موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-1
 
الأحد - 7 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-1  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 15 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الحمد لله الذي رزقنا الولاء لأهل الحق، وجعلنا من محبيهم والباحثين عن سبيل معرفتهم والداعين إلى الإقتداء بهم, وسلوك سبيلهم, والصلاة الزاكية المتواصلة على سيد الأنام محمّد المصطفى الصادع بالحق، والدال إلى سبيل الرشاد, وعلى آله الهداة الطاهرين الذين أذْهَبَ الله عَنْهمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرَهمْ تَطْهِيرا.
من أساسيات حياتنا الفكرية والعملية أننا يجب أن ندرس أئمتنا دراسة موضوعية نستطيع بها أن نعالج مشاكل حياتنا على ضوء الكتاب الكريم، والسنة المطهرة فهم (ع) يمثلون الكتاب والسنة بصورة عملية تجسد الإسلام واقعاً محسوساً، فقولهم وفعلهم، وتقريرهم هو سنة رسول الله (ص) رووها عنه بطريق سليم لا يقبل الخطأ - إذا صح النقل عنهم- ولذا كانوا (ع) يقولون عند الحديث: (حدثني أبي عن جدي... عن رسول الله (ع) ) أو كما جاء عن الإمام الرضا (ع) حين تحدث في نيشابور قائلاً: (سمعت أبي موسى بن جعفر (ع) يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد (ع) يقول: سمعت أبي محمد بن علي (ع) يقول: سمعت أبي علي بن الحسين (ع) يقول: سمعت أبي الحسين بن علي (ع) يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: سمعت جبرائيل (ع) يقول: سمعت الله عز وجلّ يقول: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن عذابي)
إذن حياة أهل البيت (ع) توقفنا على حقيقة الإسلام لفظاً ومعنىً بدقة متناهية, ومن هنا قال رسول الله (ص): (يا أيها الناس: أنزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من البدن، وبمنزلة العينين من الرأس، إنما مثلهم فيكم مثل سفينة نوح (ع) ، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك)
وفي رواية أخرى: (اجعلوا أهل بيتي فيكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فإن الجسد لا يهتدي إلا بالرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين، أدخلوا حيث دخلوا وأخرجوا من حيث خرجوا، ولا تعلموهم فهم أعلم منكم)
وهذا أدق تعبير عن أهمية الارتباط بهم, والتلقي عنهم؛ لفهم الإسلام من خلالهم، فهم يمثلون الإسلام قلباً وقالباً، لفظا ومفهوماًً بكل أبعاده، بل هم الإسلام والإسلام هم يدورون معهم حيثما داروا ، فالرسالة تتمثل بشخصياتهم، وتتحرك بها، فهم الأسوة والقدوة والمنار الذي نستلهم منه كيفية التحرك ؛ لخدمة الإسلام العظيم، أو نحرك المجتمع به.
ولعل هذا هو السر الذي جعل الرسول (ص) يمثلهم بسفينة نوح (ع) لأنها هي المُنجي الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يلتحق به, ليسلم من الهلاك فإذن لابد أن نسير معهم حيث ما ساروا، ونضع أقدامنا حيثما وضعوا أقدامهم، فهم السفن الجارية في اللجج الغامرة فلا نتقدم عليهم فنمرق من دين الله سبحانه وتعالى، ولا نتأخر عنهم فنزهق, بل ينبغي أن نلتزم بهم لنلتحق بركب الأنبياء والمرسلين والشهداء والصديقين .
ولأجل أن نفهمهم الفهم الصحيح لابد أن نستعرض التصورات المألوفة عندنا، وأساليب الحديث عنهم ؛ لنرى أيها أسلم وأصح لكي نعرف الأسلوب الأمثل للركوب في سفينتهم.
هناك ثلاثة أساليب أو ثلاث تصورات، وهي:
أولاً: التصور الإعجازي:
يبتني هذا المنهج على أساس إثبات أفضلية أهل البيت (ع) على غيرهم بكثرة معجزاتهم وكرامتهم، وما أحدث الله عز وجلّ على أيديهم من خوارق العادات... ولا إشكال في ذلك. فإن كرامتهم وفضائلهم أكثر من أن تُحْصى أو تُعَد، ولا ينكرها إلا من أعمى الله عز وجلّ بصيرته. وقد نطق بها القرآن الكريم والسنة الشريفة, ولا ضير في كل ذلك، ولكن الضير أن يكون ذكر الكرامات غاية بذاتها ؛ لأن الكرامات والمعجزات إنما أظهرها الله على أيديهم لإثبات حقائق الرسالة الأساسية، كالتوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد، وغيرها . أما أن تكون قصصا وأحاديثَ نتغنى بها لذاتها، فهذا مما لا يرضاه أئمة الهدى (ع) أنفسهم، فهم هداة ودعاة إلى الله سبحانه وتعالى، قضوا كل مراحل حياتهم في تبيان رسالة الله تعالى للناس وإرجاعهم إليها.
ولأجل ذلك كانوا يردعون بشدة من يسرف بمدحهم، ويستعيذون بالله منه, ويتصاغرون أمام جلال الله, ولنقرأ ضراعة أمير المؤمنين علي (ع) حين مدحه رجل فقال : (اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون)
وليس هذا وحسب، بل كانوا يربون أصحابهم على ذلك كما جاء في وصف الإمام علي بن أبي طالب (ع) للمتقين : (إذا زُكي أحدهم خاف مما يقال لـه، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربّي أعلم بي من نفسي. اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون)
ومن سلبيات هذا الأسلوب أنه يجعل أهل البيت (ع) نماذج خيالية لا يمكن الاهتداء بهداهم والاقتداء بهم. والإسلام من مختصاتهم، ونحن معذورون عن التزام ما التزموا به، (وقد شارك هذا الاتجاه في تركيز العلاقة بين الأنبياء (ع) وإتباعهم على أساس شخصي، مما جعل التقديس الروحي يتجه إلى الأشخاص، أكثر مما يتجه إلى الرسالة فنراهم يمارسون كثيراً من الطقوس التي تمثل إخلاصاً للنبي (ص) في الاحتفال بذكره وزيارة قبره، بينما لا تجد مثل هذا الاهتمام في ممارستهم لواجبات الرسالة وطقوسها، والتزامها، وقد تطور هذا الوضع في نشوء نوع من أنواع المدح النبوي الذي يتغزل فيه المادح بحسن النبي وجماله، ويقف ليبث فيه وجده ولوعته، وشوقه تماماً كما يتغزل أيّ حبيب بحبيبه فلا تشعر في الرسالة في هذا الجو، إلا من خلال الجانب الذاتي الذي يثيره الغزل)
وبنظرة سريعة في سيرة أهل البيت (ع) نجد أنهم يعلموننا كيف نرتبط بهم، ونستفيد ذلك من خلال الزيارات الواردة عنهم لهم، كما سنبيّن ذلك في النقطة الثالثة من هذا البحث.
ثانياً: التصور المأساوي:
ويبتني ذلك على أساس أن أهل البيت (ع) أناس ظلموا، وأبعدوا عن مقامهم الذي نصبهم الله سبحانه وتعالى به، وحوربوا وقتلوا، وعلينا نحن أن نبكي عليهم فإن البكاء عليهم غاية محبوبة لهم تستمطر الرحمة ؛ ولذا راح البعض يُنشأ من خياله قصصاً أو أساطيرَ تثير الأشجان وتستدر الدمع، ونتيجة هذا نشأ تصور عن أهل البيت (ع) أنهم أناس سلبيون عن واقع الحياة وسياسة المجتمع، وإدارة الحكومة.
يقول السيد الشهيد محمّد باقر الصدر: (وهنا نجد تصوراً شائعاً لدى كثيرين من الناس، الذين احتاجوا أن يقيموا الأئمة بوصفهم أناس مظلومون فقد أقصوا عن مركز القيادة ، وذاقوا بسبب ذلك ألوان الاضطهاد والحرمان. فهؤلاء الناس يعتقدون، إن دور الأئمة في حياتهم كان دوراً سلبياً على الأغلب نتيجة لإقصائهم عن مجال الحكم، فحالهم حال من يملك داراً فتغصب منه، وينحصر عمله في إمكان استرجاعها, وهذا التفكير بالرغم من أنه خاطئ فإنه يعتبر خطأ من الناحية العملية، وأنه يحبب إلى الإنسان السلبية والانكماش، والابتعاد عن مشاكل الأمة ومجالات قيادتها ؛ ولهذا اعتقد ضرورة أن نثبت خطأ ذلك التفكير، وندرس حياة الأئمة على أساس نظرة كلية؛ لتبين إيجابيتهم الرسالية على طول الخط، ودورهم المشترك الفعّال في حفظ الرسالة وحمايتها)

يتبع....
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com