موقع الصراط ... الموضوع : مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع)-3
 
الثلاثاء - 6 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع)-3  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
في الطَّريقِ إلى مَكَّة:
عندما خرج الحسين (ع) من المدينة إلى مكة كان يتلو قوله تعالى: ((فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ))(28)، ثم سلك الطريق العام الذي يسلكه الناسُ بصورة طبيعية، فأشار بعض أصحابه أن يسلك طريقاً آخر؛ لئلا يدركه طلب الأمويين، فقال (ع): ((لا والله يا ابن عمي، لا فارقت هذا الطريق أبداً، أو أنظر إلى أبيات مكة، أو يقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى))(29).
وإنّما سلك الطريق العام؛ ليعلن للملأ سخطه على بني أمية؛ لانحرافهم عن نهج الإسلام، وخطرهم على مستقبله، و(كان يريد بخروجه على تلك الصورة الواضحة متنكّباً الطريق الأعظم الذي يمر منه آلاف الناس إشعار الأمة باستنكاره استلام يزيد مقاليد السلطة ورفضه المعلن لذلك)(30).
وكان في مسيره يُصَعِّد في نفوس المؤمنين روح الرفض والثورة، ويلهب في النفوس شعلة الحماس، فيردد هذه الأبيات(31): [من الطويل]
إذا المرء لم يحمِ بنيه وعرسه *** ونسوته كان اللئيم المسببا
وفي دون ما يبغي يزيد بنا غداً *** نخوض حياض الموت شرقاً ومغربا
ونضرب ضرباً كالحريق مقدماً*** إذا ما رآه ضيغم راح هاربا

مَعَ عَبْدِ اللهِ بن مُطيع:
وكان أوّل من استقبله في الطريق عبد الله بن مطيع العدوي، فراح يحذره من الذهاب إلى الكوفة قائلاً: ((إذا أتيت مكّة فاحذر أن يغرّك أهل الكوفة، فيها قُتل أبوك، وأخوك [طعنوه] بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم، فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فوالله لئن هلكت ليهلكنّ أهل البيت بهلاكك))(32).
وما أن وصل الحسين (ع) إلى مكّة حتى أخذ الناس يتوافدون إليه من مختلف الآفاق؛ لينهلوا من علمه وأخلاقه، فشهرته وفضائله أكبر من أن تخفيها دعايات بني أمية، فأخذ (ع) يثير في النفوس الرفض لبيعة يزيد، ويُصعّد الحماس الثوري؛ ولذلك ضاقت السلطة الأموية به ذرعاً، كما ضاق ابن الزبير من وجوده لعلمه بموقعه في نفوس الناس، وأنّه لا يُعدُّ شيئاً مع وجود الحسين (ع)، وحينئذٍ رفع حاكم مكة رسالة إلى يزيد يخبره بوصول الحسين (ع) إلى مكة في اليوم الثالث من شعبان سنة 60 للهجرة واختلاف الناس إليه، وتزاحمهم عليه، وإجماعهم على تعظيمه، وأعلمه بالخطر المحدق بدولتهم منه... ولذا اضطرب يزيد، وكتب إلى ابن عباس، وراح يمنّيه بالأمان والعطاء الواسع قائلاً:
((فالقِه - الحسين - ، فاردده عن السعي في الفرقة، ورد هذه الأمة عن الفتنة، فإن قبل منك وأناب إليك، فله عندي الأمان، والكرامة الواسعة، وأجري عليه ما كان أبي يجريه على أخيه، وإن طلب الزيادة فأضمن له ما أراك الله أنفذ ضمانك، وأقوم له بذلك، وله عليَّ الأيمان المغلَّظة، والمواثيق المؤكّدة بما تطمئن به نفسه، ويعتمد في كل الأمور عليه، عجّل بجواب كتابي، وبكلّ حاجة لك إليّ وقِبلي، والسلام))(33).
ولما لم تفلح جهود يزيد في إيقاف حركة الحسين (ع) دسَّ له مجموعة من المجرمين بقيادة عمرو بن سعيد الأشدق لاغتياله، كما سنوضح ذلك.
وكما واجه الحسين (ع) مكائد بني أمية واجه من جانب آخر تيّاراً ضاغطاً من المشفقين عليه، والخائفين على شخصه من الغدر الأموي، فراحوا يحذّرونه ويتوسّلون به؛ ليتراجع عن مسيرته إلى العراق، أو اللّجوء إلى بلد آخر يحمي فيه نفسه كمصر واليمن وغيرهما...
ونحن إذا تأملنا النصائح الموجّهة للحسين (ع) سواء كانت من المشفقين، أو من الخائفين المعادين نستطيع أن نجزم بعدم وعي أولئك لحركة الحسين (ع)، وهدفه الساعي من أجله؛ والأغرب في الأمر أن يصدر ذلك من أناس عاشوا مع الحسين (ع)، وعرفوا مكانته في زمن النبي (ص) كابن عباس، وأم سلمة، وعبد الله بن جعفر، وعمر الأطرف... وسمعوا ما صرّح به رسول الله (ص) من الأخبار مما سوف يحدث للحسين (ع) في مستقبل أيامه، وهم الذين رووا الأحاديث في شأنه!!

الهوامش:
(28) القصص: 21.
(29) كتاب الفتوح: 5/22.
(30) موسوعة الثورة الحسينية: 4/58 .
(31) حياة الإمام الحسين (ع): 2/306 .
(32) كتاب الفتوح: 5/23، وحياة الإمام الحسين (ع): 2/7 .
(33) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 238 .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الأول

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com