موقع الصراط ... الموضوع : رسول الحسين (ع) -3
 
الأحد - 28 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  رسول الحسين (ع) -3  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 17 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
خَلْفِيّاتُ الْحُكّامِ فِي الكوفَةِ:
توالى على الكوفة ولاة طغاة ظالمون عرفوا ببطشهم وفسقهم، فتركوا أسوأ الآثار في مجتمعها، ومن هؤلاء:
1- الوليد بن عقبة بن أبي معيط: ولاه عثمان على الكوفة، وكان من المعادين لأهل البيت (ع) من أوّل أمره، قال ابن عباس: (( قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب (ع): أنا أحدّ منك سناناً، وأبسطُ منك لساناً، وأملأ للكتيبة طِعاناً، فقال له علي (ع): أسكت؛ فإنما أنت فاسق، فنزل القرآن: ((أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقَاً لا يَستُوونَ))(27))).
قال: ((يعني بالمؤمن علياً، وبالفاسق الوليد بن عقبة))(28).
وقال حضين بن المنذر: ((صلّى الوليد بن عقبة بالناس الفجر أربعاً، وهو سكران، ثم انفتل فالتفت إليهم، فقال: أزيدكم؟ فرفع ذلك إلى عثمان))(29).
وقال أبو عبيدة، وهشام بن الكلبي، والأصمعيّ: ((كان الوليد بن عقبة زانياً شِرِّيب خمر، فشرب الخمر بالكوفة، وقام ليصلّي بهم الصبح في المسجد الجامع، فصلّى بهم أربع ركعات، ثم التفت إليهم، فقال: أزيدكم؟ وتقيأ في المحراب، وقرأ بهم وهو رافع صوته في الصلاة: [من مجزوء الرمل]
علق القلب الربابا***بعدما شابت وشابا))
ثم رفع خبره إلى عثمان، فعفى عنه، ثم أقام الحد عليه أمير المؤمنين علي (ع)(30).
وقد بقي في إمارة الكوفة خمس سنوات يفسد فيها بكلّ أنواع الفساد الفكري، والأخلاقي، والاقتصادي علماً أنّه هو الذي نزل في حقه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ))(31).
قال ابن عساكر: ((وبعث رسول الله (ص) الوليد بن عقبة إلى الحارث؛ ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرِق [خاف]، فرجع، فأتى رسول الله (ص)، فقال: يا رسول الله، إنَّ الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فضرب رسول الله (ص) البعث إلى الحارث، وأقبل الحارث بأصحابه، إذ استقبل البعث، وفصل من المدينة إذ لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم، قال لهم: إلى من بُعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولِمَ؟ قالوا: إنَّ رسول الله (ص) كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فرجع إليه، فزعم أنَّك منعته الزكاة، وأردت قتله، فقال: لا، والذي بعث محمداً بالحقّ ما رأيته ولا أتاني.
فلمّا أن دخل الحارث على رسول الله (ص)، قال له: منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحقّ ما رأيته، ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسولُك، خشيتُ أن تكون كانت سخطة من الله ومن رسوله، فنزلت الحجرات: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) إلى قوله: ((فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) ))(32).
أقول: هذا يكذب على رسول الله (ص) وهو حيٌّ يرزق يراقب مسيرة الرسالة، ويتابع الأحداث، ويسنده الوحي الإلهي، ويعلم أنَّ الله سيخصمه، فكيف يتصرف مع الآخرين، وهو حاكم متسلط يتحكم في رقاب الناس؟
بلا شكّ سيكون لأعماله آثار فاحشة في المجتمع الذي يحكمه، وفعلاً ترك أسوأ الآثار، وخَلَّفَ أرتالاً من جنوده الذين تلطَّخت أيديهم بدماء المؤمنين.
هذا أنموذج من الحكّام الذين حكموا الكوفة، وأفسدوا فيها أيّما إفساد. 2- أبو موسى الأشعري: عبد الله بن قيس سكن الكوفة بعد أن عزله عثمان عن ولاية البصرة، قال ابن أبي الحديد: ((فلما كره أهلُ الكوفة سعيد بن العاص، ودفعوه عنها، ولَّوْا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولّيه، فأقرّه على الكوفة، فلما قتل عثمان عزله علي (ع) عنها، فلم يزل واجداً لذلك على علي (ع) حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه، فقد روى حذيفة فيه كلاماً كرهت ذكره، والله يغفر له.
قلت: الكلام الذي أشار إليه أبو عمر بن عبد البرّ، ولم يذكره قوله فيه، وقد ذكر عنده بالدّين، أمّا أنتم فتقولون ذلك، وأمّا أنا فأشهد أنَّه عدو لله، ولرسوله، وحرب لهما في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار. وكان حذيفة عارفاً بالمنافقين أسرّ إليه رسول الله (ص) أَمرهم، وأعلمه أسماءهم.
وروي أنَّ عماراً سُئل عن أبي موسى، فقال: لقد سمعتُ فيه من حُذَيفة قولاً عظيماً، سمعته يقول: صاحب البُرْنس الأسود، ثم كَلَح كُلُوحاً، علمت منه أنَّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط))(33).
ثم يقول ابن أبي الحديد في شأن أبي موسى الأشعري: ((فأما ما تعتقده المعتزلة فيه، فأنا أذكر ما قاله أبو محمد بن متويه في كتاب الكفاية قال (رحمه الله):
أما أبو موسى فإنّه عظم جُرْمه بما فعله، وأدّى ذلك إلى الضّرر الذي لم يخفَ حاله، وكان عليٌّ (ع) يقنت عليه وعلى غيره، فيقول: اللهمّ العنْ معاوية أولاً، وعَمْراً ثانياً، وأبا الأعور السُّلميّ ثالثاً، وأبا موسى الأشعريّ رابعاً.
روي عنه (ع) أنَّه كان يقول في أبي موسى: ((صَبغ بالعلم صَبغاً، وسلخ منه سلخاً)).
قال: وأبو موسى هو الذي روى عن النبي (ص) أنَّه قال: ((كان في بني إسرائيل حَكمان ضالان، وسيكون في أمتي حَكمان ضالان، ضالّ من اتبعهما)) وأنَّه قيل له: ألا يجوز أن تكون أحدهما؟ فقال: لا ...
[إلى أن يقول:] ولم يثبت في توبته ما ثبت في توبة غيره... وذكرته لك لتعلم أنّه عند المعتزلة من أرباب الكبائر، وحكمه حكم أمثاله ممن واقع كبيرة، ومات عليها))(34).
هذا هو أنموذج من النماذج التي حكمت الكوفة، و تركت فيها آثاراً سيئة على جميع الناس، وعلى حركة الإسلام، حيث الناس على دين ملوكهم، وخصوصاً إذا كانوا مطلقي اليد فيما يقولون وفيما يفعلون...
وأبو موسى الأشعري هذا وقف في وجه أمير المؤمنين (ع) يخالف أوامره، ويُثَبِّط الناس عن نصرته، فعندما أرسل إليه عدّة رسل؛ ليستنفر الناس إلى حرب الجمل، كان يثبّط الناس ويقول: ((إنّما هي فتنة))(35).
وكان قد قدم محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر الكوفةَ؛ لاستنفار الناس، فدخل قوم منهم على أبي موسى ليلاً، فقالوا له: ((أشر علينا برأيك في الخروج مع هذين الرجلين إلى علي))، فقال لهم: ((أما سبيل الآخرة فالزموا بيوتكم، وأما سبيل الدنيا فاشخصوا معهما))، فمنع بذلك أهل الكوفة من الخروج(36).
ويروى أنّ أمير المؤمنين (ع) بعث إليه هاشم بن عتبة؛ ولما أبى أبو موسى اتباع ما كتب إليه بعث إلى هشام يتوعده ويخوفه، ونتيجة لهذا كتب هاشم بن عتبة إلى أمير المؤمنين (ع): ((يا أمير المؤمنين، فإنّي قدمتُ بكتابك على امرئ مشاقّ، بعيد الود، ظاهر الغل والشنآن، فتهدّدني بالسجن، وخوّفني بالقتل))(37).
ثم بعد ذلك بعث أمير المؤمنين (ع) ابن عباس، ومحمّد بن أبي بكر إليه، وكتب معهما إليه: ((أما بعد؛ يا ابن الحائك... فوالله إنّي كنت لأرى أنّ بُعدك من هذا الأمر الذي لم يجعلك الله له أهلاً، ولا جعل لك فيه نصيباً، سيمنعك من ردّ أمري، والانتزاء(38) عليَّ، وقد بعثتُ إليك ابن عباس، وابن أبي بكر، فخلّهما والمصر وأهله، واعتزل عملنا مذموماً مدحوراً، فإن فعلت، وإلا فإنّي قد أمرتُهما على أن ينابذاك على سواء، إنّ الله لا يهدي كيد الخائبين، فإذا ظهرا عليك قطّعاك إرباً إرباً، والسلام على من شكر النعمة، ووفّى بالبيعة، وعمل برجاء العاقبة))(39).
ورُوي أنَّ أمير المؤمنين (ع) بعث الإمام الحسن (ع) وعمار بن ياسر، وكلَّماه بكلام فيه نوع لين، ولم يجدا منه تجاوباً، وحدثت بينه وبين عمار مناوشات كلامية(40).
وروى الطبري: أنَّ الأشتر استأذن علياً (ع) في إتيان الكوفة بعد الحسن (ع) وعمار، فأذن له، (فأقبل الأشتر حتى دخل الكوفة، وقد اجتمع الناس في المسجد الأعظم، فجعل لا يمرُّ بقبيلة يرى فيها جماعةً في مجلس، أو مسجد إلا دعاهم، ويقول: اتبعوني إلى القصر، فانتهى إلى القصر في جماعة من الناس، فاقتحم القصر، فدخله وأبو موسى قائم في المسجد يخطب الناس ويثبِّطهم... [قال] أبو مريم الثقفي: والله إنّي لفي المسجد يومئذٍ، وعمار يخاطب أبا موسى، ويقول له ذلك القول، إذ خرج علينا غلمان لأبي موسى يشتدّون ينادون: يا أبا موسى، هذا الأشتر دخل القصر، فضربنا وأخرجنا؛ فنزل أبو موسى، فدخل القصر، فصاح به الأشتر: اخرج من قصرنا لا أم لك! أخرج الله نفسك، فوالله إنك لمن المنافقين قديماً)(41).
هذه بعض أعمال أبي موسى وصفاته، وحكم هذا الكوفة مدة حكم عثمان تقريباً، وترك فيها أسوأ الآثار، ولم تكن هذه الآثار لتزول بسهولة، بل بقيت إلى استشهاد الإمام الحسين (ع)، ولا سيما أنَّ أبا موسى كان يستشهد بروايات وُضِعَت على رسول الله (ص)، ويتمظهر بالتديّن ليخدع الناس، ويحاول أن يغيّر أفكارهم وآراءهم، بل دينهم فهو ضالٌّ مضلٌّ، فكيف سيكون مجتمع الكوفة بعد ذلك؟
3- زياد بن عبيد: المعروف بزياد ابن أبيه وهو مسخ من مسوخ البشر يعيش عقدة الشعور بالنقص، والإحساس بالحقارة بأعنف صورها، فانعكست على سلوكه كيداً، ومكراً، وغدراً، وانتقاماً من كل حرّ شريف...
وعقدة الحقارة هذه نشأت في نفسه من معرفته بخسّة نسبه، وقد كانت العرب تعدّ إحدى مميزات السمو والرفعة هو النسب الطاهر، وزياد هذا يعلم يقيناً أنَّه ابن سمية المعروفة بالبغاء، وهي أَمَةٌ كانت لدهقانِ زَيْدَوُرد بكَسْكَر، وصادف أن مرض الدهقان، فاستدعي له الحارث بن كَلَدَة الثقفي ليعالجه، وفعلاً برأ بعلاجه، فوهب له الدهقانُ أمته سميّة، وبعد أن ولدت له أبا بكرة، ونافعاً، زوَّجها الحارث إلى غلام رومي يقال له عُبيد، فولدت زياداً على فراشه، وكان أبو سفيان صار إلى الطائف، فنزل على خمَّار يقال له أبو مريم السّلولي، وكانت لأبي مريم بعدُ صحبةٌ، فقال أبو سفيان لأبي مريم بعد أن شرب عنده: قد اشتدت بي العزوبة، فالتمس لي بغيّاً، فقال: هل لك في جارية الحارث بن كَلَدَة سُمَيَّة امرأة عُبَيْد؟ قال: هاتها على طول ثدييها، وذَفَر إبطيها، فجاء بها إليه، فوقع بها، فولدت زياداً، فادّعاه معاوية، فقال يزيد بن مفرغ لزياد: [من الوافر]
تذكر هل بيثرب زَيْدَوُرد *** قِرى آبائكَ النَّبطِ القحاح(42)
وبقيت هذه العقدة تستعر في نفسه الخبيثة الطموحة، وكان معاوية يعرف بذلك، فحاول أن يستهويه، لما كلَّفه أمير المؤمنين (ع) بولاية فارس، فضبطها، وحمى قلاعها، وأباد الأعداء بناحيتها، وحُمِد أثره فيها، واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك، وكتب إلى زياد:
((أما بعد؛ فإنَّ العُشَّ الذي رُبيتَ فيه معلوم عندنا، فلا تدع أن تأوي كما تأوي الطير في أوكارها، ولولا والله أعلم به لقلت ما قاله العبد الصالح: ((فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)) (43)))...
فلما ورد الكتاب على زياد قام في الناس، فقال: ((العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد، ورأس النفاق، يخوفني بقصده إياي، وبيني وبينه ابن عم رسول الله (ص) في المهاجرين والأنصار، أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أجمَّ مَجسّاً ضرباً بالسيف)).
واتّصل الخبر بعلي (ع) فكتب إلى زياد: ((أما بعد؛ وليتك الذي وليتك، وأنا أراك له أهلاً، وإنَّه قد كانت من [ابن] أبي سفيان فلتة من أماني الباطل، وكذب النفس لا توجب له ميراثاً، ولا يحلّ له نسباً، وإنَّ معاوية يأتي الإنسان من بين يديه، ومن خلفه، ومن عن يمينه، ومن عن شماله فاحذر، ثم احذر، والسّلام))(44).
ولكن زياد بن عبيد نتيجة العُقَد المتأصلة في نفسه لم ينفع معه التحذير، فبقيت الأماني الباطلة تراوده، ووسوسة معاوية ترنُّ في خفايا نفسه إلى أن استشهد أمير المؤمنين (ع)، وكان زياد قد تحصن في قلعة سُمِّيَتْ فيما بعد باسمه، (فأرسل زياد مَنْ صالح معاوية على ألفي ألف درهم، وأقبل زياد من القلعة، فلقيَهُ مَصْقَلة بن هُبَيرة وافداً إلى معاوية، فقال له زياد: متى عهدك بأمير المؤمنين؟ فقال: عام أول. قال: كم أعطاك؟ قال: عشرين ألفاً. قال: فهل لك أن أعطيك مثلها وتبلّغه كلاماً؟ قال: نعم. قال: قل له إذا أتيته: أتاك زياد، وقد أكل برَّ العراق، وبحره، فخدعك، فصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقّاً، فإذا قال لك: ما يقال؟ فقل: يقال: إنَّه ابن أبي سفيان.
فأبلغ مَصْقَلة معاوية الكلام، فلما قال: إنَّه يقال: إنَّه ابن أبي سفيان، قال: أبى قائلها إلا إثماً، قال: فادَّعاه معاوية، فما أعطى زياد مَصْقَلة العشرين ألف درهم إلا بعد أن ادّعاه)(45).
وبعد أن ادّعاه معاوية كان يحاول أن يثبت ذلك بتحصيل شهادات من بعض الشخصيات المعروفة بصورة غير مباشرة، قال مفضَّل بن مهلهل: ((كتب زياد إلى عائشة: من زياد بن أبي سفيان - وهو يريد أن تكتب إليه: ابن أبي سفيان، فيحتجّ إليه - فكتبت إليه من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد))(46).
وعن محمد بن الحارث، وهو رجل من قريش: ((أنَّ مُرَّة صاحب نهر مُرَّة أتى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان مولاهم، يسأله أن يكتب له إلى زياد في حاجة له، فكتب: من عبد الرحمن إلى زياد، ونسبه إلى غير أبي سفيان، فقال: لا أذهب بكتابك هذا فيضربني، قال: فأتى عائشة، فكتبت له: من عائشة أم المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان، [قال:] فلما جاء بالكتاب قال له: إذا كان غداً فجئني بكتابك، قال: وجمع الناس، فقال: يا غلام اقرأه، قال: فقرأه، من عائشة أم المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان. قال: فقضى له حاجته))(47).
هذه معالم شخصية زياد بن أبيه بما تحمل من عقد نفسية، وشعور بالحقارة دفعها إلى الاستعلاء والتجبر؛ لتسدَّ بعض الشعور بالذلّ والحقارة، ولكن هذا لم يعالجه مرضه، بل دفعه إلى البطش وسفك الدماء، وكان يتبجّح به من على منبر الكوفة بكل صلافة، فتراه في أول يوم يصل الكوفة حاكماً من قبل معاوية، يصعد المنبر فلا يصلي فيها على النبي (ص)، ويقول:
((وأيم الله إنَّ لي لكم صَرْعى، فليحذر كلّ رجل منكم أن يكون من صَرعاي، فوالله لآخذنَّ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، حتى تلين لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انجُ سعد، فقد قتل سعيد))(48).
ولما اعترض على خطابه أبو بلال مرداس بن أُدَيَّة فقال: ((أيها الرجل، قد سمعت قولك: والله لآخذنَّ البريءَ بالسقيم، والمطيعَ بالعاصي، والمقبلَ بالمدبر، ولعمري لقد خالفتَ ما حكم الله في كتابه أن يقول: ((وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) (49)))، فقال: ((إيهاً عني، فوالله ما أجد السبيل إلى ما تريد أنت وأصحابك حتى أخوض الباطل خوضاً))، ثم نزل، فقام مرداس بن أُدَيَّة وهو يقول(50): [من البسيط]
يا طالبَ الخير، نهر الجور معترض***طول التهجّد أو فتك بجبّار
لا كنت إن لم أصم عن كلّ عاتبة*** حتى يكون بريق الجور إفطاري
وجرائمه التي ارتكبها في الكوفة مع شيعة علي أكثر من أن تحصى من قتل، وسجن، وتشريد، ونحن ننقل بعض أقوال المؤرخين فيه:
يقول ابن أعثم (314 هـ) في كتاب الفتوح: ((وجعل زياد يتتبع شيعة علي بن أبي طالب، فيقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، حتى قتل منهم خلقاً كثيراً، وجعل يقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل أعينهم، وجعل أيضاً يغري بهم معاوية، فقتل منهم معاوية جماعة، وفيمن قتل منهم حجر بن عدي الكندي وأصحابه...))(51).
وروى أبو الحسن المدائنيّ في كتاب الأحداث - كما ينقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة - قال: ((كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته؛ فقامت الخطباء في كلّ كورة، وعلى كلّ منبر، يلعنون علياً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة؛ لكثرة من بها من شيعة علي (ع)، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة، وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيام علي (ع)؛ فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم، وشرَّدهم عن العراق؛ فلم يبقَ بها معروف منهم))(52).
ومن جرائمه الفظيعة أنه ولّى على البصرة حين شخص إلى الكوفة المجرم السفّاح الكاذب على رسول الله (ص) سمرة بن جندب، يقول الطبري:
((ولَّى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سَمرة بن جندب، فحدثني عمر قال: حدثني إسحاق بن إدريس، قال: حدثني محمد بن سليم، قال: سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب! استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قتلتَ أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلتُ إليهم مثلهم ما خشيتُ... وعن أبي سوّار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جَمَع القرآن))(53).

كَيْفَ هَلَكَ زِيادُ بن سُمَيَّة؟
قال ابن أبي الحديد: ((وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من علي (ع) ولَعْنه، وأنْ يقتُلَ كل من امتنع من ذلك، ويخرِّب منزله؛ فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون فمات - لا رحمه الله - بعد ثلاثة أيام، وذلك في خلافه معاوية))(54).
ونقل ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: ((قال عبد الرحمن بن السائب: جمع زياد أهل الكوفة، فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر؛ ليعرضهم على البراءة من علي (ع)، قال عبد الرحمن: فإني لمع نفرٍ من الأنصار، والناس في أمر عظيم، قال: فهوَّمْتُ تهويمةً(55)، فرأيت شيئاً أقبل طويل العنق مثل عنق البعير، أهدب، أهدل(56)، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا النَّقَّاد ذو الرقبة، بُعثْتُ إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظتُ فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم، قال: ويخرج علينا خارج من القصر، فقال: إنَّ الأميرَ يقول لكم: انصرفوا عني، فإنّي عنكم مشغول؛ وإذا الطاعون قد ضربه، فأنشأ عبد الرحمن بن السائب يقول: [من البسيط]
ما كان منتهياً عما أرادَ بنا *** حتى تناوله النقاد ذو الرقبة
فأثبت الشق منه ضربة ثبتت *** كما تناول ظلماً صاحب الرحبة))(57)
وقيل: ضربه الطاعون (على إصبع يمينه، فمات منها؛ فلما حَضرته الوفاة دعا شريحاً القاضي، فقال له: قد حدث ما ترى، وقد أمرت بقطعها، فأشرْ عليَّ، فقال له شريح: إنّي أخشى أن يكون الأجل قد دنا، فتلقى الله أجذمَ، وقد قطعتَ يدك كراهية لقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير فتعيش أجذم، وتُعيَّر ولدك، فقال: لا أبيتُ والطاعون في لحاف واحد، فخرج شريح من عنده، فسأله الناس، فأخبرهم، فلاموه، وقالوا: هلا أشرتَ بقطعها؟ فقال: المستشار مُؤتمن)(58).
ولا عجب ذلك من شريح؛ فهو أحد صنائع الظالمين، لقد نسي كلّ جرائم زياد وخاف عليه أن يلقى الله أجذم!!

قصَصٌ مِن جَرائِمِهِ:
ذكر المؤرخون قصصاً من جرائمه لها دلالة عميقة في وحشيّة هذا الرجل، وتدلّ على عمق عقدة الحقارة في نفسه، ومدى خطرها في مسيرة المجتمع الذي خذل مسلم بن عقيل.
القصة الأولى: روى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق عن جعفر بن سليمان عن عبد ربه عن أبي كعب الجُرْمُوزي قال: (إنَّ زياداً لما قدم الكوفة، قال: أيّ أهل الكوفة أعبَد؟ قيل: فلان الحِمْيَري؛ فأرسل إليه فأتاه، فإذا سَمْتٌ(59) ونَحْوٌ، فقال زياد: لو مال هذا مال أهل الكوفة معه، فقال له: إنّي بعثت إليك لخير، قال: إنّي إلى الخير لفقير، قال: بعثت إليك لأنولك، وأعطيك على أن تلزم بيتك فلا تخرج؟ قال: سبحان الله! والله لصلاةٌ واحدةٌ في جماعة أحبُّ إليَّ من الدنيا كلها، [ولزيارةُ أخٍ في الله، وعيادة مريض أحبُّ إليَّ من الدنيا كلّها]، فليس إلى ذلك سبيل، قال: فاخرجْ وصلّ في جماعة، وزر إخوانك، وعُدْ المريض، والزم شأنك، قال: سبحان الله!! أرى معروفاً لا أقول فيه؟! أرى منكراً لا أنهى عنه؟! فوالله لمقام من ذلك واحدٌ أحبُّ إليَّ من الدنيا كلها، قال: يا أبا فلان، قال جعفر: أظن الرجل أبا المغيرة، فهو السيف، قال: السيف، فأمر به، فضربت عنقه، قال جعفر: فقيل لزياد، وهو في الموت: ابشر، قال: كيف وأبو المغيرة بالطريق؟!))(60).
إننا عندما نتأمل في هذه الواقعة نستنتج أنَّ زياداً الذي هو صنيعة من صنائع معاوية يريد أن يعزل الدين عن الحياة العامة، ويشتري ضمائر الناس؛ ليعطل فيها حركة الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنَّ ذلك يتنافى مع السياسة الأموية، ويكشف أساليبها الإجرامية.
وقد صرّح بعض المؤرخين بذلك، قال سَلمة بن كُهَيل: ((أول مَنْ وطئ على سماح الإسلام زياد))(61).
وعن سعيد بن المسيب قال: ((أول قضية رُدَّتْ من قضاء رسول الله (ص) علانيةً قضاء فلانٍ في زياد))، ويقصد بفلان معاوية.
وقال ابن أبي نُجَيْح: ((أول حكم رُدَّ من حكم رسول الله (ص) الحكم في زياد))(62).
القصة الثانية: لما مات المغيرة، وولي زياد على الكوفة، صعد المنبر، وخطب الناس، فحُصب، وهو على المنبر، يقول الطبري: ((فجلس حتى أمسكوا، ثم دعا قوماً من خاصّته، وأمرهم، فأخذوا أبواب المسجد، ثم قال: ليأخذْ كلّ رجل منكم جليسه، ولا يقولنَّ: لا أدْرِي من جليسي؟ ثم أمر بكرسيّ، فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعةً أربعة يحلفون بالله ما مِنّا مَنْ حَصَبَك، فمن حلف خلاه، ومن لم يحلف حبسه وعزله، حتى صار إلى ثلاثين، ويقال: بل كانوا ثمانين، فقطَّع أيديهم على المكان))(63).
هكذا كان يعاقب على الظنّة والتهمة، يقطع الأيدي والأرجل، ويسمل العيون.
القصة الثالثة: عن زياد بن النضر الحارثي قال: ((كنتُ عند زياد، وقد أُتيَ برشيد الهجري - وكان من خواص أصحاب علي (ع) - فقال له زياد: ما قال خليلُك لك إنَّا فاعلون بك؟ قال: تَقْطَعُون يديّ ورِجْليّ، وتصلبونني، فقال زياد: أما والله لأَكذّبنَّ حديثه، خلّوا سبيله، فلما أراد أن يخرُجَ، قال: ردُّوه، لا نجد شيئاً أصلحَ مما قال لك صاحبُك؛ إنَّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت؛ اقطعوا يديْه ورجليْه؛ فقطعوا يديه ورجليه، وهو يتكلم، فقال: اصلبوه خنقاً في عُنُقِه، فقال رشيد: قد بقى لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانَه، فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: نَفّسُوا عني أتكلم كلمة واحدة، فنفّسوا عنه، فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين (ع) أخبرني بقطع لساني؛ فقطعوا لسانه وصلبوه))(64).
القصة الرابعة: وهي قصته مع حجر بن عدي العبد الصالح، الحرّ، الصادق، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر... وخلاصة قصته معه: أنَّه ألقى القبض على حجر ومعه ثلاثة عشر من أصحابه، ثم أرسلهم إلى معاوية، (فأمر معاوية أن يحبسوا بمرج عذراء، وهي قرية بضواحي الشام، ولما عرف حجر أنَّه بهذه القرية، قال: والله إنّي لأول مسلم نبحته كلابها، وأول مسلم كبَّر بواديها، - يشير إلى أنّه كان أول مسلم جاهد وحارب على أرض هذه القرية - وأمر معاوية أن يعرض على حجر وأصحابه البراءة من علي ولعنه، وتولّي عثمان، فمن فعل منهم أمن، ومن أبى قتل، وشفع جماعة من أهل الشام عند معاوية في بعض هؤلاء الرهط، وقبل شفاعتهم، ولم يبقَ منهم إلا ثمانية، فعرضت عليهم البراءة، فأبوا إلا اثنان طلبا أن يحملا إلى معاوية... وحُمل الرجلان إلى معاوية، فأما أحدهما فأظهر البراءة على لسانه، وأما الآخر فأبى أن يتبرأ من علي، وأسمع معاوية في نفسه، وفي عثمان ما يكره، فردَّه معاوية إلى زياد، وأمره أن يقتله شر قتلة؛ فدفنه زياد حياً)(65).
القصة الخامسة: جيء بصيفي بن فسيل من أصحاب حجر (إلى زياد، فقال له: يا عدو الله، ما تقول في أبي تراب؟ قال صيفي: ما أعرف أبا تراب. قال زياد: ما أَعرفك به. قال: ما أعرفه. قال زياد: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال زياد: فذاك أبو تراب. قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين. قال زياد لجلاوزته: عليَّ بالعصا؛ فأُتِيَ بها، فالتفت إلى صيفي، وقال: ما قولك؟ قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين، فقال زياد: اضربوه حتى يلصق بالأرض؛ فضربوه حتى لزم الأرض، وعندها قال له زياد: ما تقول في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالموسى والمدى ما قلتُ إلا ما سمعتَ مني، قال زياد: لتلعننّه .. أو لأضربنَّ عنقك، قال: إذن والله لتضربها قبل ذلك)(66).
هذا غيض من فيض من جرائم زياد بن سمية، وبقيّة ولاة بني أمية على الكوفة، وهذه السياسة الغاشمة سياسة الحديد، والنار، والسجن، والتشريد، والقتل، والإفساد الفكري والسياسي، والاقتصادي من سلب الأموال، وهدم البيوت، والأخذ على التهمة، والظنّة ترك أسوأ الآثار في الأمة، وخصوصاً على مجتمع الكوفة نذكر منها:
1- أفقدت الأمة إرادتها وحَوَّلتها إلى قطيع خائر لا يملك من إرادته شيئاً، فترى قلوبها مع الحسين (ع)، وسيوفها عليه، فهي بلا إرادة، ولا اختيار، ولا عزم، ولا تصميم، وإنما أصبحت كآلة مُسَيَّرة تُحَرِّكها أوامر الطغاة.
2- إنَّ سياسةَ شراء الضمائر، وتخدير العقول بالأموال، وبالإغراء، والإفساد أوجدت طبقة من المجرمين الذين مُسخت إنسانيتهم، ففسدت قلوبهم، وقست وتحوّلوا إلى وحوش ضارية يلتذون بعذاب الآخرين.
3- شيوع الفساد الأخلاقي في الأوساط المقدسة، فقد نشروا شرب الخمور، وأوجدوا دوراً للدعارة، والملاهي، والملاعب؛ لتخدير إرادة الأمة، وإشغالها عن مصائبها، ومصالحها.
4- اصطنعوا المذاهب المنحرفة عن الإسلام كالقدّرية، والجبرية، والمفوّضة، ونظّروا لذلك بروايات وضعوها على لسان رسول الله (ص)، وأصبحت ديناً يدان به...
هذا هو الوضع السياسي في الكوفة على الخصوص؛ وبهذا حدثت تلك الانتكاسة في حياة الأمة، ولذلك انتكست حركة مسلم بن عقيل...
فنحن إذا تأملنا بمجمل الأوضاع الاجتماعية أو الفكرية أو السياسية نجد أنّها ساعدت على تفرّق الناس عن مسلم بسهولة عندما استعمل ابن زياد سلاح الإشاعة التي مزَّقت جيش مسلم، وتركته وحيداً...
ونذكر مثالاً واحداً من أمثلة الغدر التي استعملها عبيد الله بن زياد في استغفال الأمة والاستخفاف بها، هذا المثال هو:
لما وقع المجاهد الكبير هاني بن عروة أسيراً في شباكهم، وفعل ما فعل به ابن زياد ألقاه في السجن تشخب جروحه، متضمِّخاً بدمه... وكان ابن زياد يعرف مسبقاً موقع قبيلة مذحج، فدبَّر لها مؤامرة استطاع بها امتصاص نقمتها على النحو الآتي:
اتفق مع أحد صنائعه، وهو عمرو بن الحجاج الزبيدي على أن يتظاهر بأنَّه من الثائرين ضد ابن زياد، ومن الناقمين عليه، لاعتقال هاني بن عروة، وجمع عشيرة مذحج وقادهم؛ ليطوِّق القصر متظاهراً بأنَّه يريد إخراج هاني من أيديهم، وفعلاً وصل بعشيرة مذحج وطوَّق القصر... هذا من جانب، ومن جانب آخر أوعز ابن زياد إلى شريح القاضي (بقوله): أدخل على صاحبهم فانظر إليه، ثم أخرج فأعلمهم أنَّه حي لم يقتل، وأنَّك رأيته، فقام القاضي المتواطئ بدوره، وخرج إليهم قائلاً:
دخلت على هاني ورأيته حياً، وأبدى ابن الحجاج ارتياحه، وأعلن بانتهاء المهمة إذا كان هاني حياً قائلاً: ((أما إذ لم يقتل فالحمد لله)) وانصرف، وصرف معه جميع العشيرة، وانسحبت راضية؛ لأنَّ لسانها الناطق وافق على ذلك(67).
تلك هي الأساليب الأموية في الغدر والكيد واستغفال الناس وخداعهم... وهكذا تمّت المؤامرة وأحبطوا حركة مسلم، وظلّ وحده ليس معه غير سيفه، وقد أقبلوا عليه، فخرج إليهم كالأسد الهصور قائلاً(68): [من الرجز]
أقسمت لا أقتل إلا حُرّا*** وإن رأيت الموت شيئاً نُكرا
كلُّ امرئ يوماً ملاقٍ شراً*** ويُخلط البارد سُخْناً مُرّا
رُدّ شعاع الشمس فاستقرا*** أخاف أن أكذب أو أغَرّا
وبعد جولة حامية جندل فيها الكثير من المهاجمين أُثخن بالجراح حتى عجز عن القتال، فأسند ظهره إلى جنب جدار، فضربوه بالسهام والأحجار، فقال: ((ويلكم، ما لكم ترموني بالحجارة كما ترمى الكفار؟ وأنا من أهل بيت النبي المختار! ويلكم، أما ترعون حقَّ رسول الله (ص) ولا حقَّ قرباه؟))(69).
قال السيد ابن طاووس في الملهوف: وعند ذلك ضربه رجل من خلفه، فخرّ إلى الأرض، فتكاثروا عليه، وأعطوه الأمان، فأمكنهم من نفسه، ثم أُخذ أسيراً إلى ابن زياد، فقتله، وقصته معروفة(70).
[من المتقارب]
بكتك دماً يا ابن عمّ الحسين*** مدامع شيعتك السافحة
ولا برحت هاطلات الدموع*** تحييك غادية رائحة
لأنَّك لم تروَ من شربة*** ثناياك فيها غدت طائحة
رموك من القصر إذ أوثقوك*** فهل سلمت فيك من جارحة
وسحباً تُجرّ بأسواقهم***ألستَ أميرهم البارحة؟(71)

الهوامش:
(27) السجدة: 18 .
(28) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني: 5/153، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: 63/235، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 17/238 .
(29) تاريخ مدينة دمشق: 63/241 .
(30) راجع قصته في كتاب الأغاني: 5/139، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 17/230 .
(31) الحجرات: 6 .
(32) تاريخ مدينة دمشق: 63/229 .
(33) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/314-315 .
(34) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 13/315-316 .
(35) المسعودي، مروج الذهب: 2/376 .
(36) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 14/9، ونهج الصباغة في شرح نهج البلاغة للتستري: 6/367-368 .
(37) المصدران السابقان أنفسهما .
(38) الانتزاء: الوثوب، وفي نهج الصباغة: الابتزاز.
(39) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 14/10، ونهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: 6/368 .
(40) ينظر: تاريخ الطبري: 4/482-483 .
(41) المصدر السابق: 4/486-487، ونهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: 6/372-373 .
(42) ينظر: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: 19/173، مع تصرف بالألفاظ.
(43) النمل: 37 .
(44) تاريخ مدينة دمشق: 19/175-176 .
(45) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق: 9/76 .
(46) تاريخ مدينة دمشق: 19/177 .

(47) المصدر نفسه .
(48) تاريخ مدينة دمشق: 19/180 .
(49) فاطر: 18 .
(50) تاريخ مدينة دمشق: 19/180-181 .
(51) ابن أعثم الكوفي، كتاب الفتوح: 4/316 .
(52) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 11/44 .
(53) تاريخ الطبري: 5/236-237 .
(54) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 4/58 .
(55) التهويم والتهوم: هزّ الرأس من النعاس.
(56) الأهدل: الساقط الشفة .
(57) تاريخ مدينة دمشق: 19/203-204 .
(58) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 3/494 .
(59) السمت: هيأة أهل الخير، وحسن النحو، والرأي.
(60) تاريخ مدينة دمشق: 19/206 .
(61) المصدر نفسه: 19/196 .
(62) المصدر نفسه: 19/179 .
(63) تاريخ الطبري: 5/235 .
(64) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 2/294 .
(65) محمّد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون: 79.
(66) المصدر نفسه: 78.
(67) ينظر: تاريخ الطبري: 5/367-368 .
(68) تاريخ الطبري: 5/374 .
(69) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 1/301-302 .
(70) ينظر: الملهوف على قتلى الطفوف: 118-123 .
(71) السيد جواد شبر، أدب الطف: 8/223 .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الثالث
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com