موقع الصراط ... الموضوع : في أصول الأمثال العامية
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في أصول الأمثال العامية  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 15 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم: محمود كريم الموسوي
نكاد لا نجد حديثاً لكاتب، أو شاعر، أوسياسي، أوفنّان، إلا واستحضر المثل في حديثه، ليسند رأياّ، أو يوضّح موقفاّ.
وعرّف العرب المثل، منذ زمن بعيد، و دار على ألسنتهم، حتى قال عنه حنا فاخوري بكتابه (تاريخ الأدب العربي ) : (المثل من أقدم الأبواب ألأدبية عهداً ومن أكثرها شيوعاً) كما قال عنه جرجي زيدان بإصداره (تاريخ آداب اللغة العربية) (الأمثال من آداب العرب المهمة لأنها تجري على ألسنتهم مجرى الشعر)
والله سبحانه وتعالى، ضرب لنا ألأمثال بكتابه العزيز، لأهميتها في حياة الناس عموماً، حيث لاتخلو أمة من ألأمثال المتوارثة، وفي حياة العرب على وجه الخصوص، فقال تعالى: (وَيَضرِبُ الله ألأمثالَ للناسِ لَعلّهُم يَتَذَكّرونَ َ) إبراهيم/25
وقال عزّ وجل (وتِلك الأمثالُ نَضرِبُها للناسِ وَما يَعقِلُها الاّ العالمون َ) العنكبوت /43 كما أشار سبحانه وتعالى، إلى قدرة الإنسان في ضرب المثل بقوله الكريم :(وَضَرَبَ لنا مَثَلاّ وَنَسِيَ خَلقَهُ قالَ مَن يُحيِ العِظامَ وَهيَ رَميمٌ ) يس/78.
وخضعت الأمثال لتعريفات كثيرة، اختلفت بالنصوص، وتقاربت بالمضامين، وتطابقت بالرؤى، فيقول ابن المقفع (ت142 هج) : (إذا جعل الكلام مثلاً، كان انقّ للسمع، وأوسع لشعوب الحديث)
وابن السكيت ( ت224 هج) يقول : (المثل لفظه يخالف لفظ المضروب له، ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ)
والمبرد (ت285 هج ) يقول : ( المثل مأخوذ من المثال، وهو قول سائر، يشبه له حال الثاني بالأول)
وفيما يقول ابن عبد ربّه الأندلسي (ت328 هج ) : ( الأمثال هي وشي الكلام، وجوهر اللفظ، فهي أنقّ من الشعر، وأشرق من الخطابة، ولم يسر شيء مسيرها، ولا عمّ عمومها، حتى قيل أسير من مثل)
يقول الفارابي (ت350 هج) : ( المثل ما ترضاه العامة و الخاصة، في لفظه ومعناه، حتى ابتذلوه فيما بينهم، وفاهوا به، في السرّاء و الضرّاء)
أمّا المرزوقي (ت421 هج) فيقول : ( المثل جملة في القول، مقتضبة من أصلها أومرسلة بذاتها، تتسم بالقبول، وتشتهر بالتداول)
وهناك من يرى أن الأمثال هي خلاصة تجارب الأمة، وصورة صادقة لضميرها، ومصدر من مصادر تراثها، ومجمع لعاداتها وتقاليدها، ومقياس لنضجها و تطورها، ومرجع لمعرفة واقعها الاجتماعي، ومستواها الثقافي .
وافتخر العرب بأمثالهم، واهتموا بتدوينها بمدونات، منها ما فقد، ومنها ما وصل إلينا، وإذا كان ابن النديم قد ذكر في فهرسته أن ( صحار بن عياش ألعبدي) (ت60 هج) له دور في تنشيط حركة تدوين الأمثال، الذي تشير المصادر إلى أوائل بداياتها في العصر الأموي، فان كتاب ( أمثال العرب) للمفضل الضبي (ت170هج) يُعد أول مُؤلّف في الأمثال، يطبع في القسطنطينية عام (1300هج)، وفي القاهرة عام (1327هج)، ومازالت مخطوطات في الأمثال لم تحقق إلى الآن.
الدكتور ممدوح حقي، ردّ المثل الفصيح إلى خمسة أصول، أولها المثل الناشئ من حادث، مثل (عاد بخفي حنين )، وثانيها المثل الناشئ من تشبيه، مثل (أبصر من زرقاء أليمامه)، وثالثها المثل الناشئ من قصة، مثل (عصا موسى)، ورابعها المثل الناشئ من حكمة ، مثل (لاجديد تحت الشمس )، وأخيرها المثل الناشئ من شعر مثل (انّ غداً لناظره قريب )، الناشئ من قول قراد بن اجدع للنعمان بن المنذر :
وإن يك صدر هذا اليوم ولّى * فإنّ غداً لناظره قريب
أمّا الأمثال العاميّة، التي ظهرت عند ظهور اللهجات العاميّة، المتوالدة من اللغة المولدة، وهي اللغة العربية التي دخلت فيها مفردات أعجمية، بعد الفتوحات الإسلامية فإن بعض أصولها يشترك مع أصول الأمثال الفصيحة، وبعضها يفترق عنها، ويمكن حصرها بالآتي :
أولاً: المثل الناشئ من آياتٍ في كتاب الله العزيز، مثل (أخوة يوسف) ناشئ من قصة يوسف عليه السلام، و( شكّة إبليس ) ناشئ من عدم طاعة إبليس لأوامر الله في السجود لآدم عليه السلام.
ثانياً: المثل الناشئ من السنّة النبوية، مثل (أضعف الإيمان) ناشئ من حديث نبوي في أساليب تغيير المنكر، و( الرعية بالسّوية ) ناشئ من حديث شريف في أنّ المسلمين كأسنان المشط.
ثالثاً: المثل الناشئ من قصة أو حكاية، مثل ( قيّم الرگاع من ديرة عفچ) ناشئ من قصة الاسكافي الذي طلب الرزق في عفك فعاد مديوناً لتقديره الخاطئ.
رابعاً: المثل الناشئ من حادث، مثل (اليدري يدري، والما دره كضبة عدس) ناشئ من حادث رؤية فلاّح زوجته مع عشيق لها، ومطاردته عندما تمكّن من الهرب.
خامساّ :المثل الناشئ من حكمة، مثل (اكعد بالشمس لمّن يجيك الفي ) ناشئ من حكمة في التعامل مع الحياة.
سادساً:المثل الناشئ من التشبيه بالأشياء، مثل ( منشار، صاعد ماكل، نازل ماكل )
سابعاّ : المثل الناشئ من التشبيه بالنبات، مثل ( النسوان عرك ثيّل)
ثامنا : المثل الناشئ من التشبيه بالحيوان، وصفاته، وطباعه، كثرت الأمثال في هذا المجال حتى أخذت مساحة واسعة، من ساحة الأمثال العاميّة، مثل (انطارت العكروك) و(ذيب أمعط) و(مثل البزّون بسبع أرواح)
تاسعاّ :المثل الناشئ من بديهية، مثل (مو كل مدعبل جوز ) و (الياكل بضرسه ينفع نفسه)
عاشراّ:المثل الناشئ من شعر، مثل ( لاتطلب الحاجات إلا من اهلهه )، ناشئ من البيت الشعري :
خل نفسك بعز دوم بالك تذلهه * لا تطلب الحاجات إلا من أهلهه
حادي عشر : المثل الناشئ من مثل فصيح، مثل ( أضربج بابنتي، وسمّعج ياجنتي ) ناشئ من المثل الفصيح ( ايّاك أعني واسمعي ياجاره)
وإذا وردنا المثل الفصيح، من ينابيع صافية، وأحداث مؤرخة بشخوصها في مدوّنات حافظت على نصه، وصياغته، وبلاغته، عبر تاريخ طويل، فانّ الأمثال العاميّة، لمجهولية شخوصها، وضياع أحداثها، وفقدان تاريخها، لاعتمادها النقل الشفاهي، وتأخر الاهتمام بتدوينها، دخلت عليها تشويهات أفسدت مكانتها التراثية لكثرة ما ورد فيها من أمثال تحوي كلمات فاحشة تخدش الحياء، حتى صار قول المثل (الأمثال تضرب ولا تقاس) سياقاّ يسبق قول المثل الذي فيه كلمات فاحشة، أو تشبيهات تسيء للمتلقّي، لكي يضمن القائل هدوء المتلقي، وعدم انفعاله.
كما حوت الأمثال العاميّة، على أمثال ذات مفاهيم سلبية، لاتنسجم والأخلاق والقيم العربية، ومنها المثل ( إذا جاك الطوفان خلّي وليدك جوّه رجليك )، مثل يشيع الأنانية وحب الذات، و ( الايد الما تكدر تلاويهه بوسهه) مثل يشيع الذّلة والخنوع. وإذا كانت الأمثال العاميّة قد جمعت في مؤلفات معدودة، فإننا مازلنا نفتقر إلى دراسات تعيد الأمثال العامية إلى منابعها، وتؤرخ حضورها، وتشذّبها من الأدران التي علقت بها . المصدر: جريدة المنتدى، العدد: 184
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com