موقع الصراط ... الموضوع : الحاكمية في رسالات الله
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الحاكمية في رسالات الله  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 20 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ محمد مهدي الآصفي
asife إنّ رسالات الله مجموعة متكاملة، تسير في اتجاه واحد، وتخطّط لحياة الإنسان وسلامته واستقراره، وتعبيده لله تعالى، وإعداده للغايات السامية التي خلقه الله تعالى من أجلها، وإذا كانت تختلف عن بعض في التفاصيل والأحكام التي تتطلّبها طبيعة المرحلية في هذه الرسالات، فإنّها لا تختلف عن بعض في جوهرها وأصولها وملامحها العامّة.
ولهذا السبب نعتقد أنّ من الأفضل أن ينطلق البحث في هذا الموضوع من موضع الحكم من رسالات الله تعالى، بشكل عام، ليستدرجنا البحث بعد ذلك إلى موضع الإسلام من هذه القضية، وموقعها منه.
فهناك كثيرون من المؤمنين بالله، مسلمين وغير مسلمين، يعتقدون أنّ مسؤولية رسالات الله تعالى، تنتهي عند دعوة الناس إلى عبادة الله، ضمن الطقوس الدينية المعروفة، ثمّ تهذيب الإنسان في خلقه وسلوكه، وتنظيم ما يتعلق بحياته الشخصية من زواج وطلاق وميراث، وما يتصل بذلك من الأحوال الشخصية.
وما عدا ذلك من شؤون الحياة، فأمره قد أنيط بالإنسان نفسه، يصنع ما يروق له، أو تمليه عليه ظروفه، بصورةٍ فرديةٍ أو اجتماعية.
وقد أدّى هذا التصور الساذج للدين ودوره في حياة الإنسان إلى إقصاء رسالات الله تعالى عن أكثر مجالات الحياة حيوية وفاعلية، وانعزال المؤمنين بالله عن رسالتهم في مجالات خصبة وفاعلة من الحياة، كما أدّى إلى عزل رسالات الله عن القيام بالدور التغييري البنّاء الذي أراده الله تعالى لدينه على وجه الأرض.

الدور التغييري لرسالات الله:
ولست أعرف تصوراً للدين ودوره في حياة الإنسان أكثر سذاجة من هذا التصور، ولا أعتقد أن في أية رسالة من رسالات الله ما يوحي هذا التصوّر الساذج، ولا أدري كيف تسرّب هذا التصور إلى أذهان المتدينين، فإن كل شيء في مسيرة رسالات الله وتعاليم أحكام الله ينفي هذا التصوّر، ويعطي الدين طابعه التغييري الواضح، وبغير هذه النظرة التغييرية لا نستطيع نحن أن نفهم فهماً واضحاً تاريخ رسالات الله، والإنجازات الكبيرة التي قام بها أنبياء الله، وأبعاد الدّعوة التي كان يحمل أعباءها رسل الله على وجه الأرض.
فلم تكن مسؤولية هذه الرسالات على وجه الأرض مسؤولية دعوة فارغة من أي محتوى تغييري، بل كانت هذه الرسالات تنطوي على جهد تغييري مركّز في القضاء على الأسلوب الجاهلي في التفكير والحضارات الجاهلية، وإعادة بناء الإنسان وحضارته ومجتمعه في ضوء رسالة الله ودينه.
وكان الدّور الذي تتعهده هذه الرسالات في حياة الإنسان دوراً قائداً، يهدف إلى تغيير المجتمع وبنائه من جديد، بكل ما في هذه الكلمة من سعة وعمق.
فإنّ إعادة بناء الإنسان وتغييره ذو مدلول عملي واسع، يعني فيما يعني تغيير أسلوبه في التفكير ونمط حياته، وعقيدته وفلسفته في الحياة والنظام الذي ينظم حياته، والعلاقات الاجتماعية التي يرتبط بها، وعقله وعاطفته، وأسلوبه في التعامل مع نفسه ومع المجتمع ومع الكون ومع الله، وأي شيء آخر يرتبط بحياته وتفكيره من بعيد أو قريب.
وعلى نحو الإجمال كانت المهمّة التغييرية التي تتعهدها رسالات الله على وجه الأرض تتلخص في عملية هدم وبناء للإنسان، بما تتطلّبه هذه العملية من جهدٍ شاق وعمل صعب.
ولم تكن تخلو مسيرة هذه الرسالات من متاعب ومشاكسات، وعقبات كان يزرعها في الطريق أولئك الذين كانوا ينتفعون من الحياة الجاهلية.
وكان هؤلاء دائماً يتصدّون لهذه المسيرة الإلهية، ويعملون ما في جهدهم لعرقلة سيرها وانطلاقها، ويزرعون في طريق هذه الرسالات ما يستطيعون من عقبات وعراقيل وألغام ومشاكل.
ولم يكن يحدث شيء من ذلك لو لم تكن هذه الرسالات تحمل معها هذه المسؤولية التغييرية الكبيرة، ولم تكن تواجه هذا التصدي العنيف من جانب الطواغيت المستكبرين على وجه الأرض لو لم تكن تشكّل خطراً فعلياً على الكيانات الاجتماعية القائمة.
وكلّ ذلك وغيره يدل بكل وضوح على أن مسيرة رسالات الله كانت مسيرة تغييرية قائدة، لا تهادن، ولا تساوم، ولا تلين للإغراءات، ولا تخضع لما تلاقيه من ضغوط سياسية واجتماعية، ولا تعبأ بما يلاقيه أصحابها من عنف وقسوة في التعامل من قبل المجتمع.
توحيد العبودية لله:
والقاعدة التي تنطلق عنها هذه الحركة التغييرية الواسعة هي بكل بساطة توحيد العبادة والعبودية لله، وكلمة (لا إله إلا الله) هي الشعار الدائم والمستمر لهذه الإنطلاقة الجبارة على وجه الأرض، وعبر هذا التاريخ الطويل:
((شرعَ لكم من الدينِ ما وصّى بهِ نوحاً، والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدّينَ، ولا تتفرَّقوا فيه كبُرَ على المشركين ما تدعوهُم إليه..)). (الشورى:13)
((لقد أرسلنا نوحاً إلى قومهِ، فقال: يا قومِ اعبدوا الله مالكُم من إله غيرهُ، إني أخافُ عليكم عذابَ يومٍ عظيمٍ)) (الأعراف: 59)
((وإلى عادٍ أخاهم هوداً، قال: يا قومِ اعبدوا الله ما لكُم من إلهٍ غيرهُ أفلا تتقون)) (الأعراف_65)
فكلمة التوحيد، إذن ترفض أي إله وحاكم على وجه الأرض غير الله، وتسلب حق الحكم والقيمومة في حياة الإنسان عن غير الله، وتحصر الإلوهية والحاكمية في حياة الإنسان في الله رب العالمين.
فهي دعوة صريحة إذن إلى توحيد العبودية لله تعالى، والخضوع والاستسلام لأمر الله وحكمه في كل شيء يتعلق بحياة الإنسان وتفكيره من دون تردد أو تريّث.
فهو الحاكم المطلق في حياة الناس، والناس عباد مخلوقون له، لا يملكون من دونه من أمرهم شيئاً.
وذلك جوهر الدعوة في كل رسالات الله، من دون فرق، والعمود الفقري لكل دين لله على وجه الأرض، في أي مرحلة من مراحل تاريخ الإنسان، ومهما اختلفت رسالات الله في التفاصيل والأحكام، فلا تكاد تختلف فيما بينها في هذه الحقيقة الجوهرية، التي تشكّل جوهر هذه الرسالات وأصلها.
وناهيك به قاعدة للتغيير والانقلاب، فهو انقلاب وتغيير في كل شيء في حياة الإنسان، تغيير واسع يشمل كل أطراف الحياة، وعميق يتناول أعمق أعماق الحياة.
إذن المنطلق الذي تنطلق منه رسالات الله هو تعبيد الإنسان لله تعالى، وهو ذو مدلول فطري وسلوكي عميق، فإن الإنسان عندما يعترف لله بالعبودية، لا يملك أن يمارس شأناً من شؤون حياته الفردية والاجتماعية بمعزل عن شريعة الله ومنهجه.
وأيّ تصرّف يقوم به الإنسان _العبد _ بعيداً عن منهج الله، يعتبر خرقاً لالتزامات العبودية المطلقة، التي يعترف بها العبد تجاه ربّه، ويعتبر تمرداً على شريعته وطغياناً.
والإسلام بهذا المعنى، وهو صفة لكل رسالات الله، أن يسلّم الإنسان نفسه لله، ولا يقدم على عمل دون أن يعرض تصرفه على منهج الله ودينه.
ولذلك، فلا يبقى معنى لما يقال من أن (ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)، فليس هناك شيء لغير الله، ولا يملك قيصر شيئاً من أمر نفسه، ومن أمر النّاس، ولا يتوزّع، بحال من الأحوال، سلطان هذا الكون وحكمه بين قيصر وبين الله:
((... يقولونَ: هل لنا من الأمر من شيء؟ قُل إن الأمر كُلُّه للهِ)) (آل عمران: 154)
((وإلى ثمودَ أخاهُم صالحاً، قال: يا قومِ اعبدوا الله مالكُم مِن إلهٍ غيرهُ، قد جاءتْكُم بينةٌ من ربِكم...)) (الأعراف: 73)
))وإلى مدينَ أخاهُمْ شعيباً، قالَ: يا قومِ اعبدوا الله مالكُم من إلهٍ غيرهُ، قدْ جاءَتكُم بينةٌ من ربّكُم...)) (الأعراف_85)
ولا عليك بعد من تثليث المسيحيين، وتأليههم للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وشرك اليهود، فإن ذلك شيء حدث بعد موسى وعيسى عليهما السلام، ولم يدعووا اليه، ولم يرتضياه.
فهذه الرسالات، إذن، في جوهرها دعوة إلى توحيد الله تعالى، ورفض الشّرك في العبودية بكل معانيه، وهو ما تلخّصه تلخيصاً جيداً كلمة "لا إله إلا الله".
وهذه الكلمة على بساطتها تختصر لنا مسيرة طويلة شاقة من رسالات الله تعالى وتاريخاً حافلاً بالجهاد والعمل التغييري القائد على وجه الأرض.
فهي تدلّ على رفض أي إله على وجه الأرض وفي السماء غير الله، وتوحيد الإلوهية في الله، وتوحيد العبودية له تعالى.
والإله في هذه الكلمة، هو الحاكم الذي يحكم في حياة الناس، ويخضع له الناس في حياتهم، فاسمع فرعون يهدد موسى عليه السلام، حينما دعاه إلى عبادة الله: {قال لئنِ اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين}. (الشعراء 29)
وهو لا يقصد بالتأكيد في ادّعاء الإلوهية أنّه قد خلق هذا الكون، وخلق الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وإنما يقصد بالإلوهية التي يدّعيها، الحاكمية المطلقة في حياة الناس، وهو يريد أن يكون له الأمر، ويكون له الحكم، ويتولى السلطان المطلق في حياة الناس، ولا يزاحمه غيره في هذا السلطان، وجاء موسى عليه السلام لينزع من هذا السلطان حياة عباد الله ومصيرهم، ويردّ هذا السلطان المطلق والحاكمية المطلقة الى الله تعالى، ويدعو الناس الى توحيد العبودية لله، ورفض أيّ إله غير الله، ويواجه فرعون بهذه الدعوة الخطرة على ملكه وسلطانه، فيهدد موسى (عليه السلام)، بكل ما يملكه طاغية جبار في قبال داعية يدعو إلى الله: {قال لئنِ اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين}. (الشعراء: 29)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com