موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب نوح (ع)-5
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب نوح (ع)-5  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 17 / شعبان / 1433 هـ
     
  حركة نوح (ع) في مواصلة الدعوة إلى الله:
نظرة تأمل فاحصة إلى قصة نوح (ع) - بعد تجريدها من الأساطير الإسرائيلية والقصص الوهمية التي ما أنزل الله بها من سلطان - في إيمانه برسالته، وإخلاصه في دعوته وتجرده لله دون سواه، ومواصلته في حركته في مدة مديدة عديمة النظير في عالم الدعوات، وصبره على إعراض قومه بصورة ما عاشها أحد غيره تنكشف لنا في حركة هذا الرسول العظيم عدة أمور:
1 – (تكشف عن صورة البشرية العتيدة الضالة، الذاهبة وراء القيادات المضللة المستكبرة عن الحق المعرضة عن دلائل الهدى وموجبات الإيمان المعروضة أمامها في الأنفس والآفاق، المرقومة في كتاب الكون المفتوح وكتاب النفس المكنون)
2 – (وهي في الوقت ذاته تكشف عن صورة من صور الرحمة الإلهية تتجلى في رعاية الله لهذا الكائن الإنساني وعنايته بأن يهتدي. تتجلى هذه العناية في إرسال الرسل تترى إلى هذه البشرية العنيدة الضالة الذاهية وراء القيادات المضللة المستكبرة عن الحق والهدى)
3 – ثم هي بعد هذا وذاك تعرض صورة من صور الجهد المضني والعناء المرهق والصبر الجميل والإصرار الكريم من جانب الأنبياء صلوات الله عليهم لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة العصية الجامحة وهم لا مصلحة لهم في القضية ولا أجر يتقاضونه من المهتدين على الهداية، ولا مكافئة ولا جعل يحصلونه على حصول الإيمان كالمكافأة أو النفقة التي تتقاضاها المدارس والجامعات والمعاهد والمعلمون في زماننا هذا وفي كل زمان في صورة نفقات التعليم)
خطوات دعوية:
ومن مواصلة نوح (ع) في دعوته إلى الله تعالى يتجلى لنا أسلوب الدعوة إلى الله في مجتمع طبع على قلبه ويتضمن هذا الأسلوب:
1 – اعتمد أسلوب الإنذار والتخويف من عذاب الله الأليم فقال: ((قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ)) والإنذار إخبار في تخويف وهو أسلوب اعتمده الأنبياء لجلاء القلوب القاسية وإرجاعها إلى الله تعالى. والإنذار شعبة من منهج المرسلين في الدعوة إلى الله تعالى.يتضمن التخويف والترهيب من عذاب الله تعالى ولهذا جاءت مشاهد القيامة في القرآن الكريم المرعبة يتزلزل منها قلوب العارفين...
إن كل رسل الله وأنبيائه (ع) مبشرين ومنذرين وقد تكرر ذكر ذلك في القرآن الكريم في آيات عدة يقول تعالى:
((فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)) (البقرة:213)
((وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)) (الأنعام:48)
وكان خاتم الرسل (ص) كذلك بشيراً ونذيراً: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)) (الأحزاب:45)
((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)) (سـبأ:28)
((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً)) (فاطر:24)
((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)) (الفتح:8)
والقرآن الكريم هو كتاب إنذار للبشرية من عذاب أليم يقول تعالى على لسان الرسول الأعظم (ص): ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)) (الأنعام:19)
((وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)) (الأنعام:92)
((كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) (الأعراف:2)
هنا لا بد أن نشير أن الأنبياء في حركتهم الدعوتية كانوا يوازنون بين التبشير والتحذير. أي بين الترغيب برحمة الله وثوابه العظيم، وبين الإنذار من عذاب الله وتلك عملية تربوية؛ لبناء النفس وتهذيبها؛ لئلا يطغيها الغنى، ويدخلها الغرور، أو يقنطها اليأس، ولكل من الترغيب والتهريب قيمة تربوية، فالترغيب يبعث فيها الأمل والانشراح، والإنذار يردعها عن الانجرار وراء الأهواء.
ونوح (ع) إنما سلك منهج الإنذار بقوة (لأن الحالة التي كان عليها (قومه) من إعراض واستكبار وعناد وضلال كما تبرز من خلال الحساب الذي قدمه نوح في النهاية إلى ربه تجعل الإنذار هو أنسب ما تخلص به رسالته، وأول ما يفتتح به الدعوة لقومه الإنذار بعذاب أليم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما جميعاً)
2 – ومع الإنذار من عذاب الله الأليم أخذ يرغبهم في رحمة الله المتمثلة في غفران الذنوب، وتأخير الأجل ((يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً)) (نوح:4) ومع هذا يوسع عليكم في أرزاقكم فــ((يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً)) (نوح:11) ويمدكم بالأموال والأولاد ((وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً)) (نوح:12)
هكذا كان يرغبهم ليفتح في نفوسهم أبواب الأمل والرجاء لعلهم يرجعون ولكنهم أبوا أن يسمعوا له فضلا عن أن يؤمنوا ويطيعوا.
3 – ثم راح يلفت أنظارهم ويوبخهم على استكبارهم واستهتارهم، ونسياهم لرحمة الله في خلقهم وإيجادهم فيقول: ((مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً)) (نوح:13-14) يريد أن يذكرهم بآيات الله المتجسدة في أنفسهم ورغم هذا لم يستجيبوا ولما لم ينفع ذلك راح يذكرهم بآيات الله في الآفاق فيقول: ((أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً)) (نوح:15-16)
ثم يعود مرة أخرى – لعلهم يتيقظون من غفلتهم – فيذكرهم عن مصدر وجودهم وإن الله خلقهم من تراب. ثم يعيدهم فيها... ولكنه لم يلاقِ إلا العصيان والصدود والمكر والاستكبار والعناد.
4 – كان (ع) في بداية الأمر يدعوا إلى الله سراً، يختار عينات معينة منهم ويدلي لهم بالحجج والبراهين، والموعظة والنصيحة مستمرا على ذلك في ليله ونهاره مستعملا أسلم الطرق، وأجمل العبارات، وبتأن واختيار للأوثق فالأوثق إلا أنه لم يلاق قبولا من القوم لفرط أعراضهم وصدودهم، ولما لم تُجدِ الدعوة السرية سلك طريق الجهر والإعلان وراح يصدع بما أمر به إلا أنهم كانوا يفرون منه ولهذا يرفع شكواه إلى الله يتحسر وأسى: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً)) (نوح:5-9)
هكذا كان نوح (ع) يواصل الجهد المضني ويبذل قصارا جهده إلا أنه لم يلاق إلا العنف والصدود ورغم ذلك لم يتوقف لحظة واحدة عن دعوتهم إلا أن أهلكهم الله تعالى...
يتبع..
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com