موقع الصراط ... الموضوع : خصائص الإدارة الإسلامية
 
الثلاثاء - 6 / جمادي الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  خصائص الإدارة الإسلامية  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 20 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
sheraze إن الجميع ينتظرون أن يكشف الإسلام عن برامجه الإدارية في مختلف نواحي الحياة، ويوضح الأسس التي يستند إليها، لأن بعد كل تغيير اجتماعي يبرز الحديث عن إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ويدرك كل مَن له معرفة وعلم بالقرآن بأن الخطوط العامة للإدارة قد بينها القرآن الكريم، ومن خلال دراسة هذه الخطوط وتحليلها يمكن تنظيم أسس الإدارة الإسلامية.
وبالطبع يجب أن لا نتوقع أن يستوعب بحث قصير ـ كهذا ـ جميع هذه الأسس، ولكن المؤكد هو أنه بالإمكان إلقاء الأضواء على جوانب هذا البناء الكبير، وكشف بعض أجزائه.

أسس الإدارة الإسلامية ومصدر مشروعيتها:
قبل كل شيء يجب العودة إلى التصور (الرؤية الكونية) الإسلامي، ونبحث الجذور هناك.
هذا التصور يقول لنا إن أساس كل شيء هو (التوحيد والوحدانية) بمعنى أن الإسلام بأكمله يلخص في حقيقة التوحيد ونفي الشرك وعلى هذا الأساس، أكد القرآن المجيد في كثير من آياته على وحدانية (الله) تعالى.
فليست ذات الله واحدة وحسب، أي ليس له شبيه ومثيل، بل إن ذاته ليس لها أجزاء، تركيبية (سواء تركيباً خارجياً أو تركيباً ذهنياً).
وصفاته: كالعلم والقدرة، وغيرها من الصفات، هي عين ذات الله، وإحداها عين الأخرى، وبتعبير آخر: فإن ذاته بأكملها هي القدرة، وهي العلم بأكملها، وقدرته وعلمه واحدة أيضاً، وبحث هذه المسألة يحتاج إلى شح فلسفي خاص، لا يدخل في إطار مقالنا هذا.
وعلى أساس التوحيد، فإن الكون بمجموعه ليس إلا وحدة واحدة، أوجدها رب واحد، وكل حركة وتدبير في هذا العالم يعود إليه، وهذا ما يسمى بـ(توحيد الأفعال)، أي أن مصدر جميع تحولات الكون هي ذات الله تعالى.
وهنا تطرح مسألة (الربوبية)، أي التدبير الذي يحكم الكون، ويعني أن جميع ما في الكون يخضع لادارة واحدة، ولمدير واحد هو (الله) تعالى.
وكلمة (رب) هي في الأصل تعني: الرئيس والمصلح والمدير والمدبر، ومصدرها التربية، بمعنى تربية الشيء مرحلة فمرحلة، لبلوغ مستوى الكمال.
وفي بحث معرفة الله فان هذه المسألة هي دليلنا الأساس، أي إننا من خلال ملاحظتنا الإدارة الدقيقة والنظام الخاص الذي يتحكم في ظواهر العالم، والدقة التي نشاهدها في القوانين، ندرك المبدأ العظيم للعلم والقدرة. وهذا الموضوع له انعكاس واسع ورائع في الآيات القرآنية، وهو يأخذ بأيدي الناس لتعلم دروس معرفة الله تعالى، ليروا آثار إدارته وليؤمنوا به.
والذي يجب الإشارة إليه هنا، هو أن جميع الإدارات - وفقاً لهذا التفكير - تعود إلى إدارته، كما أنه مصدر جميع الملكيات، لأنه مالك الكون بأسره، وهكذا فقد منح الله تعالى الإنسان الحرية، والكفاءة، والملكية والإدارة في حياته. واختاره كخليقة له في أرضه، ومنحه جميع الإمكانات اللازمة لتحقيق هذه الخلافة.

نماذج الإدارة:
يعتبر المجتمع الإنساني جزءاً من المجموعة الكونية والعالم الكبير، وفي التصور الإسلامي يعتبر الإنسان عالماً صغيراً تلخص فيه العالم الأكبر، وعلى هذا الأساس، فإن جميع الأصول المتحكمة في إدارة العالم الأكبر وفي إدارة جسم الإنسان وروحه، تتحكم أيضاً في المجتمعات البشرية.
هذه المسألة يمكن أن تكون مصدر إلهام لمسائل كثيرة، ولاكتشاف أصول الإدارة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، فلابد من بحث أصول إدارة الله تعالى للكون، وكنماذج وأمثلة لذلك نذكر ما يلي:
1 - إن إدارة الله تعالى للكون هي على أساس رحمته العامة والخاصة، كما في سورة الفاتحة التي نقرأها يومياً في صلواتنا، فبعد وصف الله بـ(رب العالمين) نصفه بـ(الرحمن) و(الرحيم)، أي أن الكون هو ساحة هاتين الصفتين الإلهيتين، (الرحمن) و(الرحيم).
وإدارتنا أيضاً يجب أن تقوم في جميع المجالات على أساس الرحمة العامة (حب العدو والصديق)، والرحمة الخاص (الحب الخاص للأصدقاء المقربين والمخلصين).
من هنا، فالذي يربط المدراء بالعاملين في دائرة واحدة، هي رابطة الصداقة والصفاء والإخلاص والمحبة، وهي التي تدفع المجموعة إلى الأمام بقوة.
2 ـ مسألة رحمة الله العامة والخاصة، لا تعني مطلقاً عدم محاسبة المقصرين، ودليل هذا المدعى هو وصف (مالك يوم الدين) بعد وصف الرحمة في سورة الفاتحة.
وردود الفعل السلبية التي تعترضنا من قبل علل العالم وأسبابه في حالة عدم المبالاة بها، هي نوع من العقوبات الإلهية في عالم الخليقة!.
مثلاً: المريض الذي يمتنع عن الوقاية والعناية الخاصة ثم يشتد مرضه، فكأنه يحاكم ويعاقب أتوماتيكياً، وهذا الأمر يصدق على جميع المشاكل التي نتعرض لها، وفي نماذج إدارتنا الاجتماعية يمكن أن تكون أيضاً كقانون حاكم.
3 ـ القلب خلقه الله تعالى لإدارة الجسم، ومع أن الدورة الدموية التي تغذي بسهولة عشرة ملايين مليار خلية في الجسم، إلا أن القلب يتعامل مع شريانين أو ثلاثة ويعتمد عليها في عمله، وليس له ارتباط مباشر بجميع الأوردة!.
هذا النموذج يوضح لنا بأن الإدارة الصحيحة تعتمد فقط على الارتباط المباشر بعدد من المساعدين الموثقين، وإذا أراد المدير أن يكون على صلة مباشرة بجميع العاملين، فإنه مخطئ، كأن تكون جميع أوردة الجسم على علاقة مباشرة بالقلب، وهذه المادة تصدق تماماً في مجال إدارة الدماغ وشبكة الأعصاب.
4 ـ في جميع الأحياء والنباتات، تكون نقطة الانطلاق صغيرة جداً (نطفة أو بذرة) لهدف عال جداً، مع ان قدرة الله تعالى هي أعظم القدرات.
وهذا مصدر إلهام لجميع المدراء، وهو أن ينطلقوا من نقاط صغيرة، وبعد توسيعها يصلون إلى أهداف عالية جداً.
ومسألة خلق العالم في عدة أيام كما ورد في القرآن هي تأكيد آخر على هذا الموضوع.
5 ـ في الإدارة الإلهية، الأصل هو صناعة الإنسان، وكل ما يرتبط بتغير الإنسان، وآيات القرآن الكريم شاهد حي على هذا المدعى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد/ 11.
والمسألة الأساسية في إدارة المجتمعات البشرية أيضاً، هي صناعة الإنسان، وأولئك الذين يعتمدون طريقاً ومنهجاً آخر مصيرهم الإخفاق، كما رأينا بأم أعيننا كيف أن الماركسية جعلت تغيير المجتمع البشري مرهوناً بتحول وسائل الإنتاج، واعتبرت الإنسان خاضعاً لها، فكان هذا الأمر مدعاة لإخفاقها الذريع، كما حصل.
6 ـ مسألتا التنظيم والانسجام تلعبان دوراً مهماً في الإدارة، ويمكن مشاهدتهما في عالم الطبيعة وبأجلى صورهما وهما مصدر إلهام.
مثلاً، في مقابل حادث طارئ يتعرض له إنسان ما، فإن جميع قواه الجسمية والروحية تتعبأ بانسجام خاص لحظة واحدة، فالدماغ يدرك وقوع الحادثة، ويصدر أمراً عن طريق الأعصاب، ويقترن معه تسارع ضربات القلب بشدة، لكي تصل أكبر كمية من الدم إلى الدماغ والعضلات ولتزويدهما بالطاقة اللازمة، ثم تتسارع الأنفاس لتنسجم مع سرعة عمل القلب، ويزداد الوعي، وتزداد قوتا البصر والسمع، ويختل عمل المعدة مؤقتاً، ويضعف فجأة الإحساس بالعطش والجوع. والملاحظ أن جميع هذه الأفعال تتم بصورة لا إرادية أتوماتيكية محضة.
والتنظيم والانسجام في الإدارة أيضاً، يجب أن ينفذا إلى عمق تشكيلات العمل بشكل أوتوماتيكي لمواجهة الحوادث، وبخلافه فانه من الممكن فوات الفرصة التي تعتبر كل لحظة منها مصيرية.
7 ـ في عالم الطبيعة ثمة دورات للحياة تعمل ضمن (حركة دائرية)، مثلاً: الأمطار تتساقط، فتجري المياه، ليرتوي الإنسان والحيوان والنبات، ثم تعود المياه إلى باطن الأرض بعد استهلاكها، ثم تأخذ صورتها السابقة من جديدة.
وحتى فضلات الإنسان والحيوان تتحول إلى سماد للأرض، بعدما كانت غداء خرج من الأرض.
فيجب على الإدارات الصناعية أن تستلهم من هذه الدورات الطبيعية، بحيث تعمل على تصنيع نفاياتها وتدخلها في شريط الإنتاج، وبخلاف ذلك يحصل الضرر في البيئة.
وبديهي، فان ما يحصل في الطبيعة بشأن المياه، أو المواد الغذائية، لا يؤدي إلى أضرار تلحق في البيئة مهما امتدت الحياة، وتبقى جميع مصادر الحياة سالمة، ولكن نرى أن الإدارة الصناعية القاصرة للإنسان اليوم التي لم تستطع أن تنتفع من هذا الدرس الطبيعي الكبير، تسير بالبيئة يوماً بعد آخر إلى الخراب وتهدد مستقبل البشرية باستمرار.
هذه مجرد مصادر إلهام يستطيع الإنسان الانتفاع بها في مجالات حياته الإدارية، وهي رؤية مستقاة من عالم الطبيعة.

الدوافع في الإدارة الإسلامية:
تعد مسألة إيجاد الدوافع في الإدارة - أساساً - من أصعب وأدق واجبات المدير، لأن التخطيط واتخاذ القرار والتنظيم وتنسيق عمل القوى، جميعها في كفة، وإيجاد الدافع في كفة أخرى، ونجاح المدراء في أهدافهم يعتمد ـ إلى حد كبير ـ على نجاحهم في إيجاد الدوافع.
ويمكن تقسيم الدوافع إلى ثلاثة أنواع:
1 ـ الدوافع الوهمية، كما هي عند (الماركسيين)، الذين وضعوا لمذهبهم مجموعة من الأوهام والخيالات والشعارات الفارغة، للوصول إلى أهدافهم، وبما أن نواقص هذه الدوافع قد اتضحت في الممارسة بسرعة، فإنهم لجؤوا إلى الدكتاتورية العسكرية المرعبة، كدكتاتورية ستالين، وبما أن هذه الدكتاتوريات لا تتلاءم مع أي نوع من موازين الإدارة، لهذا برز ضعفها في مدة قصيرة، وانتهت بمجتمعاتها إلى العجز والارتباك.
2 ـ الدوافع المادية، التي تنشأ من واقع منظور، رغم أن استخدامها محدود، لأن الأهداف المادية لا يمكن مطلقاً أن تحمل الإنسان على القيام بمساعٍ فوق طاقته أو مساع تحتاج إلى نكران للذات.
ومن هنا، تبنى أهمية الدوافع المادية، بالإضافة إلى الدوافع المعنوية سواء كانت على شكل قيم إنسانية سامية، أو دوافع إلهية لحمل الإنسان على العمل بصبر ومثابرة ونكران لذات.
وفي الإدارة الإسلامية تتم الاستفادة من هذين العاملين بشكل كبير، وعلى هذا، فإن المجال أمام مدراء الدوائر الملتزمة بالتعاليم الإسلامية، يكون مفتوحاً هنا بالكامل.
وأساساً، فإن الدوافع المؤثرة هي التي تمتلك الخصائص الثلاث التالية:
1 ـ القدرة الفائقة، لمكافحة جميع العقبات والوقوف بوجهها.
2 ـ المحافظة على عدم ضعف الدافع بمرور الزمن، ومواجهته المشاكل المعقدة.
3 ـ قدرته على التحفيز واستشارة النفس على النشاط.
وبخلاف ذلك، فإن الإدارة ستواجه المشاكل، ولن تحقق أهدافها إلا في ظروف خاصة.
وفي الإدارة الإسلامية يكون الاعتماد الأساسي على الدوافع المعنوية، ويتم عبر التعليم العقائدي والأخلاقي المستمر دون ترك أو إهمال الدوافع المادية.
فعقيدة المسلم تتمثل في مساعدة الأخ لأخيه المسلم، وخاصة إذا كان محروماً ومستضعفاً، وهي عبادة كبيرة. فقد جاء في الحديث المشهور لرسول الله (ص): (خير الناس أنفعهم للناس) هذا نموذج بارز لهذه التعاليم. وهناك نموذج آخر، وهو أن العامل المسلم يتساوى عنده أن يكون في المعمل ودائرة العمل أو المزرعة أو في المسجد لأداء فريضة الصلاة أو الدعاء، والعمل بهذا المعنى يعد عبادة بالكامل.
إن جزاء العمل في الإسلام لا ينصب على نتائجه بقدر ما ينصب على نيات العاملين وإخلاصهم، وفي هذا الطريق، يحصل الثواب على كل أذىً أو مخمصة يتعرض لها المسلم، ففضلاً عن نتيجة العمل ونية العامل، قال الله تعالى: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) التوبة/ 120.
وبهذا، فإن الجندي والموظف والعامل والفلاح المسلم يرى كل واحد منهم نفسه في محضر الله تعالى في الأحوال جميعاً، وإن الله تعالى يعلم ظاهره وباطنه، ويعلم جميع نواياه وأعماله: (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) الحديد/ 4.
ويستلهم المسلم من مسألة خلوص النية (أي القيام بجميع الأعمال لوجه الله تعالى) تجنب أي نوع من الرياء، ويسعى إلى أن تكون جذور عمله صحيحة وأسلوبه راسخاً.
ولعل البعض يتصور أن هذه المسائل سلسلة من الأمور النظرية (الذهنية) البعيدة عن أرض الواقع، ولكن نظراً للنماذج المنظورة لهذه الدوافع على مدى تاريخ الإسلام، وخاصة في عصر الرسول الأعظم(ص)، وكذلك في عصرنا، من خلال الثورة الإسلامية في إيران وفي سائر بقاع العالم. كل ذلك يشير إلى أنها حقائق واقعية وذات استخدام واسع جداً.
المصدر: مجلة التوحيد، العدد 68 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com