موقع الصراط ... الموضوع : مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع)-6
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مواقف ومواقع في ثورة الحسين (ع)-6  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 5 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
المَناطِقُ الّتي مَرَّ بِها الحُسَيْنُ (ع):
1- في منطقة التنعيم: وهي منطقة تقع (على فرسخين من مكة، وقيل: على أربعة، وسمّي بذلك لأن جبلاً عن يمينه يقال له نعيم، وآخر عن شماله يقال له ناعم، والوادي نعمان)(57)، وفي هذه المنطقة لقي قافلة تحمل أموالاً ليزيد أرسلت إليه من اليمن، فصادرها الحسين (ع)، وقال لأصحاب الإبل: ((لا أكرهكم؛ من أحب أن يمضي معنا للعراق أوفيناه كراه، وأحسنّا صحبته، ومن أحبَّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكرى ما قطع من الأرض))، فمن فارقه منهم حوسب وأوفاه حقَّه، ومن مضى معه أعطاه كراه وكساه(58).
ومصادرته للمال دليل على سلب الشرعية من الدولة وحاكمها، وإعلان بعدم شرعية يزيد وحكومته، وإيذان بمعركة كبرى قادم عليها.
وأنا أعجب من البعض ممن استنكر على الحسين (ع) ذلك، كما أن بعض العلماء استبعد أن يقدم الحسين (ع) على مثل هذه الخطوة؛ لأنّها لا تليق به... مع أنهم يعلمون أنّه (ع) هو الحاكم الشرعي المُنَصَّبُ من قبل الله تعالى، وله حقّ التصرف في الأموال والأنفس، وليس من فرق بين إقدام رسول الله (ص) بالتعرض للقافلة التي قادها أبو سفيان مع أنّها تحمل أموال الناس، وبين مصادرة الحسين (ع) لأموال أرسلت إلى يزيد وهي ملك الدولة، بل ملك الأمة.
2- في منطقة الصفاح: وفي هذه المنطقة التقى الشاعر المعروف الفرزدق، فبادره قائلاً: ((بأبي وأمي يا ابن رسول الله، ما أعجلك من الحج؟)) فقال (ع): ((لو لم أعجل لأخِذتُ))(59)، ثم بادره الإمام (ع) قائلاً:
((- من أين أقبلت يا أبا فراس؟
- من الكوفة.
- بَيِّنْ لي خبر الناس.
- على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء... وربنا كلّ يوم هو في شأن))(60).
فأجابه الإمام (ع): ((صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبُّ فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يتعدّ من كان الحقّ نيته، والتقوى سريرته))، ثم حرّك الحسين (ع) راحلته، وقال: ((السلام عليكم))، ثم افترقا(61).
وأنشأ (ع)(62): [من الطويل]
لئن كانت الدنيا تعدّ نفيسة***فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت***فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن كانت الأرزاق شيئاً مقدراً***فقلة سعي المرء في الرزق أجمل
وإن كانت الأموال للترك جمعها***فما بال متروك به المرء يبخل
ولا شكَّ أنَّ تشخيص الفرزدق لوضع الأمة النفسي كان دقيقاً ومعبّراً عن الهبوط الروحي، والفكري، والأخلاقي، وفقدان الإرادة، حتى وصلت إلى حد تخالف ظاهرها عن باطنها، والإنسان حين تختلف سريرته عن علانيته يكون قد سقط من القمة إلى القاع، وحتى الفرزدق نفسه (الذي كان يملك وعياً اجتماعياً ووعياً ثقافياً مع علمه بأنّ الإمام سيقتل لم يندفع إلى نصرته والالتحاق بموكبه؛ ليذبّ عنه، فإذا كان هذا حال الفرزدق، فكيف بغيره من سواد الناس وجهالهم)(63).
3- في ذات عرق: التقى بشر بن غالب الأسدي قادماً من العراق، وأخبره بنفس ما أخبره الفرزدق قائلاً: ((خلّفتُ القلوبَ معك، والسيوفَ مع بني أمية))، فقال (ع): ((صدق أخو بني أسد، إنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد))(64).
وفي هذه المنطقة التقى الإمام (ع) رجلاً يقال له: ((أبو هرة))، واستغرب أبو هرة خروجه، وقال: ((يا ابن رسول الله، ما الذي أخرجك من حرم الله، وحرم جدّك رسول الله (ص)؟))، وتأثّر الإمام (ع)، فقال له: ((ويحك يا أبا هرة، إنّ بني أمية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عِرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسنَّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلطنَّ عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم حتى أذلّتهم))(65).
4- في منطقة الحاجر: من بطن الرمة كتب (ع) كتاباً إلى أهل الكوفة كجواب على كتاب مسلم الذي دعاه للمجيء إلى الكوفة بعد أن أخذ البيعة منهم، وحمل الكتاب قيس بن مسهر الصيداوي الذي جدّ في السير حتى وصل القادسية، فوقع في يد شرطة ابن زياد، ولما عرف أنّه أصبح في قبضتهم أخرج الكتاب وخرّقه؛ لئلا يقع في يد ابن زياد، ولما حمل إليه حاول ابن زياد أن يعرف ما في الكتاب، وإلى من أرسل، وقال لقيس: ((والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتسب الحسين بن علي وأباه وأخاه، وإلا قطعتك إرباً إربا))، فقال له قيس: ((أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأما سبّ الحسين وأبيه وأخيه فأفعل))(66).
وفي رواية: أنه قال له: اصعد إلى أعلى القصر فسبّ...
(فصعد فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنّ هذا الحسين بن علي خير خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله (ص)، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة، فأجيبوه واسمعوا له وأطيعوا، ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي والحسين (ع)، فأمر به ابن زياد، فألقي من رأس القصر، فتقطع، ويقال: بل تكسّرت عظامه، وبقي فيه بقية رمق، فقام إليه عبد الملك بن عمير البجلي، فذبحه، وقال: إنما أردت إراحته من الألم، وقيل: إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير وليس به، وفي رواية: إنّ الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن يقطر أخو الحسين من الرضاعة، فألقي من أعلى القصر، والله أعلم)(67).
وفي هذه الحادثة المروّعة صورة رائعة لمدى بطولة رجال الحسين (ع)، وبيان مدى إصرارهم على نصره على كل حال... كما صورت مدى الوحشية التي اتّسم بها ابن زياد وجلاوزته، ومن خلال هذه الحادثة يمكن للإنسان أن يحكم على أخلاقية كلّ من المعسكرين، وما اتصف به كل منهما من صفات.
5- في زَرود: وفي هذه المنطقة التقى (ع) زهير بن القين، وفي هذا اللقاء تتجلى رحمة الله لذوي النفوس الصافية، والضمائر الحية، وكيف تدركهم الهداية الإلهية مهما ابتعدوا عن الصواب؛ فزهير قضى حياته كلها بعيداً عن نهج الحق والهدى، وخرج من مكّة فاراً؛ لئلا يلتقي الحسين (ع)، إلا أنّ رحمة الله أدركته على لسان زوجته كما سيتضح ذلك من استعراض قصته، وهي:
كان زهير رجلاً شريفاً في قومه، نازلاً فيهم بالكوفة، وكان شجاعاً، له مواقف مشهورة ومواطن مشهودة، وكان عثماني الهوى، فحجَّ سنة ستين للهجرة بأهله، فوافق الحسين (ع) في الطريق، فهداه الله إلى منهج الحقّ والعدل، ونال السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، فعن أبي مخنف عن بعض الفزاريين قال: ((كنا مع زهير بن القين البجليّ حين أقبلنا من مكّة نساير الحسين (ع)، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين (ع) تخلف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين (ع) تقدّم زهير، حتى نزلنا يومئذٍ في منزل لم نجد بُدّاً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين (ع) في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسين حتى سلم، ثم دخل، فقال: يا زهير بن القين، إنّ أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه، قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده حتى كأننا على رؤوسنا الطير))(68).
ويبدو هنا أنّ الموقف كان حرجاً جداً؛ ولذا توقف القوم عن تناول الغداء، وسكتوا سكوتاً مطبقاً، لم يحر زهير جواباً، ومزقت الصمت زوجة زهير (دلهم بنت عمرو) التي استنكرت على زهير صمته، فقالت له:
((أيبعث إليك ابن رسول الله (ص) ثم لا تأتيه! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه!)) ثم انصرفت، قالت: ((فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه))، قالت: ((فأمر بفُسطاطه وثقله ومتاعه فقُدِّم، وحمل إلى الحسين (ع)، ثم قال لامرأته: أنت طالق، الحقي بأهلك، فإنّي لا أحب أن يصيبك من سببي إلا خير، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنّه آخر العهد، إني سأحدثكم حديثاً، غزونا بلَنْجَر(69)، ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان(70) الباهلي: أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم! فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشدَّ فرحاً بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأما أنا فإنّي أستودعكم الله، قال: ثم والله ما زال في أوّل القوم حتى قتل))(71).
وحين عاتبه بعض أفراد الضلال قائلاً: ((يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانياً؟))، أجابه زهير: ((أما والله ما كتبتُ إليه كتاباً قط، ولا أرسلتُ إليه رسولاً قطّ، ولا وعدته نُصرتي قطّ، ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرتُ به رسول الله (ص) ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظاً لما ضيّعتم من حق الله وحق رسوله (ص)))(72).

نَبأ استشهادِ مُسْلِم بن عَقيل (رحمه الله):
وفي زرود - وقيل الثعلبية - وصل خبر استشهاد مسلم بن عقيل بواسطة رجل أسديّ قادم من الكوفة، التقاه رجلان أسديان التحقا بالحسين (ع) أخيراً وقالا له: ((أخبرنا عن الناس وراءك؟))، قال: ((نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، ورأيتهما يُجَرّان بأرجلهما في السوق)).
قالا: ((فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين (ع)، فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياً، فجئناه حين نزل، فسلّمنا عليه، فردّ علينا، فقلنا له: رحمك الله، إنّ عندنا خبراً، إن شئت حدّثناك علانية، وإن شئت سراً، فنظر إلينا وإلى أصحابه، ثم قال: ما دون هؤلاء سرٌّ، فقلنا له: رأيت الراكبَ الذي استقبلتَه عشيّ أمس؟ قال: نعم، وقد أردت مسألته، فقلنا: قد والله استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل، وإنّه حدثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتى قُتِلَ مسلم وهانئ، ورآهما يُجرّان في السوق بأرجلهما، فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما، يكرِّر ذلك مراراً)).
والتفت الإمام إلى أصحابه قائلاً: ((ما ترون؟ فقد قتل مسلم))، فقالوا: ((والله لا نرجع حتى نصيب ثأرنا، أو نذوق ما ذاق))، فقال الإمام (ع): ((لا خير في العيش بعد هؤلاء))(73).
ويروى أنّه لما بلغ الحسين (ع) مقتله استعبر (ع) باكياً، ثم قال: ((رحم الله مسلماً، فلقد صار إلى رَوْح الله، وريحانه، وتحيّته، ورضوانه، أما أنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا))(74).
6- في الثعلبية: أتاه رجل يقال له ((بشر بن غالب))، وسأله عن قوله تعالى: ((يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ))(75)، فقال (ع): ((إمام دعا إلى هُدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنّة، وهؤلاء في النّار، وهو قوله عزّ وجلّ: ((فَرِيْقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ))(76)))(77).
وروى ثقة الإسلام الكليني عن الحكم بن عتيبة قال: ((لقي رجلٌ الحسينَ بن علي (ع) بالثعلبية، وهو يريد كربلاء، فدخل عليه، فسلم عليه، فقال له الحسين (ع): من أيّ البلاد أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أما والله يا أخا أهل الكوفة، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل (ع) من دارنا ونزوله بالوحي على جدي، يا أخا أهل الكوفة، أفمستقى النّاس العلم من عندنا، فعلموا وجهلنا؟! هذا ما لا يكون))(78).
والإمام أراد بذلك أنّ أهل البيت (ع) يجب أن يكونوا هم المرجع الذي يتلقّى الناس منهم دينهم؛ فإنّهم: ((معادن العلوم والمعارف والشرائع والآداب والأخلاق، واحتياج الناس إليهم في الأخذ والتعليم والاسترشاد والاستفاضة))(79).
ولذلك يحاول أن يرجع الناس إليهم، ولو بتثبيت تلك الحقيقة في ذهن شخص واحد لعلّه يوصلها للناس، وتبقى ترنّ في أذن الزمن كما بقيت صرخاته مدوية إلى اليوم، ولن تتوقف إلى يوم القيامة...
7- في منطقة زبالة: وفي هذه المنطقة تلقّى خبر مصرع أخيه من الرضاعة عبد الله بن يقطر الذي وقع في أيدي جلاوزة ابن زياد، ولما جيء به إلى ابن زياد، قال له ابن زياد: ((اصعد فوق القصر فالعن الكذّاب ابن الكذّاب، ثم انزل حتى أرى فيك رأيي))، قال: ((فصعد، فلما أشرف على الناس، قال: أيها الناس، إنّي رسول الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله (ص) لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة، وابن سمية الدعي، فأمر به عبيد الله، فألقي من فوق القصر إلى الأرض، فكُسرت عظامه، وبقي به رَمَق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عُمَير اللَّخميّ، فذبحه، فلما عيب ذلك عليه، قال: إنما أردت أن أريحه))(80).
ولما بلغ الحسين (ع) مقتله أخرج إلى الناس كتاباً، فقرأه عليهم: ((بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ فإنه قد أتانا خبر فظيع: قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبَّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرج، ليس عليه ذمام))(81).
قال ذلك كي يصفي أصحابه، ولا يبقى معه إلا من كان أهلاً لهذا الشرف العظيم، قال الطبري: ((فتفرَّق الناس عنه تفرّقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة، وإنّما فعل ذلك؛ لأنه ظنَّ أنما اتبعه الأعراب، لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون عَلامَ يقدمون، وقد علم أنَّهم إذا بَيَّنَ لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه))(82).
(فلما كان السحر أمر أصحابه فاستقوا ماء وأكثروا، ثم سار حتى مر ببطن العقبة (فنزل عليها)، فلقيه شيخ من بني عكرمة، يقال له عمرو بن لوذان، فسأله: أين تريد؟ فقال له الحسين (ع): الكوفة، فقال الشيخ: أنشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلا على الأسنّة، وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال، ووطّأوا لك الأشياء، فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل، فقال له: يا عبد الله، ليس يخفى عليَّ الرأي، ولكن الله تعالى لا يُغْلَبُ على أمره)(83).
ونحن لا نعرف قائداً في التاريخ البشري يعلن لأصحابه أنّه سوف يقتل، وأن من لم يلتحق لم يحقق الفتح، ومن التحق به سوف يستشهد، وأنّ هذه الشهادة هي الفتح المبين الذي سيبقى ينير الدرب إلى الله هادياً مرشداً، ومعلماً مربياً، وصدق من قال:
((ففوق كلّ مكان.. الحسين منارة هدى، وفوق كلّ يم.. الحسين طوق نجاة، وفي كلّ مظلمة.. الحسين قبس من نور وحق، وأمام كلّ طاغية.. الحسين ثورة لا تُبْقي ، ولا تَذَر))(84).
وإنما أوضح ما يصير إليه؛ لأنّه أراد أن لا يتبعه في حركته المباركة إلا من كان موطناً نفسه على لقاء الله تعالى كما جاء في خطابه الوداعي في مكة، وقد اتبعه خلقٌ كثيرٌ إلا أنّهم لم يكونوا واعين لمهمته، وما سوف يقدم عليه، وما تصير إليه مصائرهم من مخاطر، (فكان يشرح لهم طبيعة الموقف، ويدعوهم للتخلي عنه إن شاءوا؛ لأن هؤلاء لا يشكلون قوة عقائدية يمكن أن تصمد أمام جيش العدو إذا ما احتدم القتال، وقد ينضمّون إلى ذلك الجيش، ويشكلون خطراً عليه وعلى أصحابه، وربما غدروا بهم وشجعوا غيرهم على الاجتراء عليه وعلى أصحابه)(85).
ونتيجة تلك التصفية الدقيقة لم يحدثنا التأريخ أنّ فرداً واحداً من أصحاب الحسين (ع) التحق بجيش العدو، بل على العكس فقد التحق أفراد من جيش آل زياد إلى صفوف الحسين (ع).
8 - شراف (ذو حسم): وفي هذه المنطقة التقى الحرّ الرياحي قائداً لجيشٍ قوامه ألف فارس - وهنا تتجلى رحمة الله لعباده، وكيف تخرج عباده من الظلمات إلى النور، وتزحزحهم من النار إلى الجنة - فقد جاء الحر حاملاً أوامر الظالمين؛ ليحاصر الإمام أو يأسره، أو يقوده إلى حيث يريد الطغاة، وما يتخيلونه من تصورات وهمية، وكان الجوّ شديد الحرارة، وفي وقت الظهيرة، (وربما كان الحُرُّ لا يتصور أنّه سيلاقي الحسين (ع) في ذلك المكان، فلم يأخذ أهبته، ويتزود بالماء؛ لأنّه ربما حسب أنه سيعود إلى مكان آخر يجد فيه الماء)(86)... لقد أخذ العطش مأخذاً شديداً في جيش الحُرّ، فما وقع نظر الحسين (ع) عليهم - وهم يستبقون إلى جبل صخري يقال له ذو حسم كل يريد أن يلجأ إليه؛ ليجعله في ظهره، ليستقبل القوم من وجه واحد، فسبقهم الحسين (ع) إليه، وضرب إطنابه - (وجاء القوم، وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميميّ اليربوعيّ حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين (ع) في حَرّ الظهيرة)(87).
وكان بإمكان الحسين (ع) أن يقف منهم موقفاً سلبياً، فلا يسقيهم إلا أنّ موقف الحسين (ع) فاق كلّ تصورات طلاب الدنيا، (فمع علمه بمهمّتهم، ودون أن يقوم بمساءلتهم واستغلال موقفه استغلالاً عاطفياً لصالحه)(88) إلا أنّه قال لفتيانه: ((اسقوا القوم وأرووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً))، فقام فتيانه، فرشّفوا الخيل ترشيفاً(89).
والأعجب من ذلك أن يقوم الحسين (ع) بمراقبة ذلك، ومساعدة المذهولين من اللطف الإلهي، يقول علي بن الطّعان المحاربي: ((كنت مع الحُرّ بن يزيد، فجئتُ في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين ما بي وبفرسي من العطش، قال: أنخ الراوية - والراوية عندي السقاء - ثم قال: يا ابن أخي، أنخ الجمل، فأنختُه، فقال: اشربْ، فجعلت كلما شربتُ سال الماء من السقاء، فقال الحسين (ع): اخنث السقاء - أي اعطفه - قال: فجعلتُ لا أدري كيف أفعل! قال: فقام الحسينُ، فخنثه، فشربتُ، وسقيتُ فرسي))(90).

الهوامش:
(57) الحموي، معجم البلدان: 2/49.
(58) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 1/317-318.
(59) تاريخ الطبري: 5/386.
(60) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 3/60-61.
(61) ابن كثير، البداية والنهاية: 8/180.
(62) حياة الإمام الحسين (ع): 3/61.
(63) حياة الإمام الحسين (ع): 3/61.
(64) الملهوف على قتلى الطفوف: 131.
(65) المصدر السابق: 132 ، وحياة الإمام الحسين (ع): 3/64-65.
(66) لواعج الأشجان: 80 .
(67) البداية والنهاية: 8/181-182.
(68) تاريخ الطبري: 5/396.
(69) هي مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب، قالوا: فتحها عبد الرحمن بن ربيعة، وقال البلاذري: سلمان بن ربيعة الباهلي، ينظر: معجم البلدان: 1/489.
(70) اختلف الرواة بسلمان من هو المقصود؟ فقيل: هو سلمان الفارسي، ذهب إلى ذلك المفيد في الإرشاد، والفتال في روضة الواعظين، والخوارزمي في مقتل الحسين (ع)، وابن نما في مثير الأحزان، والبكري في المعجم، بينما ذهب الطبري وغيره أنّه الباهلي، والأرجح أنّه سلمان الفارسي؛ لأن هذا العلم (علم البلايا والمنايا) لم يختص به غير حواري أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
(71) تاريخ الطبري: 5/396-397.
(72) تاريخ الطبري: 5/417.
(73) الشيخ المفيد، الإرشاد: 2/74-75.
(74) الملهوف على قتلى الطفوف: 134.
(75) الإسراء: 71.
(76) الشورى: 7.
(77) الشيخ الصدوق، الأمالي: 118-119، وترتيب الأمالي للمحمودي: 5/196 .
(78) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/398-399.
(79) المولى محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي: 6/398 .
(80) تاريخ الطبري: 5/398 .
(81) الإرشاد: 2/75.
(82) تاريخ الطبري: 5/398-399.
(83) الإرشاد: 2/76.
(84) د.أنطون بارا، الحسين في الفكر المسيحي: 187.
(85) موسوعة الثورة الحسينية: 5/100.
(86) المصدر نفسه: 5/103.
(87) تاريخ الطبري: 5/400 .
(88) موسوعة الثورة الحسينية: 5/104.
(89) تاريخ الطبري: 5/401 .
(90) المصدر نفسه .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الأول
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com