ محموداً، وماتَ برّاً تقياً، والسلام)).
وكتب إليه في صحيفة كأنَّها أذْنُ فأرة: ((أما بعد؛ فَخُذْ حُسَيناً، وعبدَ الله بن عمر، وعبدَ الله بن الزبير بالبيْعةِ أخذاً شديداً، ليست فيه رخصةٌ حتى يبايعوا؛ والسلام))(16).

موقفُ الوليد:
بادرَ الوليدُ مباشرةً بعد نعي معاوية لطلبِ الحسين (ع)، وعبدِ الله بن الزبير، وعبدِ الله بن عمر، وبَعَثَ رسولَه عبدَ الله بن عمرو بن عثمان إليهم بعد أن استشار مروان قائلاً له: ((كيف ترى أن نصنع؟))، وكان جوابُ مروان جوابَ لئيمٍ حاقدٍ لا يرى للدمِ حرمةً، ولا للإسلامِ صيانةً، فقالَ له: ((فإنّي أرى أن تبعث الساعةَ إلى هؤلاء النفر، فتدعوهم إلى البيعةِ، والدخولِ في الطاعة، فإن فعلوا قبلْتَ منهم، وكففْتَ عنهم، وإن أبوا قدّمْتَهم، فضربْتَ أعناقَهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنَّهم إن علموا بموت معاوية، وَثَبَ كلُّ امرئ منهم في جانب، وأظهر الخلافَ والمنابذةَ، ودعا إلى نفسِه...))(17).

موقفُ الحُسين (ع):
ما أن وصلَ رسولُ أميرِ المدينةِ إلى الحسينِ (ع) ومن معه قائلاً: ((أجيبا، الأميرُ يدعوكما))، ولم يكنْ وقتُ وصولِه إليهم وقتَ جلوسِ الأمير عادةً؛ لذلك أثار هذا الطلبُ التساؤلَ، فأقبلَ عبد الله بن الزبير على الحسينِ (ع) مُتسائلاً عن سرِّ الإرسالِ في هذه الساعةِ التي لم يكن يجلس فيها! فقال الحسينُ (ع): ((قد ظننْتُ، أرى طاغيتَهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذَنا بالبيعةِ قبل أن يَفْشُوَ في الناس الخبرُ، فقال: وأنا ما أظنُّ غيره، قال: فما تريد أن تصنع؟ قال: أجمعُ فتياني الساعة، ثم أمشي إليه، فإذا بلغتُ البابَ احتبسْتُهم عليه، ثم دخلتُ عليه، قال: فإنّي أخافه عليك إذا دخلْتَ، قال: لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادرٌ.
فقام (ع)، فجمع مواليه وأهلَ بيتِه، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد، وقال لأصحابه: إنّي داخلٌ، فإن دعوتُكم، أو سمعتُم صوتَه قد علا، فاقتحموا عليَّ بأجمعِكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم))(18).
وفعلاً بادر سيدُ الشهداء (ع) إلى جمع فتيانه، ووضع خطة أعَدَّ فيها العدّةَ؛ لمواجهةِ تخطيط مروان...
ولما عرض عليه الوليدُ نبأ هلاكِ معاويةَ، وعرضَ عليه البيعةَ أرادَ سلام الله عليه أن يكسِبَ الوقتَ للخروجِ، فقال: ((أما ما سألْتَني من البيعة، فإنَّ مثلي لا يُعطي بيعتَه سراً، ولا أراك تجتزئ بها مني سراً دون أن نُظْهِرَها على رؤوس الناس علانية، قال: أجل، قال: فإذا خرجتَ إلى الناس فدعوتَهم إلى البيعة دعوتَنا مع الناس، فكان أمراً واحداً، فقال له الوليد - وكان يحب العافية -: فانصرفْ على اسم الله حتى تأتيَنا مع جماعة الناس، فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايعْ لا قدرتَ منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبسْ الرجلَ، ولا يخرجُ من عندك حتى يبايعَ، أو تضربَ عنقَه، فوثب عند ذلك الحسينُ (ع)، فقال: يا ابن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو؟! كذبتَ والله وأثمتَ))(19).
وأقبل (ع) على الوليد؛ ليعلِنَ له تصميمَه على عدمِ البيعةِ، فقال: ((أيها الأمير، إنَّا أهلُ بيت النبوة، ومعدنُ الرسالة، ومختلفُ الملائكة، وبنا فتحَ اللهُ، وبنا ختمَ اللهُ، ويزيد رجلٌ فاسقٌ، شاربٌ الخمرَ، قاتلٌ النفسَ المحرمة، معلنٌ بالفسقِ، ليس له هذه المنزلة، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيُّنا أحقُّ بالخلافة والبيعة))(20).
ومن هنا انطلق أبو الأحرار (ع) مصمّماً على الخروج، والتحدّي لبني أمية مهما كان الثمنُ غالياً، وتحدّى أزلامَ النظامِ الأموي كمروان وأمثاله، والحوار الآتي يوضح لنا صورة التحدّي العظيم الذي أقدم عليه الحسينُ (ع)، فقد التقاه مروان، وقال:
((- إنّي لك ناصحٌ، فأطعني ترشد وتسدد.
- وما ذلك؟ قل حتى أسمع.
- أقول إنّي آمرُك ببيعة أمير المؤمنين يزيد، فإنَّه خَوَلُك في دينِك ودنياك.
- إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلامِ السلامُ إذ قد بليتْ الأمةُ براعٍ مثل يزيد، ويحك! أتأمرني ببيعة يزيد، وهو رجلٌ فاسقٌ! لقد قلتَ شططاً من القول، يا عظيم الزلل، لا ألومك على قولِك؛ لأنَّك اللعينُ الذي لعنك رسولُ الله (ص) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص... إليك عني يا عدوَ الله، فإنَّا أهلُ بيتِ رسول الله (ص)، والحقُّ فينا، وبالحقِّ تنطقُ ألسنتُنا، وقد سمعْتُ رسولَ الله (ص) يقول: ((الخلافةُ محرّمةٌ على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيْتُم معاويةَ على منبري فابقروا بطنَه))، فوالله لقد رآه أهلُ المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أُمِروا به!
- والله لا تفارقني أو تبايع ليزيدَ بن معاوية صاغراً، فإنَّكم آلُ أبي تراب قد ملئتم كلاماً، وأشربتم بغضَ آل بني سفيان، وحقٌّ عليكم أن تبغضوهم، وحقٌّ عليهم أن يبغضوكم.
- ويلك يا مروان، إليك عني فإنَّك رجسٌ، وإنّا أهل بيت الطهارة الذين أنزل اللهُ عز وجل فيهم على نبيه محمد (ص): ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً))(21)، أبشر يا ابنَ الزرقاء بكلّ ما تكره من الرسول (ص) يوم تقدم على ربِّك، فيسألُك جدي عن حقّي وحقِّ يزيد))(22).
هذا الحوارُ كَشَفَ عن درجةِ الرفض الحسيني، والتصميمِ على الثورةِ والتحدّي لدولةِ الطغيان مهما كلَّفه الثمنُ غالياً، وقف (ع) بين حياتِه المؤقتة، وحياةِ الإسلام الدائمة، فاختارَ حياةَ الإسلامِ على حياتِه؛ لأنَّه يعلمُ علماً يقيناً أنَّه إذا ما بايعَ يزيدَ فسوف يعطي الشرعيةَ لدولةِ بني أمية، وستصبح كلُّ بدعِهم وأضاليلِهم ديناً؛ لأنَّهم يحكمون باسم الإسلام، وقد كان كلامُ الحسين (ع) لمروان دقيقاً وواضحاً، حين قال: ((وعلى الإسلامِ السلامُ إذ قد بُلِيَتْ الأمةُ براعٍ مثل يزيد))، وهو خيرُ دلالةٍ على فظاعةِ الأمرِ، وخطورتِه على الإسلامِ.
وحين رأى الوليدُ تصميمَ الإمام الحسين (ع) على رفض البيعة، اتَّصلَ بالبلاطِ الأموي، وأحاطه علماً بموقفه (ع)، فكان ردُّ يزيد: ((أما بعد، فإذا وَرَدَ عليك كتابي هذا، فخُذ البيعة ثانياً على أهل المدينة بتوكيدٍ منك عليهم، وذَرْ عبد الله بن الزبير فإنه لن يفوتَنا، ولن ينجو منا أبداً ما دام حياً، وليكن مع جوابِك إليَّ رأسُ الحسينِ بن علي، فإن فعلْتَ ذلك فقد جعلْتُ لك أعنّةَ الخيل، ولك عندي الجائزةُ، والحظُ الأوفر، والنعمةُ واحدة، والسلام))(23).
إلا أنَّ الوليد لم يستجبْ لأمر يزيد، وقال: ((لا والله لا يراني اللهُ قاتلَ الحسين بن علي، وأنا [لا] أقتل ابن بنت رسول الله (ص)، ولو أعطاني يزيدُ الدنيا بحذافيرِها))(24).
وحين عَزَمَ الحسينُ (ع) على الخروج إلى مكة المكرمة ذهب إلى قبر جدِّه رسولِ الله (ص) ليودعه وداعَه الأخير؛ لأنَّه يعلمُ أنَّه لا يعود إليه ثانية، وليبثّ إليه شكواه، ويستمدّ من روحانيتِه العونَ على مواجهة المحنة الكبرى؛ ولذا وقف إلى جنب القبر الشريف مناجياً ربه: ((اللهم إنَّ هذا قبرُ نبيّك محمد، وأنا ابنُ بنت محمد، وقد حضرني من الأمر ما قد علمْتَ، اللهم وإنّي أحبُّ المعروفَ وأكره المنكرَ، وأنا أسألُك يا ذا الجلالِ والإكرامِ، بحقِّ هذا القبرِ ومن فيه ما اخترْتَ من أمري هذا ما هو لك رضى))(25).
ثم توجّه إلى قبر أمِّه الزكية الطاهرة، وأفاض على قبرها أشواقَه وأحزانَه، وودَّعها الوداعَ الأخير، وهكذا فعل مع قبرِ أخيه الزكي المجتبى (ع)، وبعد حوار مع أخيه محمّد بن الحنفية الذي نصحه بأن يبتعدَ عن الأمصار؛ لينجو من غدر بني أمية... استمع الإمامُ (ع) لنصائح أخيه بدقةٍ، ثم قال: ((يا أخي، والله لو لم يكنْ في الدنيا ملجأ، ولا مأوى لما بايعْتُ والله يزيدَ بن معاوية أبداً))(26).
ثم كتب وصيّته له جاء فيها: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية، أنَّ الحسين يشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنَّ الجنةَ والنارَ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور ، وأنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي (ص)، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي، وأبي علي بن أبي طالب (ع)، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني، وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاكمين...))(27).
وقد أوضح (ع) في هذه الوصية جميع أهداف ثورته بدقّةٍ متناهية، فمهما كتب الكتّاب، ونظّر المفكرون لثورة الحسين (ع)، وأخضعوها لقلم التحليل لن يستطيع المنصفون فضلاً عن المخالفين له أن يخرجوا عن هذه الأهداف المحدّدة في هذه الوصية المباركة، فهو يريد أن يعيد القيم الإسلامية إلى مواقعها من النفوس البشرية، ويُحَكّمها في المجتمع؛ ليقوده إلى ساحل النجاة...

الهوامش:
(11) محمد نعمة السماوي، موسوعة الثورة الحسينية: 4/19.
(12) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 2/788-790.
(13) جمل من أنساب الأشراف: 5/128.
(14) هود: 44.
(15) هذه النصوص منقولة من كتاب ((جمل من أنساب الأشراف)) للبلاذري: 5/128-130.
(16) تاريخ الطبري: 5/338.
(17) تاريخ الطبري: 5/339.
(18) تاريخ الطبري: 5/339.
(19) المصدر نفسه: 5/339-340.
(20) السيد ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف: 98.
(21) الأحزاب: 33.
(22) ابن أعثم الكوفي، كتاب الفتوح: 5/17.
(23) المصدر نفسه: 5/18.
(24) كتاب الفتوح: 5/18.
(25) المصدر نفسه: 5/19.
(26) المصدر نفسه: 5/21.
(27) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 44/329-330.

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الأول

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com