موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-3
 
السبت - 11 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-3  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 25 / شعبان / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
المرحلة الأولى: من الولادة إلى البعثة:
انطلق النور من الكعبة المشرفة حين وضعت فاطمة بنت أسد وليدها المبارك في البيت الحرام بأمر من رسول الله (ص)، وقد نقل التأريخ أن رسول الله (ص) رأى عمه أبا طالب (ع) حزيناً كئيباً فسأله: (ما شأنك يا عم؟ فقال: إن فاطمة بنت أسد تشتكي المخاض، فأخذ بيده وجاء وهي معه، فجاء بها إلى الكعبة فأجلسها في الكعبة، ثم قال: أجلسي على اسم الله. قالت: فطلقت طلقة فولدت غلاماً مسروراً نظيفاً منظفاً لم أرَ كحسن وجهه، فسماه أبو طالب (علياً) وحمله النبي (ص) حتى أداه إلى منزلها)
وولادة علي (ع) في الكعبة لها مدلولات عظيمة، وإشارات إلهية تنبئ عن المستقبل العظيم لهذا المولود الكريم، فقد ذكر المؤرخون أن رسول الله (ص) قال في ليلة ولادة علي (ع) حيث كان رسول الله (ص) يتيمن بتلك السنّة، وبولادة علي (ع) فيها، ويسميها سنة الخير وسنة البركة، وقال لأهله ليلة ولادته - وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية، ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئاً - : (لقد ولد لنا مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة)
قال شارح النهج، ابن أبي الحديد: (وكان كما قال صلوات الله عليه، فإنه (ع) كان ناصره والمحامي عنه، وكاشف الغماء عن وجهه، وبسيفه ثبت دين الإسلام، ورست دعائمه، وتمهدت قواعده)
ويقول عبد الفتاح عبد المقصود: (تلك الولادة لم تلكن قبل طفلها هذا الوليد، ولم يحز فخرها بعدها وليد أكرمه بها الله، وأكرم أمه وأباه، فكان تكريماً لفرعي هاشم الذي انحدر منه الطفل عن فاطمة, ومن أبي طالب رضي الله عنه حفيد الأصل الثابت الكريم. وأقبل القوم - حين انتهوا - يسبقون إلى السيدة ويعاونونها: ويأخذون بيدها، ويملئون الأبصار بطلعة ذاك الذي كان بيت الله مولده، وستر الكعبة ثوبه، كأنما أوسع له في الشرف باجتماعه في كلا المولد والمحتد, وهم لو استطاعوا أن يسبقوا زمانهم كما تأخرت أنت لرأوه يجتمع له نفس هذا الشرف حين يقبل عليه الموت فيلقاه في بيت الله يهم أن يقوم بالصلاة...)
ولشدة شوق الرسول (ص) له احتضن علياً (ع) في لحظة خروج فاطمة بنت أسد سلام الله عليها من البيت الحرام، وضمه إلى صدره فرحاً مسروراً حاملاً إياه إلى بيت أبي طالب حيث كان يفيض عليه من حبه وحنانه وعواطفه فيوضات الرحمة (ذاق فيها المودة, وشرب فيها من ينابيع الإخلاص والوفاء الصافية خلال سنوات صباه) وبعد مضي ست سنوات مرت قريش بأزمة اقتصادية حادة اشتدت وطئتها على أبي طالب، وتحرك رسول الله (ص)، ليخفف عن عمه محنة تلك الأزمة، فأخذ هو علياً, وأخذ العباس عقيلاً، وذكر أحمد بن يحيى البلاذري، وعلي بن الحسين الأصفهاني (أن قريشاً أصابتها أزمة وقحط، فقال رسول الله (ص) لعميه حمزة والعباس: (ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل فجاءوا إليه، وسألوه أن يدفع إليهم أولاده؛ ليكفوه أمرهم ) فقال: دعوا لي عقيلاً، وخذوا من شئتم، وكان شديد الحب لعقيل، فأخذ العباس طالباً، وأخذ حمزة جعفراً، وأخذ محمّد (ص) علياً، وقال لهم: (قد اخترت من اختاره الله لي عليكم عليا) قالوا: وكان علي في حجر رسول الله (ص) منذ كان عمره ست سنين، وكان ما يسدي إليه من شفقته وإحسانه وبره وحسن تربيته كالمكافأة والمعاوضة لصنيع أبي طالب به) بل اختاره بأمر الله تعالى ؛ ليعده لحمل الرسالة من بعده .
وهكذا قدر الله لعلي (ع) أن يعيش منذ طفولته في كنف رسول الله (ص) وكفالته, وقد كان علي (ع) يفخر بذلك، ويُذَّكِرُ به خصومه الذين وقفوا في وجهه موقف الند للند، يقول في الخطبة القاصعة: (وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره، وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه, وكان يمضغ الشيء، ثم يلقمنيه, وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل, ولقد قرن الله به (ص) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره, ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به, ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري, ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة, وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (ص) فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان يئس من عبادته. إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير , وإنك لعلى خير)
ونحن إذا تأملنا هذه النصوص الشريفة نعرف مقدار الرعاية والعناية التي حضى بها من رسول الله (ص) التي انصبت على بناء شخصيته بناء خاصا وإعدادها إعداداً إلهياً, وهكذا كان يتلقى من رسول الله (ص) معارف الإسلام بكل أبوابها حتى قال: (علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم كل باب منها ينفتح ألف باب)
وفي حديث آخر أنه قال: (إن رسول الله (ص) أخذ عند موته بيدي ففتح لي ألف باب من العلم تنفتح من كل باب ألف باب)
وهكذا كان علي (ع) ملازماً لرسول الله (ص) ملازمة الظل للسائر في الشمس, وبها تكشفت له أستار الغيب, وأسرار السماء والأرض حتى عاد لا يرى شيئاً إلا ويرى الله تعالى قبله وبعده وفيه، وبذلك استحق منصب الإمامة والخلافة يسمع ما يسمع رسول الله, ويرى ما يرى رسول الله إلا أنه ليس بنبي, ولكنه وزير.
وعلى كل حال لقد كانت هذه المرحلة هي التي بُنيت فيها شخصيته, وتأصلت في أعماق الوجود الرسالي في الأمة, وثَبَّتَ فيها رسول الله (ص) دعائم شخصية علي حتى أصبح (قمة الفضيلة والسمو الروحي والمعنوي فلم تفصله إلا درجة النبوة فارتقى منصب الوزارة بحق وجداره)
تلك هي الميزة التي تميز بها أمير المؤمنين (ع) والتي لم يحض بها إنسان لا من قبله ولا من بعده, تربى في حضن رسول الله (ص), وتلقى الإسلام منه غضاً طرياً متحركاً, لم تلوثه الجاهلية بأنجاسها, ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها, وبهذه الروح حمل الرسالة بقوة لا نظير لها على طول خط التأريخ النبوي.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com