موقع الصراط ... الموضوع : الموقف من الحاكم الظالم-2
 
الخميس - 6 / جمادي الثاني / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الموقف من الحاكم الظالم-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 16 / شعبان / 1433 هـ
     
  كيف راجت نظرية الركون إلى الظالم؟
انبثقت في المجتمع الإسلامي نظريتان في الموقف من السلطان:
النظرية الأولى: تقول أن السلطان أو الخليفة إذا بويع وجبت طاعته حتى لو كان فاسقاً ومتمرداً على طاعة الله تعالى, ولا يجوز الخروج والثورة عليه؛ لأن الله قد نَصبه وفرضه بوعد منه... ونَظّروا لذلك بأحاديث وضعوها, والدليل على وضعها إنها تنافي روح الإسلام في رفض الظلم, ووجوب مقاومته, ومن تلك الأحاديث ما رواه البخاري عن ابن عباس عن النبي (ص) قال: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية)
ولهذا راح وعاظ السلاطين يصدرون الأحكام على ضوء ما روجوا له من مبررات ووضعوا لها من أحاديث على لسان النبي الأكرم قال الحافظ بن حجر العسقلاني: قال ابن بطال: (في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار, وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه, وإنَّ طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء, وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك...)
1 - وعلى هذه النظرية تترتب آثار خطيرة على الإسلام وعلى المسلمين أما على الإسلام فتحريف مفاهيمه حسب مشهيات الحاكم, وما يروم تحقيقه من أهداف ذاتية باسم الشرع الشريف منسوباً إلى رسول الله (ص), وهذا أعظم خطر تتعرض له رسالة الله حيث يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً .وأما على المسلمين فإن ذلك يوقعهم في الضلال وهم يحسبون أنهم على الهدى.
2 - إن الحاكم المتسلط الظالم سيجعل من نفسه مشرعاً باسم الدين, وبذلك يتسلط على الإسلام اسماً ورسماً فكل ما يقع منه يكون باسم الإسلام والإسلام منه براء ثم يجري ظلمه على رقاب الناس باسم الدين، وبذلك يخرج الناس من الدين بتقبيح صورته لهم, ولعل هذا أخطر ما تعرض له الإسلام, ولا زال يتعرض له.
3 - تحويل الإنسان إلى قِن مستعبد لا يملك من أمره شيئاً, وعلى هذه النظرية استعبد يزيد أهل المدينة بعد واقعة الحرة حيث أن مسلم بن عقبة بعدما احتل المدينة المنورة وأباحها ثلاثة أيام أنتهك فيها الأعراض, والأموال, والدماء حسب تخطيط معاوية, ووصيته ليزيد حيث قال له: (إنَّ لك من أهل المدينة يوماً, فإن فعلوا فارمِهم بمسلم بن عقبة، فإنَّه رجل قد عرفتُ نصيحته)
وبناء على ذلك فإن مسلم بن عقبة (دعا الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم, وأهليهم من [ما] شاء فمن امتنع من ذلك قتله)
يقول السيوطي: (وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة, وأخذ يتعنت على أهلها, ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله (ص), وختم في أعناقهم وأيديهم، يُذِلهم بذلك، كأنس, وجابر بن عبد الله, وسهل بن سعد الساعدي, فإنا لله وإنا إليه راجعون!)
النظرية الثانية: إنَّ الحاكم أمينٌ على مقدرات الأمة، ومسؤولٌ عن تطبيق أحكام الله تعالى عليها, يقول الإمام الحسين (ع): (ولعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، القائم بالقسط, الداين بدين بالحق, الحابس نفسه في ذات الله)
إذن الحكم أمانة ثقيلة ومسؤولية عظيمة, وعلى أساس هذا المبدأ سار رسول الله (ص) وأهل بيته (ع) وهذا المبدأ يعزز مبدأ متابعة أهل البيت وموالاتهم على كتاب الله وسنة رسوله, وتترتب على هذه النظرية النتائج التالية:
1 - حفظ كرامة الإنسان, وإنَّه حر مختار يجب أن يخضع للحق والشرع الإلهي وعليه أن يرفض الظلم والجور, ويثور على الظالمين, ويرفع عقيرته في وجوه الحكام إذا حادوا عن الطريق المستقيم يقول الإمام الحسين (ع):
(أيها الناس إنَّ رسول الله (ص) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرَم الله, ناكثاً لعهد الله, مخالفاً لسنة رسول الله (ص)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان, فلم يغير ما عليه بفعلٍ ولا قول كان حقاً على الله أن يُدْخله مُدخَله)
إذن هذه النظرية تعطي الأمة حق الثورة على الحاكم الجائر, بل توجبها عليه, فإن لم تثرِ عرضت نفسها للعقاب الإلهي الأليم؛ ولذلك رفض الأحرار الثائرون أن يهادنوا الظالمين ولو صبوا عليهم المال صبا.
روى أبو الفرج الأصفهاني، قال: (كان جعفر الأحمر، وصباح الزعفراني ممن يقوم بأمر عيسى بن زيد, فلما بذل المهدي لعيسى بن زيد من جهة يعقوب بن داود ما بذل له من المال والصلة نودي بذلك في الأمصار ليبلغ عيسى بن زيد فيأمن, فقال عيسى لجعفر الأحمر وصباح: قد بذل لي من المال ما بذل ووالله ما أردت حين أتيت الكوفة الخروج عليه, ولأن أبيتُ خائفاً ليلة واحدة أحب إليَّ من جميع ما بذل لي, ومن الدنيا بأسرها.
[وقال]: أخبرني عبد الله بن زيدان, قال: حدثني أبي، قال: حدثني سعيد بن عمر بن جنادة البجلي، قال: حج عيسى بن زيد, والحسن [بن صالح]، فسمعنا منادياً ينادي: ليبلغ الشاهد الغائب أنَّ عيسى بن زيد آمن في ظهوره وتواريه، فرأى عيسى بن زيد الحسن بن صالح قد ظهر فيه سرور بذلك, فقال: كأنك قد سررت بما سمعت؟ فقال: نعم، فقال له عيسى: والله لإخافتي إيّاهم ساعة أحب إليَّ من كذا وكذا)
2 - وهذه النظرية تعطي الأمة دورها الفعال في البناء الاجتماعي والسياسي والفكري فهي تبني الحياة الإنسانية على أساس الحرية في ظل طاعة الله تعالى. فللأمة دور في تحديد سلطة الحاكم من خلال المراقبة والمحاسبة للحاكم إذا حاد عن الطريق المستقيم, فالسلطة وفق هذه النظرية أداة لحفظ الأمة من الانحراف, والرسالة من التحريف, ووسيلة لتطبيق أحكام الله بإقامة العدل والقسط والدعوة إلى الله في جميع أنحاء الأرض.
3 – كما ثَبَّتَتْ هذه النظرية حق الثورة على الحاكم الظالم الذي اتخذ عباد الله خولاً, ومال الله دولاً, وعلى هذه النظرية كان المسلمون في صدر الإسلام... ولذا نراهم يقولون لعمر وهو الخليفة القوي: إذا حدت عن شرعة الله نقومك بسيوفنا، وثارت الأمة على عثمان وقتلته عندما بدأ خط الانحراف يدب في جسد الأمة نتيجة السياسة الغاشمة التي سلكها الولاة.
وعندما أدرك معاوية خطورة هذه النظرية على عرشه أخذ يعمل جاهداً؛ ليجعل من سياسته شرعية فاستأجر الكذابين والوضاعين. وبذل أموال المسلمين الطائلة لوضع الأحاديث على رسول الله (ص) منها: (إن الله ائتمن على وحيه جبريل, وأنا, ومعاوية, وكاد أنْ يُبعث معاوية نبياً من كثرة حِلمه وائتمانه على كلام رَبِّي, فغفر لمعاويةَ ذنوبه, ووفاه حسابه, وعلَّمه كتابه, وجعله هادياً مهدياً وهدى به)
وفي رواية أخرى وضعت على لسان ابن عباس عن رسول الله (ص): (الأُمَنَاء عند الله سبعة. قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال : القلم، واللَّوْح، وإسرافيل، وميكائيل، وجبريل، وأنا، ومعاوية بن أبي سفيان...) إلى آخر الرواية بما فيها من أعاجيب !!
وهكذا راجت آلاف من أمثال هذه الأحاديث التي ابتلت الأمة منها ببلاء عظيم لا تزال تعاني منه.
فالإمام الحسين (ع) كان يعيش هذا الواقع المرير بدقة, ويلاحظ كيف يدب الانحراف وسط الأمة بشكل منظم مدروس, وبذلك أدرك الخطر المحدق بالرسالة فأراد أن يكشف هذا الواقع, ويقلعه من جذوره, ويرجع الأمة إلى سنة رسول الله (ص)، وينسف كل ما بناه الظالمون طيلة خمسين عاماً... ولكن الثمن كان غالياً جداً... فنهض نهضته المباركة وقد استفرغ كل ما أتاه الله من قوة في القلب والبدن، وبذل كل غال ونفيس صارخاً بالأمة: (إلا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، واظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحق من غَيَّر... وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (ص) نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلكم فلكم فيَّ أُسوة)
وهكذا فجَّر سيد الشهداء بدمه الطاهر، وبدماء أولاده وإخوانه، وأصحابه روح الثورة في الأمة، وأبطل مفعول تيار الانحراف، وأرجع الأمة إلى مسار الرسالة الأصيل ولهذا ترتبت على ثورة الحسين (ع) آثار مهمة يمكن أن نوجزها بنقاط:
1 - ثَبَّتَتْ ثورة الحسين (ع) خطاً، وأسست منهجاً ثورياً، وأرست في الأمة سياسة تمثلت بالثورة على الحاكم الظالم، ووجوب قتاله... وإذا بويع الظالم تنقض بيعته؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل أكثر من هذا اعتبرت بعض النصوص الواردة عنهم (ع) أن طاعة السلطان الظالم خروج ومروق من الدين. عن الإمام الرضا (ع) قال: قال رسول الله (ع): (من أرضى سلطاناً بما أسخط الله خرج من دين الإسلام)
2 - إن الفاسق لا يبايع، وإذا بويع غفلة، أو خداعاً، ثم ظهر فسقه وانحرافه وأصبح خطراً يهدد الإسلام فيجب نقض بيعته وإسقاطه، بل قال بعض الفقهاء: يعزل قهراً، وإن لم تكن الأمة قادرة على عزله حيث تصبح حكومته غير شرعية.
3 - الأثر التربوي: وهو أن ثورة الحسين (ع) ربت الأمة على روح الرفض للظالم أينما كان، وفي أي زمان كان؛ ولهذا أصبح منهج أهل البيت منهج الرفض لكل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله؛ وبذلك جسدت الثورة منهجاً، ورسمت واقعاً، وكتبت تاريخاً.
4 - من آثار ثورة الحسين انفجار ثورات كثيرة على أثرها، بل كل الثورات التي حدثت بعد يوم الطف كانت امتداداً لتلك الثورة الجبارة كثورة التوابين، وثورة صاحب فخ، وثورة زيد بن علي... وإلى يومنا هذا ورحم الله الإمام الخميني الذي فجر أعظم ثورة في القرن العشرين والذي قال: (كل ما عندنا من عاشوراء)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com