موقع الصراط ... الموضوع : مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع)-5
 
السبت - 26 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع)-5  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
لماذا لم يبقَ الحُسَينُ (ع) في مكّة؟
إنّ (خروج الإمام الحسين (ع) من مكة إلى العراق حركة لا يسهل الحكم عليها بمقياس الحوادث اليومية؛ لأنّها حركة من أندر حركات التاريخ، إن لم تكن أندرها، في باب الدعوة الدينية، أو الدعوة السياسية، حركة لا تتكرّر كلّ يوم، ولا يقوم بها كلّ رجل، ومن ثم فقد كان من أعظم ما صنع الحسين وأهله وصحبه يوم كربلاء، أنّهم جعلوا الحقّ قيمة ذاته، ومثوبة نفسه، فلم يعد الظفر مزية له، ولم تعد الهزيمة ازدراء به)(41).
إنَّ بقاء الإمام الحسين (ع) في مكّة لا يمثل عملاً إيجابياً؛ لأنه لا يستطيع أن يقوم بعمل يُغيّر الواقع به، أو يحدث هزة عنيفة تحدث تخلخلاً في النظام الأموي على المدى الطويل. وأما عمله في مكّة؛ فهو إعلان للثورة على بني أمية، ورفضٌ لبيعتهم لسلب القدسية منهم، وإسقاط القيمة الشرعية للدولة، ونَشر ذلك في جميع بقاع المسلمين، وهذا أقصى ما يمكن أن يقوم به، كما أنّ الحجاز لا يمكن أن تكون منطلقاً للثورة؛ وذلك لأنّ الأغلبية الساحقة في الحجاز كانت تحقد على أهل البيت (ع) وكانت ميولها مع بني أمية، يقول أبو جعفر الإسكافي: ((وأما أهل مكة فكلهم كانوا يبغضونه قاطبةً... وكان جمهور الخلق مع بني أمية عليه))(42).
وروى أبو عمر النهدي، قال: ((سمعت علي بن الحسين (ع) يقول: ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا))(43).
وعلى هذا الأساس كيف يمكن للإمام الحسين (ع) أن يبقى في الحجاز وينطلق منها ثائراً، ودون هذا السبب كل سبب آخر... وقد يكون بقاؤه في مكة على فرض سلامته من الغدر الأموي مجرد مقاومة سلبية قليلة الأهمية لا تؤثر أثرها في تغيير الواقع، ولو على المدى البعيد هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: إن بقاءه في مكة حتى لو كانت تحت سيطرته وحكمه (ع) فسوف يعرضها إلى هتك حرمتها من قبل الأمويين، وهي البلد الأمين، والحرم الإلهي المقدّس، والحسين (ع) كان موقناً بذلك، فلا يمكن أن يرضى بهتك الحرم الإلهي المقدّس عند بيت الله الحرام بسبب وجوده، وقد صرّح بهذا لكلّ الذين أشفقوا عليه من الخروج إلى العراق، ونصحوه بالبقاء كما قال لابن عباس: ((لئن أقتل والله بمكان كذا أحب إليَّ من أن اُسْتَحَلَّ بمكة))(44).
وقال لابن الزبير الذي قال له مجاملة لا حقيقة: ((أما إنّك لو أقمت بالحجاز، ثم أردتَ هذا الأمر هاهنا لما خالفنا عليك، وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك))، فقال له الحسين (ع): ((إنّ أبي حدّثني أنَّ لها كبشاً به تُستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش))(45).
ثم قال (ع) لمن حوله بعد حواره مع ابن الزبير: ((والله لئن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إليَّ من أن أقتل فيها، ولئن أقتل خارجاً منها بشبرين أحب إليَّ من أقتل خارجاً منها بشبر، وأيم الله لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم، والله لَيَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت))(46).
فالحسين (ع) كان موقناً أن بني أمية لن يتركوه حيّاً على كل حال كما أكّد ذلك لابن عباس: ((والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلَّط الله عليهم من يُذلّهم حتى يكونوا أذل من فَرْم المرأة))(47).
فمن المتيقّن إذن أنّ بني أمية سوف يوجّهون للحسين (ع) من يغتاله بصورة منفردة ليطفئوا بذلك وهج الثورة، ولربما يبدون أسفهم، ويصفون القاتل بالإجرام، وقد يوجّهون له عقاباً مميتاً؛ ليموّهوا على الأمة جريمتهم الشنعاء، ولا يحدث في الأمة سوى الأسف الباهت، والأثر البارد، كما حدث في قتل الإمام الحسن (ع) بالسم، ويدفن بعيداً عن تحريك الضمائر الحيّة، ويُسكت صوتٌ كان مدوياً صارخاً بوجه الظالمين.
وقد ذكرت بعض المصادر التاريخية أنّ يزيد دسَّ ثلاثين رجلاً لاغتيال الحسين (ع)، وبلغه (ع) (أنَّ يزيد بن معاوية أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق الفاتك الجبار في عسكر عظيم، وأمرّه على الحاج ، وولاه أمر الموسم، وأوصاه بقبض الحسين سراً، وإن لم يتمكن منه يقتله غيلة، وأمره أن يناجز الحسين القتال، إن هو ناجزه، ودسّ مع الحاج ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية، وأمرهم باغتيال الحسين، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة)(48).
وبناء على ذلك صمّم الإمام الحسين (ع) على الخروج من مكة، (وبعد أن طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وأحلّ من إحرامه؛ وجعلها عمرة مفردة؛ لأنّه لم يتمكن من إتمام الحج مخافة أن يقبض عليه في مكة، فتستباح به حرمة البيت الحرام)(49).
وقد قيل له: ((ما أعجلك عن الحج؟)) فقال: ((لو لم أعجل لأُخِذْتُ))(50).
إذن معنى بقائه في مكة هو هدر لدمه بدون أن يحدث له أيّ أثر وهتك لحرمة بيت الله الحرام، وإسقاط قدسيته في المسلمين، والحسين (ع) (كان يريد أن تظلّ لمكة حرمتها، وأن تظلّ للبيت العتيق مكانته، وألا يستحلا بسببه، إذ إنّهما إذا ما استحلا مرّة فسيكون ذلك سبباً لاستحلالهما إلى الأبد، وستفقدان بعض قداستهما بنظر المسلمين؛ لتكون الكعبة مجرد أحجار صماء وعيدان كما قال الحجاج الثقفي، وإن من يملك القوة على إعادة بناء الأحجار يستطيع تهديمها، فهي ليست سوى بناية عادية)(51) كما قال مسلم بن عقبة للحصين بن نمير، وهو يأمره بغزو مكة: ((فانصب عليهم المجانيق، فإن عاذوا بالبيت، فارمِهِ، فما أقدَرَكَ على بنائه))(52).
فخروج الحسين (ع) من مكة في يوم التروية موقف له دلالته العظيمة؛ ففي الوقت الذي يفيض حجاج بيت الله الحرام إلى عرفات، يعلن الحسين (ع) سخطه على بني أمية، ويخرج إلى العراق بعد أن حلَّ إحرامه، وصلّى بين الركن والمقام، فكان هذا الخروج بمثابة رسالة ثائرة إلى كلّ بقاع المسلمين في العالم، وبذلك أوصل إعلان الثورة إلى المسلمين جميعاً، وحقّق بهذا الخروج أمرين مهمين:
الأول: إنّه أثبت الحجة على جميع المسلمين بوجوب الثورة على الأمويين.
الثاني: سَلَبَ الشرعية من حكومة بني أمية، وأثبت عملياً بأنّ حكومة الأمويين حكومة لا تقوم على أساس الإسلام، وإنّما على أساس الظلم والطغيان؛ ولهذا حاول حاكم مكّة آنذاك عمرو بن سعيد الأشدق أن يوقف هذه الحركة المباركة، يقول ابن الأثير: ((ثم خرج الحسين يوم التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، وهو أمير على الحجاز مع أخيه يحيى، يمنعونه، فأبى عليهم، ومضى، وتضاربوا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه))(53).
وفي العقد الفريد: إنّ حاكم مكة عندما فوجئ بخروج الحسين (ع) من مكة إلى العراق ، قال: ((اطلبوه، اركبوا كلّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه))، فعجب الناس من قوله هذا(54).
هكذا كان خروج الحسين (ع) مرعباً لحكومة بني أمية، ونحن إذا تأملنا جيّداً في اختيار الحسين (ع) ليوم الخروج، وموقف الأمويين من خروجه عرفنا دقّة الموقف الحسيني، وحراجة موقف أزلام الحكومة بعد أن خرج الحسين من قبضتهم؛ ولهذا (لما بلغ ابنَ زياد مسيرُ الحسين (ع) من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته، فنزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خَفّان، وما بين القادسية إلى القُطْقُطانة وإلى جبل لَعْلَعْ)(55).
وواضح من هذا النص أنّ الحكومة أعلنت الأحكام العرفية، واستنفرت كلَّ قواها، وهو أمر مهم بالنسبة لهم...
وروى الطبري: إنّ عمرو بن سعيد كتب إلى الحسين (ع): ((بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد؛ فإنّي أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك، بلغني أنّك قد توجهت إلى العراق، وإنّي أعيذك بالله من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر، ويحيى بن سعيد، فأقبل إليَّ معهما، فإنّ لك عندي الأمان، والصلة، والبر، وحسن الجوار لك، الله عليَّ بذلك شهيدٌ، وكفيلٌ، ومُراعٍ، ووكيلٌ، والسلام عليك)).
فكتب إليه الحسين (ع): ((أما بعد؛ فإنّه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عز وجل، وعمل صالحاً، وقال إنني من المسلمين، وقد دعوتَ إلى الأمان والبر والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفْه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنتَ نويتَ بالكتاب صلتي وبرّي فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، والسلام))(56).
فإن صحّت هذه الرواية فهي تنبئ عن تخوّف الأمويين من حركة الحسين (ع)، كما تنبئ عن عدم اطمئنانه لأمانهم المزعوم، وهذا ما نستشفه من قوله (ع): ((فإن كنتَ نويتَ بالكتاب...)).

الهوامش:
(41) الدكتور محمد بيومي مهران، الإمام الحسين بن علي (ع): 20.
(42) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 4/103.
(43) المصدر نفسه: 4/104.
(44) المسعودي، مروج الذهب: 3/67.
(45) الكامل في التاريخ: 4/38.
(46) تاريخ الطبري: 5/385 ، والكامل في التأريخ: 4/38.
(47) الكامل في التأريخ: 4/39.
(48) موسوعة الثورة الحسينية: 4/65.
(49) المصدر نفسه.
(50) تاريخ الطبري: 5/386.
(51) موسوعة الثورة الحسينية: 4/62-63.
(52) جمل من أنساب الأشراف: 5/358.
(53) ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 4/39.
(54) ابن عبد ربه، العقد الفريد: 5/119.
(55) الكامل في التأريخ: 4/41 .
(56) تاريخ الطبري: 5/388-389 .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الأول

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com