موقع الصراط ... الموضوع : المضمون الفكري للأدب الإسلامي المعاصر
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المضمون الفكري للأدب الإسلامي المعاصر  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 19 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم: عماد الدِّين خليل
يثيرُ الحديثُ عن المضمون الفكري للأدب الإسلامي المعاصر جملةً من القضايا والإشكاليات، التي يصعب التعامل معها منعزلةً عن بعضها بسبب ارتباطها الوثيق. فهناك ظاهرةُ (المذهب الأدبي) الذي يعكس رؤيةً أو تصوراً فكرياً، وهناك قضيةُ (الالتزام) المتجذرة في الرؤية الفكرية، وهناك ثنائية الحداثة والتراث وانعكاساتها الفكرية، وما تتطلبه من توازن، وإلا جاء ذلك على حساب العمل الأدبي، وهناك -فضلاً عن هذا وذاك- مسألة (المنهج) ومنطلقاته الفكرية، وصولاً إلى إشكالية الأديب والفقيه وما تنطوي عليه من خلفيات فكرية.
وسنتتبع في هذه الكلمة المحاور الأساسية لقضية المضمون هذه، لكي نخلصَ في نهاية الأمر إلى مطالب أسلمة الأدب أو التأصيل الإسلامي للأدب، الذي يأتي في سياق إعادة صياغة المعطيات المعرفيَّة الإنسانيَّة وبنائِها من زاوية المنظور الإسلامي للكون والحياة والوجود والمصير.
أولاً: المذهبُ والمضمون الفكري:
من المعروف أنَّ المذاهبَ الأدبية كافَّة (فيما عدا البرناسية) تحملُ وتبشّر بمنظومة من القيم التصوّرية، كلٌ وفقَ الشبكة التي تؤسس لذلك المذهب. وإذا كان الأمر غائماً بعض الشيء في الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة وربما الرومانسية، فإنَّه واضحٌ تماماً في الواقعية والواقعية الاشتراكية والرمزية والوجودية، والمذاهب التالية كالسريالية والعبثية (الطليعية)، وتيارات الحداثة المتدفقة التي يضرب بعضها بعضاً ولا يزال.
في حالة كهذه ألا يحق للأدب الإسلامي أن ينطوي على مضمونه الفكري بما أنه ينبثق عن العقيدة الأوسع فضاء، والأغنى خبرات، والأغزر مفردات وعطاء، بوصفها إضاءة متفردة يلتقي فيها الوحي بالوجود، وتتلقى تعاليمها من الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وتفتح جناحيها على الإنسان والعالم والكون والمصير؟ إن الخبرة الإسلامية في أعمق مجاريها الإيمانية خفاء، وأكثر تجلياتها الفكرية إشراقاً، تضع بين يدي الأديب والفنان ثروة هائلة من المفردات، وشبكة عريضة من التجارب والرؤى والتأسيسات التي يمكن للأديب أن يحقق منها إسهامه في هذا الجنس الأدبي أو ذاك.
إنَّ المساحات التي تنسج فيها المضامين الفكرية للمذاهب الأدبية كافة لتتضاءل أمام الفضاء الواسع، والسماء الكبيرة والمفتوحة للمعطى الرؤيوي الإسلامي الذي لا حدود لشواطئه. إن المرء ليتذكر هنا عنوان كتاب للمفكر الفرنسي (رجاء غارودي) (واقعية بلا ضفاف)، وإن المضمون الفكري للأدب الإسلامي الذي يتعامل مع الواقع ولا ينفصل عن همومه وقضاياه بحكم ضرورات الالتزام، لا يأسره الواقع الضيّق الذي تعارف عليه الناس، ولكنه ينطلق إلى فضاءات الخبرة والرؤية اللتين لا أوّل لهما ولا انتهاء.
إنَّ الخصوصية الإسلامية التي هي وليدة الزمان والمكان، التي ينسجها لقاء العقيدة بالإنسان في هذه البيئة (المحلية) أو تلك، لا تتعارض مطلقاً مع التوجّه (العالمي) أو الإنساني، خارج قيود الزمان والمكان والبيئة والتاريخ؛ لأن الإسلام، في الوقت نفسه، توجهٌ أبدي صوب الإنسان في كل زمان ومكان؛ ولأن من أهدافه أن يصنع عالماً سعيداً لبني آدم جميعاً، وأن يعينهم على تجاوز متاعبهم وآلامهم، وإزالة الجدران والمتاريس التي تقف في دروبهم صوب أهدافهم المشروعة.
والإسلام، برؤيته الكونية، واستشرافه بعيد الآفاق، ونزوعه الشمولي، وتوازن الثنائيات في نسيجه: بين ما هو منظور وغيبي، وطبيعي وميتافيزيقي، ومادي وروحي، وثابت ومتغير، ومحدود ومطلق، وفانٍ وخالد... أقدرُ، إذا تهيأت له الأدوات الفنية المتمرسة والخبرة العميقة، على إبداع أدب عالمي يهمّ الإنسان في إطار المعمورة ويمكن أن يفرض ترجمته إلى كل لغة حية. ولكن، وكما تؤكد القاعدة النقدية المعروفة، فإن العمل الأدبي الكبير لا يحقق عالميته وانتشاره إلا من خلال أصالته وخصوصيته؛ أي من خلال تحركه من الخاص المحدّد إلى العام المفتوح، كي لا يغدو عملاً تجريدياً، وكي يكسب ملامحه وتكوينه الحيوي، ونسيجه ذا اللحم والدم والملامح المتفردة.
ويقيناً فإنَّ (الإسلامية) هي غير (الكلاسيكية) أو (الرومانسية) أو (الكلاسيكية الجديدة) أو (الواقعية) أو (الطبيعية) أو (الواقعية الاشتراكية) أو (الرمزية) أو (السريالية) أو (الطليعية) أو (المستقبلية) إلخ. إنه مذهب متميز، قد يلتقي مع هذا المذهب أو ذاك لقاءً جزئياً، ولكنه يبقى مذهباً أدبياً إسلامياً مستقلاً؛ لأنه في الأصول والكليات لا يمكن بحال أن يلتقي مع أي من المذاهب الأخرى؛ إنه إذا حدث أن تم لقاء ما في "الشكل" فإنه يندر على مستوى "المضمون" و"المذهب" عموماً. إن نقاط الخلاف أكبر بكثير وأعمق بكثير من نقاط اللقاء، فها هنا ينبثق المذهب الإسلامي في الأدب عن رؤية تصدر عن الله سبحانه، الذي أنعم على البشرية بالدين القيّم؛ الإسلام، وهناك تنبثق المذاهب الأدبية عن رؤى بشرية وضعية قاصرة، تتضمن الكثير من المناقص، والأخطاء، والثغرات، والأحكام النسبية، والاختلال، والتطرف، والشذوذ.
وإذا كان هذا الأمر لا يتضح على مستوى الشكل بحكم حياديته في كثير من الأحيان، فإنه يبدو بالوضوح الكامل على مستوى المضمون، وما دام المضمون يتلبّس (المذهب) ويدخل في صميم نسيجه، فإنَّ التباعد بين (الإسلامية) والمذاهب الأخرى يصبح أمراً محتوماً إلا في حالات عرضية لا تصلح أن تكون قاعدة يقاس عليها. وتزداد الهوة اتساعاً في المذاهب الأكثر حداثة وبخاصة البنيوية وما بعد البنيوية والتفكيكية؛ إذ تمارس الرؤية الفكرية في بنيانها ومعطياتها دوراً كبيراً.
وعند إلقاء نظرة سريعة على أي عمل أدبي واقعي، أو طبيعي، أو واقعي اشتراكي، أو سريالي، أو طليعي، أو حداثي، فإننا سنجد أنفسنا إزاء تيارات تتدفق في معظمها باتجاه مناقض لمجرى القيم والرؤية والتصوّر الذي ينبثق عن الإسلام، وهذا يؤكد ضرورة أن يكون للإسلاميين مذهبهم الأدبي المتميز، وألا يلتفتوا ذات اليمين وذات الشمال طالبين المعونة من هذا المذهب أو ذاك، إلا بقدر ما يمكنهم ذلك من أدواتهم الفنية، ويزيدهم قدرة على (التعبير الجمالي المؤثر) للتصور المتفرد الذي يحملونه، أو التجربة الخصوصية التي يعيشونها أفراداً وجماعات.
إن رفض تسمية (الإسلامية)، أو إلحاقها بأي من المذاهب الأدبية المعروفة، لا يعني البتة الانغلاق والتشنج وعدم الانفتاح على معطيات الآخرين شرقية كانت أم غربية، ولا بدّ، إذا أريد للأدب الإسلامي أن يزداد نموّاً ونضجاً واكتمالاً، وأن يزداد تأصّلاً في الوقت نفسه، أن ينفتح ما وسعه الجهد، وأن يتابع المعطيات الأدبية في العالم كله، يوماً بيوم وساعة بساعة، وأن يأخذ ما وسعه الجهد على مستوى (التقنية)، بل حتى على مستوى المضامين، على ألا يدخل في مجراه النقيّ، المتفرّد، العميق، أي جسد غريب قد ينقل إليه عدوى هذا الوباء أو ذاك، مما يكتسح فكر الغرب ورؤاه وتصوّراته.
ثانياً: الالتزام:
كيف يتم الربط بين الركنين الأساسيين للعمل الأدبي: التعبير الجمالي المؤثر، والتصوّر الإسلامي للوجود؟ ما هي طبيعة الخيط الذي سيشدهما، ويمكّن الأديب المسلم من تقديم أعماله الإبداعية على المستويين الجمالي والفكري معاً؟
هنا يأتي دور (الالتزام)، والالتزام ليس نظرية جديدة لكي يقال إننا ندعو إلى تقليد الغير. ومع أنَّ الأخذ عن الغير ليس خطأ بحد ذاته، بل العكس هو الصحيح؛ إذ الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحق بها، فإن الدعوة إلى الالتزام، وعدّه (الوسيط) الضروري والطبيعي في الوقت نفسه، بين الجمال والفكر، بين الإبداع والتصور، إنما تستمد مقوّماتها من القرآن الكريم نفسه، ومن السّنة النبوية قولاً وعملاً، فضلاً عن السوابق التاريخية لجيل الصحابة والروّاد ومن تبعهم بإحسان.
((والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم ترَ أنهم في كل وادٍ يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)) (الشعراء: 224-227)
فنجد أنفسنا إزاء دعوة صريحة واضحة للالتزام. فها هنا يبدو (الشعر) الذي لا يلتزم خط الإيمان والحركة والفعل، شعراً كاذباً، لا يملك ثقلاً نوعياً وشخصية مستقلة، وأصالة ذاتية تجعله يقف شامخاً في مواجهة الناس، حاضراً في عقولهم وشعورهم وأرواحهم، شعراً يبلغ من تفلّته من الرؤية الفكرية، وهروبه من القضايا الأساسية التي تهم الإنسان، أن يخف ويخف حتى تطيش به الموازين، وحتى يتنقل من مكان إلى مكان، دون توجه محدّد وهدف واضح. لا يستقر على حال، ولا يحفظ لقيمة من القيم حرمتها وديمومتها. إن شعراً كهذا قد يمدح اليوم ما كان قد هجاه بالأمس، وقد يهجو غداً ما كان قد مدحه اليوم، وذلك معنى أن شعراء كهؤلاء (يهيمون) (في كل واد) ((والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم ترَ أنهم في كل وادٍ يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)) إننا نقرأ في كتاب الله:
إنَّ الشعر حصان جموح، لن يسلس قياده إلاّ للقلة الفذة، إنَّه تدفق عفوي يَنِدُّ عن سيطرة العقل وأحكامه، هو تخلّق ذاتي يجيء من وراء أبواب الرسم والإرادة والتخطيط، إنه عالم بذاته ولذاته، ومن ثم قد لا نستغرب إذا طالعنا رأي (سارتر) المعروف بأن العطاء الشعري عطاء غير ملتزم، وبقدر ما يتاح الالتزام في ساحة النثر، فإنه في ميدان الشعر يصعب، بل يستحيل!
والقرآن الكريم يعرض المسألة من زاوية أكثر موضوعية وشمولاً، إنه يؤكد على أن التجربة الشعرية هي تجربة هيمان غير عقلاني، يتحول، دون ضابط أو مبرّر، من مكان إلى مكان، ومن موقف إلى موقف، فهو غير ملتزم أبداً، إلاّ أن يأوي إلى ساحة الإيمان، وإلاّ أن يكون مجاهداً أو مقاتلاً. والشعر الأصيل، بوصفه واحداً من الأنواع الأدبية الرئيسية، هو الشعر ذو الشخصية، الشعر الذي يحمل وظيفة كبيرة ويدعو إلى فكرة كبيرة ويدافع عن عقيدة كبيرة، وإلا فإنه الهيمان، التفكك، والتبذل، والانحلال. ويستطيع المرء، بإلقاء نظرة على حشود الشعراء عبر تاريخ البشرية، أن يلتقي بعدد جمّ منهم، ما كان شعرهم بأكثر من نزوة عابرة، وصدور عن رؤية موقوتة، وامتداد لمصلحة قريبة. لقد هزّ كثير من هؤلاء مستمعيهم وأطربوهم، نعم! ولكنهم فقدوا بمرور الوقت قدرتهم على التأثير؛ لأن الشعر القدير على التأثير الدائم، والحضور المتواصل، هو الشعر الذي يحمل الأفكار الكبيرة.
وهكذا توجه الآيات القرآنية حملتها التي لا هوادة فيها ضد الشعراء، ولكنها ما تلبث أن تستثني منهم أولئك الشعراء الملتزمين (الذين آمنوا... وانتصروا من بعد ما ظلموا)؛ إذ هنالك حيث تتحول الكلمة المبدعة إلى سلاح يقاتل به المؤمنون، ويغدو الإبداع فعلاً وممارسة وسلوكاً.
إنه من هندسة الشاعر المؤمن المرسومة، لكلماته، وتعابيره، وأفكاره، ومضامينه، وصوره، وأخيلته، وتراكيبه، ومن قدرته على تطويع التجربة المتدفقة من وراء الوعي والشعور والتعقّل، ومن تمكنه من ليّ عنقها واستخدامها لما هو أكبر: رؤيته الدينية الشاملة، وإيمانه العميق. ومن هنا يبدو تألق الدور الذي يمارسه، ليس على مستوى الشعر الإسلامي، وحده، بل على مستوى الشعر العالمي كله. إن الشاعر المؤمن يقاتل جاهلية عصره، والشعر المقاتل يكون ملتزماً بالضرورة؛ لأن المقاتل الحق لا يحمل إلى المعركة سلاحاً لا يعرف كيف يطلق منه رصاصة أو سهماً. ومعركة الشعر الملتزم هي معركة شعراء كبار عرفوا كيف ينحتون الكلمة، وكيف يضربون بها الأهداف.
ليس ثمة فوضى أو تخبط، وليس ثمة ضرب في غير ما هدف على الإطلاق. إن الشاعر المؤمن يعرف كيف ينظر إلى العالم وهو يكتوي بحرّ التجربة الملتهبة، فلا ينصهر ويخرج عن دائرة الالتزام، ويعرف كيف ينظر من نافدة المنظومة الفكرية التي انتمى إليها، وكيف يطل على العالم من فوق، ومن المكان العالي الذي رفعه إليه الإيمان، هنالك حيث يرى جيداً المسالك والمنعرجات والدروب، وحيث يرى مساحات الضوء وبقع الظلام، وحيث يعرف خارطة الأشياء فلا يتردد ولا يتأرجح ولا يهيم. إن الآيات القرآنية الآنفة تتضمن، إذن، دعوة صريحة واضحة للالتزام، ولكنه يتحتم أن يكون التزاماً (مرنا)، وإلاّ فهو القيد الذي يغلُّ العمل الأدبي، والجدار الذي يقف في مواجهة الإبداع، والتيبّس الذي يميل بالمعادلة الأدبية عن سويتها المطلوبة، ويجنح باتجاه التقرير الفكري على حساب القدرة الإبداعية.
ثالثاً: الحداثة والتراث:
هناك مساحة واسعة من القلق والغموض بصدد الموقف من ثنائية الأصالة والمعاصرة، أو التراث والمعاصرة، التي تبدو في أكثر صيغها جدة فيما اصطلح عليه بتيار الحداثة، وتأتي في هذا السياق معضلة التعامل مع المعطى الغربي بشكل عام.
وتأخذ هذه الإشكالية صيغاً شتى، من بينها على سبيل المثال ذلك الاعتقاد الخاطئ، السائد لدى العديد من الأدباء الإسلاميين، بأن احترام التراث يوجب رفض الحداثة والتنكر لها، أو أن قبول بعض حلقات الحداثة يعني بالضرورة التنكر للتراث. ولقد ثار جدل كثير حول هذه المسألة التي بنيت على فرض خاطئ، فإن أحد القطبين لا ينفي الآخر بالكلية بل يمكن أن يجد فرصته للتحقق جنباً إلى جنب.
ابتداءً، فإن الأدب الإسلامي المعاصر لا تتشكل ملامحه ولا تتحدّد شخصيته المتميزة إلاّ بالتجذر في اثنتين: العقيدة والتراث، وإلاّ فقد خصوصيته، فإذا كانت الأصول العقدية للأدب الإسلامي مما لا يختلف عليه اثنان، فإن التراث بوصفه معطى وضعياً ينطوي على هامش من الحرية تفسح المجال للانتقاء. فإذا سلمنا بأن ممارسة كهذه لا تعني بالضرورة نفياً للتراث، لم يبق ثمة حجة للاصطراع الموهوم بين فئتين من أدباء الإسلامية تلتصق إحداهما بالتراث بأكثر مما يجب، حتى إنها لا تكاد تترك بينها وبينه فاصلاً مناسباً للرؤية الصائبة، التي تتيح الأخذ أو الرفض على هدى وبينة، وتبعد الفئة الأخرى صوب الطرف النقيض مدّعية أن الأدب الإسلامي ما دام يحمل لافتة "المعاصرة" فإن عليه أن يفك ارتباطه بالتراث.
إنَّ إحدى خطوات تعديل الوقفة الجانحة لأدبنا الإسلامي هي إزالة هذا الوهم، وتحقيق التصالح الموزون بين التراث والمعاصرة. وإن حركة الأدب الإسلامي هذه لهي "معاصرة" بقدر ما يتعلق الأمر بتنظيراتها، وجانب كبير من ممارساتها النقدية والدراسية، كما أنها "معاصرة" باستعارتها العديد من التقنيات الإبداعية المتقدمة لدى الآخرين، وخاصة الغرب. وهي "تاريخية" بقدر تجذرها في المعطى التراثي الخصب ذي الخبرات المتراكمة عبر العصور، وليس أقلها محاولات سابقة مثل نظرية النظم للجرجاني؛ إذ نجد تأسيساً بنيوياً في التعامل مع النص من داخل نسيجه الخاص، وكذلك المعطيات البلاغية في مجال المجاز والاستعارة والكناية إلخ. مما يمكن أن يطلّ برأسه على (الانزياحية) الأكثر حداثة، التي بالغت في التباعد بين اللغة ومطالبها من ناحية، وبينها وبين دلالاتها التعبيرية غير المباشرة من ناحية أخرى، ووضعت معايير نقدية قد تصدق حيناً وقد لا تصدق أحياناً.
إنَّ تيَّار الحداثة في سياقيه النقدي والإبداعي سلاح ذو حدين، فهو قد يمنحنا أدوات عمل جيدة في الممارسة النقدية، تكشف وتحدد وتضيء وتتجاوز بالناقد حافات "الذاتية"، التي مارست لزمن طويل إصدار أحكامها الارتجالية، وفرضت ميولها وذوقها الخاص على النص بنوع من المصادرة التي تبعد بالنشاط النقدي عن موضوعيته المرجوة. كما أن الحداثة "الإبداعية" يمكن أن تعطينا خبرات وصيغاً جديدة، وتكسر بعض التقاليد الفنية العتيقة باتجاه تقاليد أكثر جِدَّة وملاءمة، وتضع قبالة المبدع حالات مدهشة في توظيف التقنيات الفنية.
رابعاً: غياب المنهج:
تغيّم على العديد من الأدباء الإسلاميين طبيعة الجهد الأدبي، وما ينطوي عليه من حلقات يرتبط بعضها ببعض ويفضي بعضها إلى بعض، الأمر الذي قادهم إلى تجاهل بعض الحلقات أو إهمالها على الرغم من أهميتها القصوى، فترك ذلك فجوات في معمار الأدب الإسلامي المعاصر لا بدّ من معاينتها جيداً، والسعي لتداركها؛ لاستكمال البناء، وتمكينه من رفع الخطاب الأدبي الإسلامي بأقصى وتائره فاعلية وتكاملاً. وقد دفع هذا التجاهل أو الإهمال بعض الباحثين من خارج دائرة الإسلامية، في أحسن الأحوال، إلى عدّ الإسلامية "معياراً" وليس "مذهباً" ولا "مدرسة أدبية"، إنما هو "رؤية ترتبط في أساسها بالإسلام، وتهدف إلى إبراز أدب يحمل قيماً إسلامية ترتبط في عمقها بالنص القرآني."
إنَّ استنتاجاً كهذا، على كونه يمثل مقاربة أكثر جدِّية للأدب الإسلامي المعاصر قياساً على أولئك الذين ينكرون، ابتداءً، حضور أدب كهذا، فإنه ينطوي على جملة من الأخطاء قد تكون مناقشتها، بإيجاز، فرصة لتحديد أبعاد الجهد الأدبي عموماً، وإحالة المعطى الإسلامي عليه؛ لتبّين الحلقات التي نفذها من تلك التي لا تزال تنتظر التنفيذ. فهل الأدب الإسلامي أدب معياري يستمد قيمه من الرؤية الإسلامية، ويهدف إلى تكوين معطيات إبداعية تحمل هذه القيم وترتبط بها؟ بعبارة أخرى: هل هذا الجانب، الذي لا يكاد يختلف عليه الإسلاميون أنفسهم، هو الطرف الوحيد في الصورة؟ وهل أن الأدب الإسلامي لم يرق إلى أن يكّون مذهبه الخاص أو مدرسته المتميزة؟
لا ريب أن البداية الصحيحة للإجابة عن هذا السؤال تقتضي متابعة متأنية لطبيعة النشاط، أو المعطى الأدبي المعاصر على إطلاقه؛ أي في إطاره العالمي، لتبّين أنماطه وطبقاته، وللإحاطة بمعماره الشامل ذي النسب والأبعاد والتكوينات ذات الارتباطات الصميمة بين بعضها والبعض الآخر. فالنشاط الأدبي ليس إبداعاً فحسب، كما أنه ليس –فقط- قراءة نقدية للنص، وإنما هو -فضلاً عن هذا وذاك- مذاهب أو مدارس في الإبداع تتشكل وفق المنظور أو الإطار الشامل، الذي يتكون العمل الإبداعي في رحمه، كما أنه "مناهج" و"طرائق" لدراسة الأدب وتصنيفه وفق سياقاته في الزمان والمكان، وفي ضوء قوانينه وارتباطاته الداخلية، ثم هو، في نهاية الأمر، "نظرية" شاملة تلمُّ هذا كله، وتبحث عناصر الارتباط والتأثير والتأثر بين طبقاته، وتؤشر على النسب والأبعاد بين معطياته، ثم تسعى لاستخلاص التوجهات الشمولية التي تندرج فيها، وتصب مفردات النشاط الأدبي كافة لكي تصوغ توجهاً ذا شخصية محددة وملامح متميزة.
ومن أجل مقاربة أدق للمسألة، فإنَّ لنا أن نتصور المعطى الأدبي معماراً ذا طبقات عديدة وتكوينات شتى، يرتبط بعضها بالبعض الآخر، وفق منظور أفقي أو عمودي، ارتباط المقدمات بالنتائج، والأسباب بالمسبّبات. فإذا سلّمنا بذلك، أدركنا أنَّ أيَّ أدب متميز لا بدّ أن ينطوي على الطبقات جميعاً، وأن يسعى أصحابه ما وسعهم الجهد لاستكمال تكويناته كافة، وعرفنا كذلك أنَّ الاستنتاج السابق حول معيارية الأدب الإسلامي الذي لا يملك مذهباً أو مدرسة، إنما هو فرصة للاختبار، لعودة الإسلاميين إلى تقليب دفاترهم لتبيّن صدق هذا الاستنتاج أو خطئه.
وأيضاً، سيكون هذا الاستنتاج تحديّاً محفزاً لاستكمال البنيان في حالة وجود نقص ما، والوقوف بالأدب الإسلامي بعمارته المتكاملة نداً للآداب العالمية المعاصرة، التي تملك أدواتها ومستلزماتها كافة. وعلى ذلك، فإنه بمتابعة التيارات التي تغذي نهر النشاط الأدبي المعاصر، على وجه الخصوص، يتبيّن، وهذه مسألة يتحتم أن تكون بدهية بالنسبة للمعنيين بالأدب كافة، أنَّ هناك:
1- المعطيات الإبداعية وفق أنواعها المعروفة التي تشكل قاعدة البناء كله.
2- المنظور أو الرؤية الشمولية التي تتشكل بموجبها هذه المعطيات.
3- المدرسة أو المذهب الأدبي كالكلاسيكية، أو الرومانسية، أو الواقعية، أو الوجودية، إلخ. وهو نتاج المعطيات السابقة.
4- الجهد النقدي الذي يسعى لإضاءة الأسس الجمالية للنص الإبداعي، فيضع له المبادئ والقواعد والأصول، ثم يبدأ في تنفيذها وفق نشاط تحليلي يستهدف الوصول إلى القيم الفنية للنصّ، ودلالاته المضمونية، وطبيعة ارتباطه بالمضمون أو المذهب الذي ينتمي إليه.
5- الطريقة أو المنهج الذي يدرس الحركة أو الظاهرة الأدبية عبر مساراتها الشاملة في الزمن والمكان، وفي ضوء قوانينها وارتباطاتها الداخلية الصميمة.
6- النظرية التي تلّم هذه المعطيات وتنطوي عليها جميعاً.
وعلى ذلك فإذا كانت الإسلامية قد أبدعت أدباً وفق هذا النوع أو ذاك؛ أي في دائرة الشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح، إلخ. وإذا كان هذا الأدب ينبثق بالضرورة عن منظور متميز، أو رؤية متفردة، هي الرؤية الإسلامية بخصائصها وميزاتها جميعاً، أفلا تكون الإسلامية بالتالي، مدرسة أو مذهباً متميزاً بين الآداب بمذاهبها كافة؟!
حتى إذا ما قفلنا عائدين باتجاه الطبقة أو المحور الخامس للمعطى الأدبي، والمتمثل في منهج متميز في الدراسة الأدبية، سواء أكانت هذه الدراسة منصبة على الأدب العربي، قديمه وحديثه، أم على الأدب العالمي في أصقاعه ومراحله كافة، فإننا قد نجد خللاً ما أو نقصاً ملحوظاً في دائرة الإسلامية، التي يبدو أنها لم تبلور لحدّ الآن منهجها الدراسي الخاص بها، وإن كانت قد وضعت خطواتها على الطريق.
ها هنا يمكن أن يكون الاستنتاج السابق على قدر من الصواب، ويمكن، كذلك، أن يكون تحدّياً مناسباً للردّ؛ الأمر الذي قد يضيف إلى الحركة الأدبية الإسلامية إضافة جادَّة ذات غناء، ويكفيها مؤونة اللجوء إلى هذا المنهج أو ذاك لتنفيذ دراستها لآداب الأمم والجماعات والشعوب، ومع ذلك فإننا يجب أن نلاحظ حشداً من المفردات والتقنيات وصيغ التعامل الإسلامي مع الآداب الأخرى، يمكن في حالة لمّها وإضاءتها أن تبيّن ملامح أو أوليات منهج متميز ذي خصائص مستقلة في دراسة الأدب، ولكنه يكاد يضيع عبر تفرقه في الأنشطة الأدبية الإسلامية؛ إذ يصعب على المرء أن يقول بصيغة الجزم والقطع هذا هو المنهج الإسلامي في الدراسة الأدبية.
إنَّ هذه مسألة مهمة؛ فمجموع معطيات الإسلاميين في الطبقات الخمس الأخرى تشكل، ولا ريب، بذور منهج للدراسة يكتسب من الرؤية الإسلامية خصائصه ومكوناته. وإذا كان لهذا الأدب منظوره المتميز للإبداع، وللتأثيرات الزمنية، وللتأثيرات البيئية، فإنَّ منهجاً متميزاً للدراسة الأدبية سيتمخض بالضرورة عن هذا كله، وقد يحتاج الأمر إلى وقت كافٍ لبلورة الملامح، إلاّ أنَّ المسألة التي لا ريب فيها، هي أنَّ المواد الأولية لتشكيل المنهج قد أخذت تتجمع في أيدي الدارسين. ويجب أن نتذكر بأن التحليل النقدي يمضي -في كثير من الأحيان- لكي يغذي منهج الدراسة.
خامساً: إشكالية الفقيه والأديب:
وهذه إشكالية أخرى انحرف بها المسار في دوائر الإسلاميين، وأرغم القطبان، بدرجة أو أخرى، على أن يدير أحدهما ظهره للآخر، متعمداً حيناً، أو بتأثير من الكسل العقلي وضعف الإحساس بالمسؤولية في معظم الأحيان.
لقد وضع الطرفان، نتيجة قناعات أو ممارسات خاطئة، في حالة تضاد، رغم أنهما، ابتداء، متوافقان يرشد أحدهما الآخر، ويضع إشارات المرور في دروبه ومسالكه كي لا يضل الطريق، ويخرج، بزاوية ضئيلة أو منفرجة، عن رؤيته ونبضه وخصائصه الإسلامية، ويضع ثانيهما التحديات والأقضية الجمالية والإبداعية قبالة الآخر، فيدفعه إلى المزيد من الكدح الذهني؛ لإيجاد الاستجابات المناسبة في ضوء الضوابط الشرعية والمقاصد العليا.
إنَّ الطرفين يستمدان من نبع كتاب الله، وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، واجتهادات الأجداد والآباء، وكلاهما يحرص على أن يؤدي وظيفته "الاجتهادية" أو "الإبداعية" في ضوء تصورات هذا الدين ومقوماته الأساسية. هذا يتساءل، وذاك يجيب؛ هذا يبدع وذاك يرشد الإبداع، من أجل ألا يخرج عن جلده وبصماته الإسلامية، ومن أجل أن يمنح الأديب المزيد من المساحات التعبيرية "المشروعة"، التي يمكن أن يتحرك خلالها، ويغزل من خيوطها خبراته وأعماله.
ولكي يكون المرء منصفاً لا بدّ من التأشير على جملة عوامل مارست دورها السيئ في حفر الخنادق بين الطرفين، وجعل القطيعة بينهما تكاد تكون القاعدة التي لا تزعزعها الاستثناءات. ومن بين هذه العوامل أن الفقيه، عبر قرون الفصام النكد بين الدين والدنيا، انسحب من الحياة بعد أن كان يقودها ويصنعها، وبمرور الوقت لم يعد أحد يرجع إليه لكي يستفتيه، إلا في الأحوال الشخصية أحياناً، ولم يعد هو راغباً أو قادراً على تقديم الجواب المطلوب. فإذا كان في الأمور الحيوية الأكثر إلحاحاً لا يمارس حضوره، فكيف بالنسبة لما يمكن عدّه من المسائل الكمالية، أو ربَّما الثانوية كالجمال والإبداع؟!
وأدباء الإسلامية من جهتهم، وبسببٍ من عجز بعضهم وقصوره وتضحُّل معارفه الشرعية، وجدوا في انسحاب الفقيه، أو سلبيَّته، فرصة ملائمة للمضي في الطريق منفردين، واستسلموا لنوع من الكسل العقلي، الذي يغريهم باجتهاد سريع للرأي بخصوص العديد من المسائل الجمالية والإبداعية، دون أن يدركوا أنَّ موقفَهم هذا قد يقودهم إلى ما لا تحمد عقباه، وما قد يمثل ارتطاماً بالمطالب الفقهية ابتداءً، وليس أدلّ على ذلك من اضطراب الرأي في الحلقات الإسلامية بخصوص ظهور المرأة على المسرح، فمن قائل بالتحريم ومن قائل بالتحليل دون أن يكلف هؤلاء وهؤلاء أنفسَهم باستدعاء الفقيه. وغيرُ هذه المسألة جملةٌ من التحديات تحتِّم عودة اللقاء بين الأديب والفقيه لكي يخرج الطرفان بما يحمي الشخصية الإسلامية للأدب من التضحل أو التناقض، وبما يمنح الأديب نفسه الفرصة لتأصيل أعماله الإبداعية وجعلها أكثر قدرة على الأصالة والتميز.
إنَّ أساس المشكلة يكمن في أنَّ الفقيه لم يعد يأبه لمطالب المعرفة الإنسانية في سياقاتها كافة، بما في ذلك الآداب والفنون التي قد يراها أمراً ثانوياً غير ذي قيمة. لقد وضع نفسه، مختاراً، في دائرة المعرفة الشرعية وأوصد دونها الأبواب، فانعزل، بذلك، عن تيارات العصر الصاخبة وتحدياتها التي لا تكف عن التجدد والاضطراب. ولم يعد، بالتالي، يملك القدرة على تنزيل المقصود الشرعي على الواقع، وتقديم الاستجابات المناسبة لتحدياته المتجددة. إنَّ الالتحام بالعصر لن يتحقق إلا بتجاوز الفقيه عزلة الثمانمائة عام، إذا صح التعبير، لكي يطل على معارف العصر، ويوغل في شرايينها، من أجل أن يكون حاضراً في صميم اللحظة التاريخية، قديراً على الإجابة المناسبة في اللحظة المناسبة، على كل سؤال، بما في ذلك تلك الأسئلة الملحّة في دائرتيْ الجمال والإبداع. ومن جهتهم لم يكلف أدباء الإسلامية، إلا قلة منهم لا تكاد ترى على الخارطة، أنفسهم للتزود بالمعرفة الشرعية الضرورية، ولو في حدودها الدنيا، لحماية نشاطهم الإبداعي من التسيب أو الترهل على حساب التصورات الأساسية لهذا الدين.
سادساً: حول التأصيل الإسلامي للأدب:
في ضوء المعطيات السابقة، يبدو أنَّ التأصيل الإسلامي للأدب، أو تشكّل أدب يعكس التصوّر الإسلامي للكون والحياة والوجود والمصير، ضرورةٌ من الضرورات بل بداهةٌ من البداهات، إذا وضعنا في الحسبان ما تحقق من منجزات في ساحة هذا الأدب. فبعد ما يقرب من نصف قرن على تشكُّل حركة الأدب الإسلامي المعاصر، بالمواصفات والشروط التي صاغها الروّاد الأوائل، تمكَّن هذا الأدب أن يحقق حضوراً مؤكداً. وكان المخاض عسيراً، والنتاج شحيحاً، لا يكاد يرى على خارطة المذاهب والمعطيات الأدبية المهيمنة على الساحة. ومع القلة والتعثر إنكارٌ ملحوظ مارسه القريب والبعيد لحصار الظاهرة ووأدها. لكنها بقوة الدوافع التي بعثتها إلى الوجود، مضت تشق طريقها، وما لبث النبع أن راح يتدفق خصباً وعطاء، وهو يَعِدُ بالمزيد. وأصبح لهذا الأدب حضوره الملحوظ في الساحة، وراح نتاجُه يتزايد بصيغة متوالية هندسية قدمت للقارئ في كل مكان من عالم الإسلام، عشرات ومئات وألوفاً من البحوث والمقالات والدراسات والكتب، ومثلها من الأعمال الإبداعية في سياق الأنواع الأدبية كافة.
كما أنَّ هذا الأدب قدر على توظيف جلّ الآليات والقنوات الممكنة لتحقيق حضوره وانتشاره: الإذاعة، والتلفاز، والكاسيت، والفيديو، والقرص الليزري، والمجلة، والصحيفة، والندوة، والمؤتمر، والكتاب، فضلاً عن قيام مؤسسة عالمية تتبناه وتدعو إليه، وتمارس أنشطتها المكثفة في سياقه، تلك هي (رابطة الأدب الإسلامي العالمية)، هذا إلى اختراقه جدران الأكاديمية واستقطاب أساتذة الأدب وطلبته، وإنجاز العشرات وربما المئات من بحوث الليسانس ورسائل الدبلوم والماجستير والدكتوراه، التي استقت موضوعاتها من نهره المتدفق دراسة ونقداً وتنظيراً وإبداعاً. وبمرور الوقت أخذ الأصدقاء والخصوم معاً، ممن كانوا لا يعترفون بشيء اسمه أدب إسلامي "معاصر" يسلِّمون به على مضض، أو بقوة الاقتناع، ويقبلون تمثيله وحضوره في هذا المجال أو ذاك من مجالات الدراسة، والبحث والخطاب.
إنَّ الأدباء الإسلاميين، وهم لا يزالون في مطلع قرن جديد، يجدون أنفسَهم قبالة حركة متميزة تزداد تجذراً وانتشاراً وعطاءً، فيما يتوجب عليهم المزيد من المسؤوليات ولا ريب، والتوقف بين الحين والحين لمراجعة الحساب، وممارسة النقد الذاتي، وتحديد النقائص والثغرات، ثم مواصلة المسير بأكبر قدر ممكن من شروط الإتقان والإحسان، من أجل التمكين لهذا الأدب في الأرض، وإقناع "الآخر" بأنَّه أدب يستحق التقدير والاستمرار، وبأنَّه يوازي المعارف الإنسانية الأخرى التي عنيت بها (أسلمة المعرفة) من مثل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والسياسة، والإدارة، والاقتصاد، إلخ.
مضت الحركة الأدبية تشقّ طريقها لكي تملأ الفراغ الملّح، خاصة إذا تذكرنا قدرة الخطاب الأدبي والفني على التأثير في الآخر، وتذكرنا في الوقت نفسه، ما فعلته وتفعله آداب الأمم الأخرى وفنونها في تشكيل العقول والنفوس، أو إعادة تشكيلها، وتذكرنا، مع هذا وذاك، أننا نعيش عصر (الإعلامية) و(الفضائيات) التي تنفتح على العالم كله، وهي تتطلب جهوداً فائقة ومتواصلة لإنتاج النصوص الأدبية والفنية الملائمة للإخراج التلفازي والسينمائي والمسرحي. إنَّ الخطاب الأدبي والفني يظل واحداً من أكثر الصيغ قدرة على الإثارة والإقناع، وصوتاً يملك إمكانية اختراق سمع الإنسان المعاصر وعقله ووجدانه، والوصول إلى عمقه الفكري والذوقي والروحي والسلوكي لتقديم قناعاته وتصوراته.
لقد أفاد "الآخر" من هذه الفرصة المفتوحة، ووظفها إلى الحدّ الأقصى من قدراتها المتاحة، ومارس من خلالها دوراً مزدوجاً، فأكد بمعطياتها ذاته وموقفه وفلسفته وتصوراته ومنظوره للحياة والإنسان والعالم، وهاجم، في الوقت نفسه، رؤى الآخرين وتصوراتهم وقناعاتهم، فعرضها لسلسلة متواصلة من الهزات، مستهدفاً تدمير ثقة الخصم بقيمه وخصوصياته، ووضعه في منطقة الفراغ أو الانخفاض الجوي، وتجريده من سلاحه، وقطع جذوره بعقيدته وتراثه وتاريخه، وجعله، في نهاية الأمر، يتقبل كل ما تأتي به رياح التشريق والتغريب.
إنهم يشدِّدون حصارهم أكثر فأكثر، يعينهم على ذلك هذا التقدم الأسطوري في تقنيات الخطاب الأدبي والفني وبخاصة التلفاز والسينما والقرص والكاسيت، فضلاً عن التفنُّن في إخراج الكلمة المكتوبة مشخَّصة على الشاشة الصغيرة في عالم متقارب يزداد التصاقاً يوماً بعد يوم، ويغدو قرية صغيرة لا يستطيع أحد أن يهرب من مرئياتها وخبراتها، التي تطرق على رأس الإنسان المعاصر وسمعه وبصره صباح مساء.
خاتمة:
نحن في عصر الكهرباء والميكانيك، نعم! وبقدر ما يتطلب منَّا هذا أن نزيد في فعاليتنا؛ لكي يكثر فينا من الخبراء والمهندسين من يملك القدرة على أن يبتكر جهازاً أو يضيف إلى حقل الإنتاج رقماً جديداً، فإنَّنا بحاجة، في الوقت نفسه، إلى أن يكثر فينا من الأدباء والفنانين من يملك القدرة على أن يقدم عملاً مبتكراً، أو يضيف إلى مكتبتنا الإسلامية كتاباً جديداً.
إنَّ موازنة صوت الآلة الصارم لا تكون إلاّ بصوت الفن المؤثر الجميل، وإنَّ عالماً يأخذ بخناقه التكاثر بالأشياء لا ينفكُّ طوقه القاسي إلا بضربات ذلك الأدب، الذي يعرف كيف يُخرج الناسَ من ضيق الدنيا إلى سعتها. لقد جاء الإسلام لكي يمارس هذا التحرير، فما أجدر أن تعتمد قدرات الأدب لتعزيز المحاولة وإعانتها على التحقّق! لقد أحسن "مكتب الأردن للمعهد العالمي للفكر الإسلامي" صنعاً باستضافة مجموعة من أدباء "مكتب رابطة الأدب الإسلامي العالمية في المغرب"، من المعنيين بالهمِّ الأدبي الإسلامي لمناقشة جملة من القضايا المتعلقة بالمضمون الفكري للأدب الإسلامي، ولعلَّ مبادرةً كهذه تتحول إلى "تقليد" متواصل في التعاون والتنسيق بين (المعهد) و(الرابطة)، بسبب الهدف المشترك في التأصيل الإسلامي للمعرفة الإنسانية، التي يشكل المعطى الأدبي والفني مساحة واسعة ومؤثرة في نسيجها.
فأسْلَمةُ المعرفة والتأصيلُ الإسلامي للأدب، كل منهما التزام مبدع بمنظومة الخبرات والقيم الفكرية للإسلام، وجهد جادٌّ في بناء هذه القيم، وتقديمها للناس بأشد وتائر القدرة على التأثير، حتى لا ينفرد بالساحة سعيٌ مرسوم لهدمها وجهد متصل لإشاعة "قيم" وضعية مضادة في الفكر والأدب والحياة.
ولكنَّ الإبداع الأدبي في أجناسه كافَّة، ينطوي على بعد آخر يلتحم بالبعد الفكري، ويمكنه من التأثير في المتلقي، يتمثل في منظومة القيم الجمالية؛ لذلك فإنَّ التأصيل الإسلامي للأدب يتحتّم ألاّ يغفل عن إيلاء الاهتمام البالغ بهذا البعد، وأن يبحث ما وسعه الجهد عن بدائل إسلامية للقيم الفنية الشائعة في الآداب العالمية، رغم إقرارنا، مسبقاً، بأنَّ معظم هذه القيم يحمل وجهاً محايداً يمكن توظيفه في هذا المذهب أو ذاك. ومع المضمون الفكري والقيم الجمالية، لا بدّ للأدب الإسلامي، وهو يسعى إلى المزيد من التأصيل، من أن يشكل منهجه المتميز في النقد والدراسة الأدبية، أسوةً بما فعلته وتفعلُه جلُّ المذاهب والمدارس النقدية في العالم.
المصدر: موقع إسلامية المعرفة
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com