موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-2
 
الثلاثاء - 6 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-2  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 19 / شعبان / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
ثالثاً: التصوّر الإيجابي التربوي:
ويبتني هذا التصور على أن أهل البيت (ع) جعلهم الله تعالى هداة وقادة البشرية إلى الله في كل مراحل حياتهم، وأنهم ربوا شيعتهم وأتباعهم على تحمل المسؤولية الرسالية، ومواصلة الدرب، لأجل إعلاء كلمة الله عز وجل رغم كل الظروف والصعاب، ويتبين هذا من خلال منهجهم السياسي في مواجهة الأحداث فقد كانوا يُعَمِّقون الوعي الرسالي عند شيعتهم، ويوثقون الروابط بينهم. فعن عبد الله بن مسكان عن ميسر عن أبي جعفر (ع)، قال لي أبو جعفر (ع): (أتخلون وتتحدثون وتقولون ما شئتم؟ فقلت: إي والله إنا لنخلوا ونتحدث، ونقول ما شئنا، فقال: أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن، أما والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم، وإنكم على دين الله ودين ملائكته فأعينوا بورع واجتهاد)
وعنه (ع) عن علي (ع) كان يقول: (لقاء الإخوان مغنم جسيم)
وعن أبي جعفر (ع): ( رحم الله عبداً أحيا ذكرنا, قلت: ما إحياء ذكركم؟ قال: التلاقي والتذاكر عن أهل الثبات...)
وقال الإمام الرضا (ع): (رحم الله عبداً أحيا أمرنا. فقيل لـه: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا, ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)
وقد كانوا يعلمون أصحابهم وتلاميذهم كيفية الارتباط بهم، وإنه يبتني على أساس التقوى والورع لا على أساس العواطف الفارغة، يقول الإمام محمّد الباقر (ع): (والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة، ولا يُقترب إلى الله إلاّ بالطاعة، فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا... ومن كان منكم عاصياً لم تنفعه ولايتنا. ويحكم لا تفتروا)
ويقول الإمام الصادق (ع) في وصيته لعبد الله بن جندب: (يا ابن جندب بلّغ معاشر شيعتنا, وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب فوالله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الأخوان، وليس من شيعتنا من يظلم الناس)
ولأجل تكريس هذه الحقائق كانوا يعملون بجد على تربية الأمة على كراهية الظلم، وتركيز مفهوم العدل من خلال تعميق الوعي الحركي، والتحذير من مجاملة ومعاشرة الظالمين فقد ورد عن الإمام علي (ع) أنه قال: (من مشى إلى ظالم، ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج عن الإسلام قال: وقال (ص): إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الظلمة، وأعوان الظلمة، وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما, ولاق لهم دواة ! قال: فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى به في جهنم)
كما رسخوا في نفوس شيعتهم حالة المقاطعة للظالمين، وجعلوا التقرب منهم مَعْلَماً من معالم الانحراف فقد ورد في الحديث: (عن ابن أبي يعفور، قال: كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجل من أصحابه، فقال لـه أصلحك الله إنه ربما أصاب رجل منا الضيق, أو الشدة فيدعى إلى البناء فيبنيه، أو للنهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله (ع): ما أحب أن عقدتُ لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، وان لي ما بين لابتيها، لا ولا مَدْةَ بقلم إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرداق من نار حتى يحكم الله بين العباد)
وفي الصحيح عن يونس بن يعقوب, قال: قال لي أبو عبد الله (ع): لا تعنهم على بناء مسجد، وروى ابن بابويه عن الحسن بن زيد عن الصادق (ع) عن آبائه (ع) قال: قال رسول الله (ص): (من علق سوطاً بين يدي سلطان جائر جعل الله ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من نار طوله سبعون ذراعاً يسلطه الله عليه في نار جهنم وبئس المصير) بهذه المواقف، وهذه التعليمات الصارمة خلقوا حاجزاً نفسياً بين شيعتهم وطغاة عصورهم.
إذن وعي مدرسة أهل البيت (ع) وحياتهم ينبغي أن يكون من خلال دراسة كلماتهم، ووصاياهم، ومواقفهم في مختلف الحالات, وهذا هو المنهج الذي أرادوه فما كانت فضائلهم إلا من الرسالة، وما أبرزوها إلا لخدمتها؛ ولذلك ضحوا بكل غال ونفيس من أجل إعلاء كلمة الله من هنا وقفوا (ع) بوجوه طغاة عصورهم، وبذلوا كل شيء، فأعطاهم الله الخلود أبد الآبدين.
وهذه الحقيقة تبرز في حياة أمير المؤمنين (ع) أكثر من غيره، فهو بحر طافح بجميع الكمالات العقلية، والنفسية، والروحية، والجسدية، التي برزت في شخصيته الرائعة الفذة في جميع مراحلها صبياً، وشاباً، وكهلاً، وشيخاً، وفي جميع أطوارها، وأدوارها. مقاتلاً مع النبي (ص) وداعياً إلى دينه, وجالساً في بيته محروماً من حقه الذي نصبه الله فيه، وحاكماً يقود الأمة، ويحمي الرسالة من كيد المارقين والقاسطين والناكثين، وفي جميع قدراته، وصفاته التي لم تجتمع في بشر بعد رسول الله (ص) من الإيمان، والعلم، والتقوى، والصبر، واليقين، والحكمة، والشجاعة، والزهد والعبادة، والنسك، والفتك، والرحمة، والفقر، والجود، والعزم، والحزم، واللين، والشدة... الخ. كل تلك الصفات السامية تجسدت في علي (ع) وبرزت في سيرته، وأقرها الموالي والمناوئ، ولم يستطع أحد أن ينكر منها شيئاً حيث تمثلت في شخصيته في ذروة كمالها... هذه الكمالات السامية جعلت البعض يضع حياة علي (ع) في مصاف الأساطير والمعجزات الخارقة، ولا عجب في ذلك فإن معرفته بصورة كاملة, والإحاطة بأسرار حياته : أقوالاً، ومواقفَ، وسلوكاً أمر مستحيل على قدرات العقل البشري المحدودة ؛ لما صرح به رسول الله (ص): (يا علي، ما عرف الله إلا أنا وأنت, ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا أنا والله)
ولذا اختلفت الأقوال والعقائد في علي (ع) بين من ألّهه، وبين من كفّره، وبين من بقي واقفاً على ساحل بحره يرتشف منه كلما ظمئت نفسه. ومن هنا حارت العقول فيه فشرقت وغربت, قال ابن أبي الحديد: (وما أقول في رجل أقر لـه أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره ،والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع لـه ذكراً، حتى حَضّروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسمواً، وكان كالمسك كلما سُتر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح, وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيرة!
وما أقول في رجل تُعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى, وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم)
ونحن لا نستطيع أن نعرف شخصية علي (ع) إلا بمقدار ما عَرّفّه رسول الله (ص) الذي رباه وبنى شخصيته، وأعده خليفة له، وحاملاً لرسالته من بعده، فوصْف رسول الله (ص) لعلي لا يحيط به كتاب ولا مقال ولا خطاب؛ لأنه هو الإسلام، والإسلام هو متمثلاً بشخصيته عقيدة وسلوكاً؛ ولذا قال رسول الله (ص): (هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فأسألكم ما تخلفوني فيهما)
وفي حديث آخر قال (ص): (علي مع الحق، والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة) ؛ وقال (ص): (اللهم أدر الحق مع علي، حيثما دار)
وهذه أدق عبارة نبوية تعرفنا بشخصية علي (ع) وتدلنا على وجوب ملازمة منهجه الروحي والفكري والأخلاقي والسياسي... الخ؛ وهو إشارة صريحة إلى أن الحق منحصر به (ع) دون غيره، وقد دلّ على ذلك ما رواه أهل الحديث من قول رسول الله (ص): (إن الله تعالى عهد إليَّ عهداً في علي، قلت: يا رب بَيّنه لي؛ فقال: اسمع, فقلت: سمعت. فقال: إن عليّاً راية الهدى وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتُها المتقين، من أحبه أحبني، ومن أبغضه أبغضني، فبشره بذلك، فجاء عليٌّ فبشرته ، فقال: يا رسول الله أنا عبد الله، وفي قبضته، فإن يعذبني فبذنبي، وإن يتم لي الذي بشرتني به فالله أولى بي، قال: قلت: اللهم أجلِ قلبه, واجعل ربيعه الإيمان، فقال الله: قد فعلت به ذلك، ثم أنه رُفِع إليَّ أنه سيخصه من البلاء بشيء لم يخص به أحداً من أصحابي، فقلت: يا ربي، أخي، وصاحب، فقال: إن هذا لشيءٌ قد سبق أنه مبتلي، ومبتلى به)
و من خلال وقفة تأمل قصيرة عند هذا الحديث تدلنا على وجوب الإقتداء والاهتداء بمنهجه الشريف. فالحديث يشير إلى أن علياً (ع) (راية الهدى) والراية هي المَعْلَم الذي يؤمه الناس, ويتحركون نحوه، ومعلوم أن في كل زمان ومكان رايتان : راية هدى، وراية ضلال, والناس منقسمون إلى قسمين، كل يتحرك نحو الراية التي يؤمها إما إلى الحق، وإما إلى الباطل، ثم قال: (منار الهدى) والمنار منطلق النور الذي يفتح الطريق, ويهدي إلى الله, والإمام أيضاً هو الذي يؤم الناس، ويقودهم إلى ما يريد فإما إمام هدىً، وإما إمام ضلال. وعلي (ع) إمام الهدى لا يُخْرج من هدى، ولا يقود إلى ردى.
أما الوصف الثالث: فهو (نور من أطاعني) والنور يكشف الأشياء للإنسان, وينوّر الطريق له ليميز به ما ينفعه، وما يضره، فعلي نور من أطاع الله تعالى أي الدليل إلى الله، والمرشد إلى سبيله أما الوصف الرابع: فهو (كلمة التقوى) لأن علياً إمام المتقين، فالإقتداء به يجعل المقتدي أشد خوفاً من الله، وأعمق حبا لـه,وأعظم رجاءً منه تعالى، فهو من باب طرح اللازم وإرادة الملزوم أي اقتدوا بعلي (ع) كي تكونوا متقين لله عز وجلّ، ثم أشار الحديث إلى حبه وبغضه (ع) وهما ميزان الطهارة في المولد، والنقاء الإيماني فلا يحب علياً إلا طاهر المولد, ولا يبغضه إلا من كان بعكس ذلك, والأعجب من ذلك كله أن كل هذه البشارة بكل ما تضمنت من الكمالات على لسان الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لم تزد علياً في نفسه شيئاً من العلو والافتخار والتعالي على الآخرين، بل زادته خضوعاً وخشوعاً وخوفاً من الله عز وجلّ، فكان موقفه منها موقف الذليل الخاشع بين يدي الله عز وجلّ، الراجي رحمته، وهذا يكشف لنا مدى السمو الذي بلغه (ع) في نفسه المتعلقة بخالقها، والمتجردة إليه بكلها، ولذا استقبل هذه البشارة بقوله: (يا رسول الله أنا عبد الله وفي قبضته)
هكذا تجرد من حوله وقوته، واعتبرها فضل ومنّة منه تعالى عليه، ورغم هذا الفضل العظيم بقي وجلاً (فإن يعذبني فبذنبي) وجره هذا الوجل إلى الرجاء من الله تعالى أن يحقق لـه هذه البشارة بفضلة تعالى: (وإن يتم الذي بشرتني به فالله أولى به).
فسر القوة في شخصيته (ع) هو التجرد الخالص لله تعالى في مشاعره وأحاسيسه وحركاته وسكناته، وبذلك أصبح راية الهدى، ومنار الإيمان، ونوراً للمؤمنين، فكان بحق القرآن الناطق الذي أعطى أنصع صورة لرسالة السماء الخالدة فدار معها حيثما تدور.
ثم أشار الحديث إلى (أنه مبتلي ومبتلى به) مبتلى في تحمل أعباء الرسالة في كل مراحل حياته منذ نعومة أظفاره إلى أن هوى في محرابه مضرجاً بدمائه. (ومبتلى به) لأن الأمة، بل البشرية امتحنت به، حيث لم يستطيع أحد إلاّ النادر الفذ من السير على نهجه فكلما كدح الإنسان وأراد الوصول إلى هذا المقام الشامخ عجز عن الوصول إليه، ولا عجب فهو القائل: (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصية. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد, فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً)
فعلي (ع) في حركته إلى الله تعالى، وإمامته للأمة، وحفظه لرسالة السماء، والتضحية في سبيلها بكل غال ونفيس في الحقيقة العظمى أنه امتداد لحركة الأنبياء على طول حركة التأريخ فقد اجتمعت فيه سبعون خصلة من خصال الأنبياء؛ كما جاء عن النبي (ص): (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عبادته، وإلى إبراهيم في خلته، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهده، وإلى يحيى في ورعه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب فإن فيه سبعين خصلة من خصال الأنبياء)
وفي رواية أخرى أنه قال: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب)
وروى البيهقي بإسناده إلى النبي (ص) أنه قال: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب)
وعن زيد بن أرقم قال: (قال رسول الله (ص): من أحب أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي, ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي - فإن ربي غرس قضبانها بيده - فليتولى علياً فإنه لن يخرجكم من هدى، ولم يدخلكم في ضلالة)
فكما أن حياته امتداد لرسالة الأنبياء (ع)، فهي تربط الأمة بمسيرة الأنبياء (ع) على طول خط التأريخ، وهذا هو السر في التأكيد على حبه، وبيان فضائله وخصاله، ووجوب موالاته فهو الذي يربط أول الرسالة بآخرها, ومن هنا كان الحق يدور معه حيثما دار، كما جاء في الحديث الشريف قوله (ص): (من فارق علياً فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله)
وهذه الأحاديث الشريفة دلالة على أهمية الموضوع الذي نريد أن نبحثه؛ لندخل في رحاب شخصية علي (ع) لننوّر حياتنا بالنور العلوي الذي يمثل الإسلام بلفظه ومعناه, وهذا الأمر ليس بيسير، فحياته (ع) بحر محيط لا تدرك أطرافه، ولهذا ينبغي أن نقسم حياة علي (ع) إلى مراحل خمس، تأتينا في الحلقات الآتية للبحث.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com