موقع الصراط ... الموضوع : حول المرجعية الدينية وخصائص العالم الديني-1
 
السبت - 26 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حول المرجعية الدينية وخصائص العالم الديني-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 27 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم: الشيخ محمد مهدي الآصفي
asife يجري في أوساط المثقفين اليوم حوار طويل حول (المرجعية الدينية) و(الحوزة العلمية) و(دور العلماء) في المجتمع.
ولما كان هذا الحوار يتعلق بمسألة خطيرة، وذات بعد تاريخي في حياتنا السياسية والاجتماعية، فقد رأيت من المفيد أن أسلط بعض الضوء على النقاط الأساسية ومحاور البحث الرئيسية في هذا الحوار.

المرجعية الدينية من مراكز القوة في المجتمع:
مهما نشك في شيء، فلا نشك في أن المرجعية الدينية أحد مراكز القوة في حياتنا السياسية والدينية والاجتماعية. ومراكز القوة ـ عادة ـ تختزل قوة الأمة وإرادتها.
إن للأمة إرادة وقوة، وهذه الإرادة والقوة قد يجتمعان في مركز واحد، فيكتسب هذا المركز قوة كبيرة تساوي قوة الأمة، وإرادة قوية تساوي إرادة الأمة. وهذه المراكز هي ملك للأمة كلها، لان قوتها وفاعليتها نابعة من الأمة، ودورها هو تمثيل إرادة الأمة وعزمها في القضايا الكبيرة التي لا يتمكن الناس من القيام بها أفراداً وجماعات. وتلك حاجة حقيقية في الأمة.
فلا بد في الأمة من مراكز قوة تمثل إرادتها ووعيها وقوتها وصرختها واحتجاجها. والمؤسسة الدينية تمتلك هذا الثقل السياسي والاجتماعي والحركي إلى حد كبير.
إذن ـ دون أن نتجاوز الحوار ـ نقول لا بد في كل حوار يجري، أن نأخذ بنظر الاعتبار هذه الحقيقة. فليس من بأس على احد من المفكرين والمعنيين بشؤون الأمة، أن يحاور هذه المؤسسة أو تلك من مؤسسات الأمة، وهذا المركز أو ذلك من مراكز القوة، إذا كان يلتزم بقواعد الحوار السليم، ولا يفرط بشيء منه، ولا يجره ذلك إلى الانتقاص والإلغاء.

العمق الاجتماعي لأمتنا:
قد يختفي العمق الاجتماعي للعلماء والمؤسسة الدينية عن أعين الكثيرين، فلا يرون للمؤسسة الدينية هذا النفوذ، وهذا التأثير وهذه المركزية، والموقع الحساس الذي تحدثنا عنه. وهؤلاء على جانب من الحق، فان المجتمع قد يتعرض لمؤثرات سياسية وإعلامية معينة، فتختفي القوة الحقيقية في ذلك المجتمع، وتظهر على السطح حالة وهمية، لكنها تملأ السمع والعين.
وقد تعرّض مجتمعنا في السنوات العجاف لمثل هذه الحالة، فاختفت هذه القوة عن السطح الظاهر للحياة، دون أن تفقد قدرتها ونفوذها في وسط الجمهور، أو على الأقل دون أن تفقد مقومات هذه القوة، وظهرت على السطح قوة سياسية عسكرية تمتلك مفاتيح الإعلام والمال والسلطان، دون أن تملك من دعم الجمهور وتأييده قليلاً أو كثيراً، ولكنها أكثر ما تعتمد عليه النظام الأمني المتشدد، والجواسيس وأدوات القمع والتعذيب من جانب، وعلى التضليل الإعلامي من جانب آخر.
واختفت ـ عن العين ـ في هذه السنوات ( العجاف ) أعراف الأمة وأخلاقها بل حتى مصطلحاتها وشعاراتها، وظهرت على السطح أعراف، وأخلاق، ومصطلحات، وشعارات لا قبل للأمة بها، وفي حالة تشبه حالة المسخ الحضاري، نقول تشبه حالة المسخ ولا نقول هي حالة المسخ الحضاري، لأن العلماء لم يفقدوا في السنوات العجاف هذه، قدرتهم ونفوذهم الحقيقي، وإنما اختفوا عن السطح الظاهر للحياة فقط، وملأ هذا السطح زَبد يملأ العين والسمع.
إلاّ أنّ أحداث عقد الثمانينات وأوائل التسعينات في الكثير من البلدان الإسلامية، وخاصة في إيران والعراق وأفغانستان ومصر والجزائر، أعدّت العالم الإسلامي للعودة إلى حالته الطبيعية مرة أخرى، ومهّدت الظروف السياسية لتحتل الحالة الإسلامية، ومن يرعى هذه الحالة من العلماء العاملين، السطح الظاهر للحياة الاجتماعية والسياسية.
وكان أهم هذه الأحداث والهزات في العالم الإسلامي ـ على الإطلاق ـ الثورة الإسلامية في إيران. فقد كان لهذه الثورة دور كبير في ذهاب الزبد الذي كان يطفو ويطغى على سطح الحياة، وفي إبراز وتثبيت ما ينفع الناس من الوعي والحركة والأخلاق والأعراف والقوانين، ومن الناس الذين يحملون هذا الوعي والحركة.
وكانت هذه الثورة بمنزلة زلزال قلب المجتمع، فظهر على السطح ما كان خافياً وكامناً في العمق من قبل، واختفى عن السطح تماماً، ما كان يملأ العين والسمع من قبل، من الزبد الذي لا يحمل شيئاً مما ينفع الناس. وهذه خاصية الهزات القوية. ففي هذه الهزة العميقة ظهر علماء الدين وبرز دورهم القيادي الفاعل في الأحداث السياسية، وفي مواجهة الاستكبار والكفر، وكان للإمام الخميني الراحل (رض) الدور القيادي البارز في هذه الحركة. ولا ينقص من قيمة هذا الدور وهذا الحجم ـ إطلاقاً ـ الأخطاء السياسية والاجتماعية التي ارتكبها بعض قادة الثورة ورجالها من العلماء وغيرهم. فلكل ثورة أخطاء، وكل ثورة تمر عبر بحر من الفتن، ولا يمكن أن تسلم الثورة خلال عبورها هذه الفتن من الأخطاء. وليس المهم حدوث هذه الأخطاء في وقتها، وإنما المهم هو جرد الثورة بصورة مستمرة، وتصحيح مسيرها وتصحيح الأخطاء التي تقع فيها، وتثبيت المكاسب الحضارية والسياسية التي حققتها.
في الثورة الإسلامية الإيرانية تبادلت القيادة و(القاعدة) الثقة التي كانت مفقودة بينهما منذ زمن طويل، وشعر الناس بان قيادتهم تشاركهم في همومهم وتتحسس آلامهم، حتى لو كانت تعجز عن إزالتها أو تخفيفها، ووقفت الأمة إلى جانب قيادتها في الأزمات الشديدة، وفي أقسى أيام الحصار الاقتصادي والسياسي والإعلامي. وأحس الناس بأن قيادتهم تحترم إرادتهم، وتراثهم ومواريثهم الحضارية، في حين كان الناس قد ألفوا ـ منذ زمن طويل ـ هجر القيادة وتنكرها لإرادتهم ومواريثهم الحضارية وتراثهم. وبكلمة موجزة إن هذه الثورة أعادت الناس إلى أنفسهم، بعد أن كانت الأنظمة الحاكمة، والمرتبطة بعجلة الغرب والشرق، قد سلختهم عن أنفسهم وهذه قيمة حضارية كبيرة.
ومن خلال هذا التصور نستطيع أن نفهم ونتحدث عن مركز العالم الديني وموقعه السياسي والاجتماعي في الأمة.

المواقع الثلاثة للعالم الديني في المجتمع:
إن العالم الديني يمثل في مجتمعنا قيمة كبيرة، حيث يضع الناس فيه أعلى درجات الثقة. ويمارس العالم الديني في مجتمعنا ثلاثة ادوار خطيرة، هي:
1ـ التوجيه والإرشاد والوعظ.
2ـ التعليم والتثقيف والفُتْيا وبيان الأحكام الإلهية والحلال والحرام.
3ـ القيادة والولاية والأمر والنهي عن موقع الولاية والسيادة.
وهذه ثلاثة مراكز خطيرة، وهي أهم ما في حياة الناس. حيث تتطلب حضوراً فاعلاً ومؤثراً في وسط الأمة؛ فلا يستطيع العلماء ممارسة هذه الأدوار، إذا كانوا منعزلين عن الأمة، وعن حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعن حركتها وطموحها وآمالها وآلامها، وتبادلهم الأمة أغلى ما عندها، وأغلى ما عند الأمة هو الثقة والطاعة، ولولا أن الأمة تمنح الثقة والطاعة للعلماء، لم يكن بإمكان العلماء أن يمارسوا دوراً فعالاً من خلال هذه المواقع الثلاثة على الإطلاق.

مصادر الثقة:
لم تكتسب المؤسسة الدينية هذه الثقة وبهذه الدرجة من الأمة من دون سبب، فإنَّ الأمة لا تمنح الثقة إلا ضمن حساب دقيق. فقد يكتسب أحد ثقة جماعة من الناس بصورة أو أخرى، من دون سبب كافٍ، ولكن من غير الممكن أنَّ شخصاً أو مؤسسة تكتسب ثقة أمة من الناس بصورة اعتباطية، ومن غير سبب كافٍ وبصورة مستمرة، رغم كل العوامل السلبية. وعندما نبحث عن الأسباب التي دعت الناس إلى أن يضعوا ثقتهم في العلماء بهذه الصورة، نلتقي بسببين أساسيين:
الأول: توجيه أهل البيت (ع) الأمة إلى احترام العلماء ووضع الثقة فيهم، والرجوع إليهم، والأخذ بتوجيهاتهم، والالتفاف حولهم، والتزامهم، وتبنيهم.
الثاني: التاريخ النزيه للمؤسسة الدينية، وهذا التاريخ يضرب بجذوره في عمق الماضي، وتستحضره ذاكرة الأمة.
والذين يستحضرون هذا التاريخ، يعرفون جيداً، أن المؤسسة الدينية سلمت خلال هذا التاريخ الطويل ـ من الغيبة الكبرى للإمام المهدي المنتظر (عج) إلى اليوم ـ من الانحراف والشطط والانتهازية والتلاعب بمصير الأمة، واستثمار ثقة الناس في شؤونهم الذاتية. وهذا التاريخ حاضر في ذاكرة الأمة ضمن أرقام وقضايا واقعية.
وليس معنى ذلك أنّ التاريخ لم يشهد عضواً في هذه المؤسسة شطّ أو انحرف فقد حصل هذا الأمر بالتأكيد، والمناقشة فيه مناقشة في البديهيات. ولكن الأمر الذي حدث إلى جانب ذلك، أن كل عنصر شط أو انحرف من داخل المؤسسة الدينية، عزلته هذه المؤسسة عن نفسها أو عزله الناس بأنفسهم عن المؤسسة. ولعل هذا الوعي المبكر لتشخيص حالات الانحراف في أعضاء المؤسسة الدينية، والموقف العملي السريع تجاه هذه العناصر، وعزلها عن هذه المؤسسة، وتجريدها عن صلاحيتها وأدوارها، هو من جملة أسباب حصانة المرجعية الدينية والحوزة العلمية. ويدخل في هذا الباب النماذج المعاصرة، التي يعرفها الناس في حياتهم من العلماء العاملين الموجودين في كل زمان وفي كل بلد تقريباً، ممن عرفهم الناس عن كثب، وعرفوا فهم الصلاح، والتقوى، والجدية، والإخلاص، ونكران الذات، والزهد، والاهتمام بشؤون الناس، والقوة، والجرأة، والثبات. وهؤلاء العلماء لهم حضور فاعل بطبيعة الحال في حياة الناس، يعرفهم الناس، ويلتقونهم، ويتعاملون معهم، ويأخذون منهم ويمنحونهم ثقتهم. ويدخلون الحياة السياسية والاجتماعية من أوسع أبوابها. ومع ذلك لا يسجل لهم التاريخ سقوطاً عند هذه المزالق كما يسجل لغيرهم، ولا يفقدون رغم كل النقد والتجريح، ثقة الناس واعتمادهم، ويبقى هؤلاء عناصر صلبة في تيار العمل السياسي والاجتماعي والحركي، لا يمكن ترويضهم بإرهاب ولا إغراء.
وعندما يتلاقى هذان العنصران: ثقة الجمهور بقيادته ورواد حركته، وصلابة عناصر القيادة واستقامتها، تكتسب المؤسسة الدينية قيمة كبرى، وتعتبر مصدر خطر كبير بالنسبة للمؤسسات الاستكبارية التي تطمع في الوصول إلى مآرب سياسية واقتصادية في العالم الإسلامي.
وليس معنى ذلك كله ـ كما أشرنا ـ أن المؤسسة الدينية تخلو من عناصر ضعيفة، تستغل ثقة الناس استغلالاً شخصياً، وتستفيد من احترام الناس وثقتهم في بناء ذاتهم وكيانهم. فان وجود هذه العناصر ضمن المؤسسة الدينية واقع وطبيعي في الوقت نفسه، كما أن وجود هذه القيمة الكبيرة للعالم الديني، وللمؤسسة الدينية عموماً صحيح وواقع أيضاً، ولا سبيل للمناقشة في هذه أو تلك.
ولكن يبقى أن من الخطأ التفريط في هذا الموقع الاجتماعي، بما يحمل من قوة، وبما يكسب من ثقة الناس، ومن الخطأ ـ أيضاً ـ تجنب الحوار والنقد الموضوعي البنّاء لهذه المؤسسة.
يتبع... كيف نتعامل مع المؤسسة الدينية؟
أمامنا ثلاثة أنماط من التعامل مع هذه المؤسسة:
الأول: التعامل من خلال الثقة المطلقة بكل شرائح هذا الكيان الديني، وتعميم الاحترام لكل أعضائه والمنتمين إليه.
الثاني: النقد الجارح الذي لا يتجنب صاحبه فيه حالة التشويه والإلغاء.
الثالث: النقد الموجَّه المسؤول، الذي يطلب فيه صاحبه نقاط الضعف ويوضحها، للتسديد والنصح، وليس للانتقاص والإلغاء.
والفرق بين الأسلوبين الثاني والثالث واضح، فالثاني نمط غير مسؤول من النقد، بينما الثالث نمط مسؤول من النقد. والناقد غير المسؤول لا يهمه إلا تثبيت نقاط الضعف على هذه المؤسسة، مهما كان الثمن، ومهما آل إليه الأمر، بينما الناقد الآخر يهمه النصح والتسديد، ومعالجة نقاط الضعف، فهو يحرص على الكيان من حيث الأساس، ويحرص في نفس الوقت على إصلاح وتسديد نقاط الضعف في هذا الكيان.
ولست اشك أنَّ المؤسسة الدينية بحاجة إلى كثير من النقد، كما لست اشك أن النقد غير المسؤول وغير الموجه ضرره أكثر من نفعه، بل لا يأتي بغير الضرر، لأن النقد اللامسؤول عمل تخريبي في مركز من أهم مراكز القوة في المجتمع، يؤدي إلى تشكيك الناس وسلب ثقتهم عن هذا المركز، دون استبداله بمثله، فضلاً عن استبداله بخير منه. وهذا الأسلوب من النقد ـ إذا أحسنا الظن بالدوافع السياسية والثقافية لصاحبه ـ نابع من أحد أمرين: الأول: عدم وعي مراكز القوة في المجتمع وضرورتها.
الثاني: اللامبالاة وعدم الاهتمام بوجود هذه المراكز. والثاني أسوأ من الأول.
ولدينا أنماط أخرى من النقد، تنطلق من منطلق الحرص على هذه المؤسسة، والنصح والتسديد لها، ولكنه يقع في شرك التسقيط والإلغاء، من حيث لا يريد الناقد.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com