موقع الصراط ... الموضوع : سنة الله في إهلاك الأمم-2
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  سنة الله في إهلاك الأمم-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 16 / شعبان / 1433 هـ
     
  التأمل في سير حركة التأريخ:
((ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين))
إنَّ التأمل الجدي الواعي في تاريخ الأمم والشعوب والحضارات يوقف الإنسان على فهم سير حركة التاريخ البشري؛ ولذا حثَّ الإسلام كتاباً وسنةً على التدبر والتأمل فيها، وقد وردت كثير من الآيات والروايات تتحدث عن قيام تلك الحضارات ثم سقوطها, وفي ذلك من الفوائد العظيمة الجليلة التي تساعد الإنسان في فهم سنن الله في خلقه، ولهذا يقول أمير المؤمنين (ع) في وصيته لولده الحسن (ع): (أي بني, إنِّي وإن لم أكن عُمِّرْتُ عمرَ من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم, وفكرت في أخبارهم, وسرت في آثارهم, حتى عُدْتُ كأحدهم، بل كأنِّي بما انتهى إليَّ من أمورهم قد عُمِّرْتُ مع أولهم إلى آخرهم, فعرفت صفوَ ذلك من كدرِه, ونفعَهُ من ضررِهِ)
وهذه كلمات تصور الوعي التاريخي العميق للإمام أمير المؤمنين (ع)، وبيان كيفية فهم التأريخ كسنن لا كقصص تمر على الذهن مرور الكرام، فلا يحدث شيء إلا وفق سنن إلهية كسنة الازدهار والتقدم, وسنة الخراب والإهلاك كما بين (ع) الطريق إلى هذا الوعي، وهي:
1- التفكير في أعمالهم الصالحة والطالحة, وما أدت إليه تلك الأعمال (فقد نظرت في أعمالهم)، ماذا كانت أهدافها؟ وما هي نتائجها؟ يقول أمير المؤمنين (ع): (واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المَثُلات بسوء الأفعال, وذميم الأعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم، فإذا تفكرتم في تفاوت حالَيْهم، فألزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم, وزاحت الأعداء له عنهم, ومُدَّتِ العافية به عليهم, وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة, واللزوم للألفة, والتحاضِّ عليها، والتواصي بها, واجتنبوا كل أمر كسر فِقْرَتَهُمْ, وأوهن مُنَّتَهُمْ من تضاغن القلوب, وتشاحن الصدور, وتدابر النفوس, وتخاذل الأيدي، وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء...)
2- التدبر في أخبارهم؛ لما فيها من دروس وعبر ومواعظ, يقول أمير المؤمنين (ع): (أحي قلبك بالموعظة... واعرض عليه أخبار الماضين, وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين, وسر في ديارهم وآثارهم, فانظر فيما فعلوا, وعمَّا انتقلوا, وأين حلوا ونزلوا؟ فإنَّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة, وحلوا ديار الغربة, وكأنَّك عن قليل قد صرت كأحدهم، فأصلح مثواك, ولا تبع آخرتك بدنياك)
3- السير في الآثار التي تركوها, والتأمل فيها؛ لمعرفة عوامل ازدهارها وعوامل انحطاطها يقول أمير المؤمنين (ع): (أَوَلَيْسَ لكم في آثار الأولين مزدجرٌ, وفي آبائكم الماضين تبصرةٌ ومعتبرٌ,إن كنتم تعقلون)
وفي هلاك الأمم وفق النظرية القرآنية هناك مسلمتان أساسيتان:
الأولى: إنَّ الله سبحانه وتعالى لم يهلك أمة إلا بعد الإنذار والتبليغ بإرسال الرسل والمصلحين في أوساطهم, يقول تعالى: ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً * وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً))
((ذلك أن لك يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون))
((وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً))
الثانية: إنَّ الله لا يهلك الأمم إذا غلب على أهلها حركة الإصلاح والتغيير بنحو الأحسن، والقرآن صريح بذلك: ((وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون))
هاتان مسلمتان قرآنيتان: إنَّ الله يبعث في البشرية رسلاً, وأنبياء, ومبشرين, مصلحين، وهداة إليه؛ ليثبتوا الحجة على الناس, فإذا تمردوا على أوامر الله, وعصوا الرسل نزلت عقوبة الله بهم. هكذا تسقط الدول، وتباد الحضارات...
وإذا استقرأنا الآيات الكريمة بدقة نجد أنَّها أشارت إلى سبب الهلاك والإبادة وفق الأسباب الطبيعية التي تحدث نتيجة أعمال الناس أنفسهم خلافاً لشرعة الله سبحانه وتعالى، فإنَّ الأصل في الكون الصلاح، وإنَّ الأصل في الإنسان السلامة الفطرية، إلا أنَّ المخالفة لسنن الله بالأعمال السيئة هي التي تفسد الفرد والمجتمع.
إذن ظهور المفاسد الاجتماعية بصورة عامة، وفي كل مكان، جاءت نتيجة عمل الناس غير الصالح, ونتيجة تلك الأعمال هي إنزال العقوبات بحقهم لسوء تصرفهم وانحرافهم عن جادة الصواب... وما نزل بهم هو امتحان لهم لعلَّهم يرجعون إلى فطرتهم وإلى رشدهم، يقول تعالى: ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون))
((ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون))
((وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون))
((ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون))
وأما أهم الأعمال التي تؤدي إلى هلاك الأمم فيمكن أن نشير إليها بالنقاط التالية، ونستشهد على ذلك بما نصَّ القرآن عليه:
1- الظلم بكل أنواعه سواء كان ظلم الناس بعضهم لبعض, أو ظلم الحكام للمحكومين، أو ظلم دولة لدولة كل ذلك خلافاً لسنة الله سبحانه وتعالى، فالعدل هو الأصل في الخليقة, والظلم هو انحراف عن الجادة الشرعية, فما أهلك الله أمةً, ولا شعباً, ولا أسقط دولةً, أو حَطَّمَ حضارةً قائمةً إلا بسبب ظلمِ أهلِها يقول سبحانه وتعالى:
((ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا))
((وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً))
((وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون))
((وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون * فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين))
إذن سبب الدمار والانهيار للدول والشعوب هو الظلم بكل أشكاله سواء كان ظلماً فكرياً وعقائدياً كالشرك بالله, والكفر, والنفاق, أو اقتصادياً كانتشار الربا, والاحتكار, وبخس الميزان، والسرقة, والرشوة, أو الظلم الأخلاقي كانتشار الزنا, واللواط, وشرب الخمور, وانتشار الفواحش... وهذا عامل مهم في التحلل الخلقي الذي له الدور المهم في الانحطاط، وبالتالي السقوط والدمار... ومن هنا علينا أن نعي جيداً أنَّ حبل الظلم قصير, وأنَّه لا بقاء لظالم فرداً أو مجتمعاً, أو دولة مهما بلغت من القوة والجبروت.
2- الإسراف: ومعناه تجاوز الحد في كل عمل يعمله الإنسان... واشتهر ذلك في الإنفاق: ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا))، ولكنَّ الإسراف لا يتوقف عند الإنفاق بلا حدود معقولة, إنَّما يعم جميع الأمور، فلكلِّ أمرٍ في حياة الإنسان حدودٌ، فإذا خرج عن الحد الطبيعي المرسوم له فقد أسرف.
والمسرف هو المتجاوز الخارج عن طريق الصواب ((إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)) ومثال ذلك الحذر والحيطة من العدو بالتسلح، وإعداد العدة والعدد، فإذا تجاوز ذلك الحد تحول إلى قوة تدميرية لأهلها ولغيرهم, وصارت وسيلة للاعتداء والاستكبار كما نشهد اليوم في الدول الاستعمارية التي اتخذت من التسليح وسيلة للسيطرة, وحولت العالم إلى برميل من البارود لا ندري متى يُفجر فيبيدها, ويدمر الشعوب الأخرى.
مثال هذا الإسراف: إنَّ العالم صرف على التسلح في النصف الأول من القرن العشرين 4,000,000,000 دولار ، وكان بالإمكان أن تصرف هذه الأموال لإطعام كل الناس على وجه الأرض لمدة خمسين سنة، وعلى كل حال إنَّ الإسراف أو التطرف في أي مجال من مجالات الحياة الإنسانية يمثل نقطة البداية لتخريب الديار وإهلاك الأمم ((ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب))
3- البطر: وهو قلة احتمال النعمة, وشدة الفرح, والطغيان, والنشاط مع الثقة بدوام النعمة اغتراراً بها, وتلك الحالة يدهش فيها العقل؛ لكثرة النعمة، فلا يؤدي حقها, وتنتهي به إلى فقدان توازنه, واستقامته, قال الراغب الأصفهاني: (البطر دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة, وقلة القيام بحقها, وصرفها إلى غير وجهها, قال عز وجلّ: ((بطراً ورئاء الناس))، وقال: ((بطرت معيشتها)) أصله بطرت معيشتُه، فصُرِفَ عنه الفعل ونُصِبَ, ويقارب البطر الطرب: وهو خفة أكثر ما يعتري من الفرح)
وهو أحد أسباب الهلاك؛ ولذا قال تعالى: ((وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين))
4- الفسوق: وهو الخروج عن حدود الشرع المقدس, وهو أعم من الكفر, ويقع بالكبير والصغير من الذنوب, وهذا أحد عوامل التدمير الاجتماعي والحضاري حيث يؤدي إلى الانحلال الأخلاقي، والفكري، والسياسي، يقول الله تعالى: ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها تدميراً))
والهداية والفسوق نقيضان لا يجتمعان: ((والله لا يهدي القوم الفاسقين))، ((وأما الذين فسقوا فمأواهم النار))
5- التكذيب بآيات الله تعالى: من خلال استقراء تأريخ الأنبياء (ع) في مواجهة الظالمين نرى أنَّهم واجهوا حالة التكذيب لهم من قبل الناس بمرارة, والتكذيب لآيات الله تعالى ورسله من أبشع أنواع الكفر, وهو يؤدي إلى الهلاك والدمار للأمم والشعوب، يقول الله تعالى: ((كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين))
(والآية تقرر سنة الله هذه، فإذا قدر الله لقرية أنَّها هالكة؛ لأنَّها أخذت بأسباب الهلاك، فكثر فيها المترفون, فلم تدافعهم, ولم تضرب على أيديهم, سلط الله هؤلاء المترفين، ففسقوا فيها، فعم فيها الفسق، فتحللت، وترهلت, فحقت عليها سنة الله, وأصابها الدمار والهلاك, وهي المسؤولة عما يحل بها؛ لأنَّها لم تضرب على أيدي المترفين, ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين)
6- الذنوب: وهو معنى جامع لجميع المعاصي, (ويستعمل في كل فعل يُسْتَوْخَمُ عُقَبَاه اعتباراً بذَنْب الشيء؛ ولهذا يسمى الذنْب تَبِعَةً, اعتباراً لما يحصل من عاقبته, وجمع الذنب ذنوب، قال تعالى: ((فأخذهم الله بذنوبهم)) وقال: ((فكلاً أخذنا بذنبه)) ), فهو يترك آثاراً سيئة على الفرد والمجتمع تدمر ما فيه، يقول تعالى: ((ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين))
((كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب))
((كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين)) كل هذه الآيات، وغيرها تقرر سنة من سنن الله، وهي أنَّ الأمم حين تتمادى في ذنوبها، وتمردها، وعصيانها، فقد عرضت نفسها للهلاك والفناء.
مثال حي من واقع الحياة:
((أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال))
مثال حي من واقع الحياة, ضربه الله؛ ليقرب لنا حقيقة الحق وثباته، وزيف ظهور الباطل وزواله، ففي المثال مفردات: ماء, أودية, سيل, زبد, حلية, متاع، نار، ولكل مفردة من هذه المفردات المادية دلالة تمثيلية في عالم المعنويات. والمشهد مشهد حي محسوس، تنظر، فترى الماء ينزل من السماء صافياً نقياً لا شائبة فيه, ثم يسيل على الأرض منحدراً من القمة إلى قاع الوادي, ويمتلئ الوادي بالسيول حاملاً معه ما اختلط به من أوضار الأرض ووعثائها, ومن العجيب أنَّ هذه الأوضار تطفو على سطح الماء, وقد تغطيه حتى يخيل للناظر أنَّها هي الموجود المسيطر دون سواها، أمَّا الماء فقد اختفى تحت طغيانها, ولكنَّ هذا التصور لا يدوم طويلاً فما أن تهدأ الأوضاع قليلاً, وإذا الأعراض الطاغية قد تبخرت، وزالت من الوجود, ولم يعد لها عين ولا أثر, وأما الجواهر الأصيلة فتبقى هي وحدها مصدر عطاء، وخير، ونفع للناس، ذلك هو مثل الحق والباطل... ففي كثير من حقب التأريخ رأينا طغيان دعوات الباطل، وعلوها، واستكبارها، وسيطرتها على الساحة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حتى قال أصحاب الأنظار القاصرة إنَّهم هم وحدهم في الساحة ولا وجود لغيرهم، فما هي إلا لحظات، وإذا بهم قد أصبحوا في خبر كان وإذا بدعاة الحق يظهرون من جديد، فيجددون تيار الحق؛ لتنطلق دعوة السماء صافية نقية.
ونعود للمثل، فنجد أنَّ مثال الماء هو الحق المتمثل بتعاليم، وعقائد، وأحكام السماء النازلة من رب العزة, ومثال الأودية هي القلوب, والسيول هي مختلف الدعوات, والزبد هو الباطل، والنار هي المحن والصراعات والفتن التي تواجه الإنسان.
ويمكن أن نستنبط من الآية الكريمة المفاهيم التي تنفعنا في حياتنا العلمية في معرفة مستويات القلوب، وسعة أحجامها :
1- إنَّ الماء وهو الوجود النازل من السماء يمثل رحمة الله تعالى لخلقه جميعاً, وهو ينزل صافياً نقياً طاهراً من الأقذار إلا أنَّه عندما يسيل في الوادي يأخذ صورته، وتختلط معه عناصر أخرى من الأرض غريبة عنه.
كذلك رسالة السماء نزلت صافية نقية من كل شائبة إلى القلوب، ولما كانت أغلب القلوب غير نقية من الأهواء، والشهوات، والأفكار المنحرفة، فقد اختلط بها من الرواسب النفسية كثير من الأوهام, والأساطير, والأفكار مما لا يمت إليها بصلة, والعجب أنَّ هذه الشوائب في كثير من الأحيان تغطي على روح الرسالة إلا أنَّ الله حفظ رسالته من التحريف والطغيان بما ضمن من سلامة ذاتية, وبما عين لها من أوصياء أصفياء بعد رسوله؛ ولذا نرى سرعان ما تزول تلك الأوهام، وتبقى رسالة الله سليمة نقية؛ ولذلك رغم الجهود الجبارة التي بذلت؛ لتغيير جوهر الرسالة إلا أنَّها حافظت على أصالتها وبقائها، ولم تؤثر فيها يد التحريف, وان عرقلت مسيرتها.
2- إنَّ كل وادي يحمل من هذه السيول بمقدار حجمه، فلا يتسع أكثر من ظرفيته، فكلما كان واسعاً حمل أكثر، وكلما ضاق حمل أقل.
كذلك قلوب بني آدم مختلفة من حيث السعة والضيق, ومن حيث الطهارة والتلوث، فكلما كانت منفتحة منشرحة حملت من أنوار الله أكثر، وكلما كانت زكية طاهرة حافظت على أصالة الرسالة، وَوَعَتْها حتى صارت القوة المحركة لها، والموجهة لمسيرتها في تفكيرها وسلوكها.
وخلاصة القول كل يحمل بمقدار سعة ظرفه، وسلامة صدره.
3- وكما يحمل الماء زبداً وغثاء فوقه ويغطيه، وما يحمل من فلزات: كالحديد، والذهب، والفضة، والرصاص، والنحاس، وغيرها، عندما توقد النار عليها تذيبها، فيخرج منها كل عنصر غريب على شكل زبد, ويربو عليها منتفخاً إلا أنَّه لا يدوم طويلاً, وإنَّما يزول، ويبقى العنصر الأصيل والجوهر النافع, وهكذا تطهر نار المحن قلوب المؤمنين من دخائل الشيطان.
4- إنَّ القرآن الكريم يريد أن يقول لنا في هذا المثال: لا يغركم علو الباطل وطغيانه, ولا تبهركم زخارفه ولمعانه, ولا يعجبكم كبر حجمه, ولا قوة صولاته، فإنَّه زائل، وإنَّ الحق مهما اختفى في وسط الناس, وقلَّ أنصاره فإنَّه باقٍ لا يزول، فهو الأصل في الوجود, والباطل عارض طارئ لا بقاء له؛ لأنَّ ما ترونه عوارض أحدثتها لوثات قلوبكم، وسوء أعمالكم، وابتعادكم عن شريعة الله ((لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد))
وأخيراً إذا كانت الوديان تضيق بالماء، ويطفح منها، فإنَّ القلوب الزكية كلما طهرت زادت سعة, وانفتاحاً في تلقّي النور الإلهي، وفي نشره للآخرين.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com