موقع الصراط ... الموضوع : من المنتصر الحسين أم يزيد؟
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من المنتصر الحسين أم يزيد؟  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 27 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
jameel سؤال طالما طرح, ولا يزال يطرح, وكثيراً ما يتوارد على الأذهان, هل نجح الحسين (ع) في ثورته أم فشل؟ وماذا حقق في ثورته تلك؟ واختلفت الأجوبة على هذا السؤال وتباينت.
إن الجواب على هذا السؤال يختلف باختلاف عقائد الناس وتوجهاتهم وأهدافهم في الحياة ووجهة نظرهم إليها. فإذا نظرنا إلى ثورة الحسين (ع) نظرة عسكرية, أو سياسية تحاول الوصول إلى الحكم، والاستيلاء على عرشه فإنا سَنَعِدُها ثورة فاشلة لم يحصل منها الحسين (ع) على شيء, بل أهلك نفسه وعرض عياله وأهل بيته وأصحابه لمآسي مروعة, بل وجرت على شيعته مآسي فضيعة على طول الزمن...
وأما إذا نظرنا إليها من وجهة نظر عقائدية وفكرية تنظر إلى مستقبل الإسلام وأهميته في حياة البشرية, وتستهدف الحفاظ على مبادئه وعقائده وأحكامه, وتحاول بعثه من جديد في نفوس أتباعه؛ لتعيد لهم الحياة والحركة والأصالة, فإنا سنعدها ثورة منتصرة, لأنَّها قد حققت ما كانت تصبوا إليه, ولو على المدى البعيد.
فإنَّ الثوار الذين يستهدفون نصرة العقيدة الحقة لا يمكن أن يحققوا النصر الآني في وقت قصير, بل يخططون على المدى البعيد, وفي خلال ذلك يقدمون التضحيات الكثيرة, ويتفانون ويستميتون من أجلها, ويتحملون أقسى الصعوبات, ويواجهون العقبات العسيرة في طريقهم كالسجن, والتشريد, والتجويع والتخويف, والقتل... ويتحملون كل ذلك؛ لأجل أن يحركوا الأمة خطوة في مسيرة ألف ميل.
وقد يطول الزمان بهم, ولا يرون النصر بأعينهم, بل يأملون تحقق أهدافهم على أيدي الأجيال التي تأتي من بعدهم. فكثير من النهضات السياسية والفكرية استمرت عشرات السنين تقدم التضحيات المتواصلة, وقد يستشهد قادتها ولا يرون النصر, وخير مثال على ذلك الثورة الإسلامية في إيران فقد استمر الإمام الخميني رحمه الله مدة أربعة عقود يواصل الدعوة والجهاد, وتحمل من الآلام والمشاق ما قل نظيرها, فقد سجن, وعُذب وأبعد عن وطنه وشعبه, وقتل أبنه والكثير من أصحابه ومريديه, وقدم الشعب الإيراني آلاف الشهداء من خيرة أبنائه حتى حقق الله لهم النصر.
يقول الإمام الخميني رحمه الله: (ليس ثمة عاقل يتوقع أن نتوصل من خلال عملنا التبليغي والإرشادي إلى تشكيل الحكومة الإسلامية بسرعة... فهذا هدف يحتاج إلى وقت طويل, عقلاء العالم يقومون بوضع حجر في مكان ما؛ لكي يقيموا عليه بناء بعد مائتي سنة من ذلك الوقت, ومن ثم يحققوا النتيجة المرجوة، فعملنا إذا كانت نتيجته تتحقق للأجيال القادمة فعلينا أيضاً أن نستمر به، إذ أنه خدمة للإسلام, ولأجل سعادة البشر, وليس أمراً شخصياً, لكي نقول بما أنه لم ينتج الآن وإنما سيأخذ نتيجته الآخرون فيما بعد, فلا علاقة لنا به . لو أن سيد الشهداء (ع) - الذي ضحى بكل ما لديه من ماديات-كان يفكر بمثل هذا التفكير, ولو كان عمله لنفسه ولفائدته الشخصية لكان هادن منذ البداية, وانتهت القضية, كان الجهاز الأموي الحاكم إنما يريد من الحسين (ع) البيعة, والخضوع لحكمه فلم يكونوا ليحصلوا على أفضل من ذلك بأن يعترف ابن النبي (ص) وأمام ذلك الزمان بحكومتهم ويخاطبهم بلقب أمير المؤمنين. لكنه (ع) إنما كان يفكر بمستقبل الإسلام والمسلمين, وعارض وجاهد وضحى؛ لأجل نشر الإسلام في المستقبل, وإقامة أنظمته السياسية والاجتماعية في المجتمعات)(1).
والدليل على أنَّ الحسين (ع) كان لا يفكر بمصيره, وإنما كان يفكر بمصير الإسلام: إننا إذا تتبعنا مسيرته من المدينة إلى كربلاء, وتأملنا في مواقفه وكلماته نعرف أنَّ الحسين (ع) يعلم علماً يقينياً بأنَّه لن يتوصل إلى الحكم, ولن يهدم عرش بني أمية في وقت الثورة, بل كان يصرح بأنَّه سيقتل, وستسبى عياله.
وقد أشار إلى ذلك في عدة مواقف وبيانات لم يفهم مجتمعه سرها, بل حتى المقربين إليه, والعارفين بمنزلته كعبد الله بن عباس, وعبد الله بن جعفر, ومحمد بن الحنفية, وعمر الأطرف, وأم سلمة... وغيرهم، وهؤلاء جميعاً نظروا إلى الحسين (ع) نظرة إشفاق وتخوف عليه فهم ينظروا إلى مصير الحسين (ع)، وهو ينظر إلى مستقبل الإسلام.
ولذلك كان يجيبهم جواباً حاسماً يخبرهم بأنَّه عالم بمصيره, وإنَّه سائر بأمر إلهي عظيم, بل بمشيئة الله تعالى, وعندما يسأل عن حمله لعياله, يُجِبُ جواباً مجملاً: (إن الله شاء أن يراهن سـباياً). وعن مصيره, يقول: (شاء الله أن يراني قتيلاً).
وعندما قال له أخوه عمر الأطرف: (حدثني أبو محمد الحسن (ع) عن أبيه أمير المؤمنين (ع): أنَّك مقتول, فلو بايعت لكان خيراً لك, فقال الحسين (ع): حدثني أبي أنَّ رسول الله (ص) أخبره بقتله وقتلي, وإنَّ تربته تكون بالقرب من تربتي, أتظن أنَّك علمت ما لم أعلمه؟ وإني [والله] لا أعطي الدنية من نفسي أبداً)(2). وعندما قالت لـه أم سلمة: (لا تحزنّي بخروجك إلى العراق, فإنِّي سمعت جدك رسول الله (ص) يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا وعندي تربتك في قارورة دفعها إليَّ النبي (ص).
فقال الحسين (ع): يا أماه, وأنا أعلم أنِّي مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً, وقد شاء عز وجلّ أن يرى حرمي ورهطي مشردين وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيدين وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً .
قالت أم سلمة : وا عجباً فأنّى تذهب وأنت مقتول؟
قال (ع): يا أماه, إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً, وان لم اذهب في غد ذهبت بعد غد, وما من الموت والله بد, وإنِّي لأعرف اليوم الذي اقتل فيه, والساعة التي اقتل فيها, والحفرة التي أُدفن فيها, كما أعرفك، وأَنظر إليها كما انظر إليك...)(3).
والعجيب من هؤلاء أنَّهم يخبرون بقتله عن لسان رسول الله (ص) الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى, ثم ينهونه عن الخروج, والأعجب إنهم لم يخرجوا معه وهم يعرفون من هو!!
وكان (ع) في أي مكان يحل فيه وأي جماعة يلاقيهم إلا وأخبرهم بمصيره المحتوم, ولنسمع خطابه في مكة الذي يتجلى فيه بشكل صريح انه عالم بمصيره يقول (ع):
(الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله، خُط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جِيد الفتاة, وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف, وخير لي مصرع أنا لاقيه, كأني بأوصالي تقطّعُها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلا, فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً, لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت, نصبر على بلائه, ويوفينا أجور الصابرين, لن تشذ عن رسول الله (ص) لُحْمَتُه, بل هي مجموعة له في حضيرة القدس تَقر بهم عينُه, وينجز بهم وعده. ألا من كان فينا باذلاً مهجته, مُوَطِناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا, فإنِّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى)(4).
كل تلك النصوص وغيرها كثير تدل على علمه باستشهاده وجميع أصحابه وسبي أهل بيته . إذن لا بد أن يكون هناك هدف اكبر من ذلك, واعز عليه من أهله ودمه ألا وهو إنقاذ الإسلام من المحو والإبادة, وسقي شجرته بدمه الزكي كما يقول الشاعر:
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا * إلا إذا دمه في كربلا سفكا
وما سمعنا عليلاً لا شفاء له * إلا بنفس مداويه إذا هلكا
وصان ستر الهدى عن كل خائنة * ستر الفواطم يوم الطف إذ هتكا
هذا الهدف سعى إليه الحسين (ع) وأصر على تحقيقه عندما رأى أن بني أمية بدأت تهدم أركان الإسلام ركناً بعد ركن, وصار الدين يُحارَبُ من على منبره وباسمه وأصبح الخطر محدقاً برسالة الله من كل جوانبها .
وفي نفس الوقت رأى حالات الركود والخدر, والغفلة, والتغافل, واللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية من الأمة بعد أن خدَّروا عقولها, وشلوا إرادتها, وروجوا الأباطيل, ووضعوا آلاف الأحاديث على لسان نبي الإسلام حرفوا فيها أكثر مفاهيم الإسلام وأحكامه وأخذوا ينقضون عُرى الإسلام بأسلوب مخطط محكم على المدى الطويل يحرفون, ويشوهون, ويقلبون حقائق الدين, ويصورن الأباطيل بأنها هي الدين فيحرمون ويحللون ما يحلوا لهم, وما تشتهي أنفسهم, وما يخدم مصالحهم, ويُثَبِّتَ عروشهم كل ذلك يجري باسم الدين, ومن على منبر رسول الله (ص) مثلاً عندما سيطر ابن الزبير على مكة ومنع أهل الشام من الحج, شرع الخليفة الأموي آنذاك بنقل الحج إلى بيت المقدس ...
أضف إلى قتل الخلص من أصحاب رسول الله (ص) وشيعة أهل البيت, وطلاب مدرسة الإمام علي (ع) للقضاء على الإسلام الأصيل ...
كل ذلك أدركه الحسين (ع) وعرف إن لم ينهض نهضته الاستشهادية فإنَّ الإسلام سيصبح في خبر كان؛ ولذا قال لمن نصحه بمبايعة يزيد لحفظ دمه (وعلى الإسلامِ السَّلام إذا بُلِيَتْ الأمة براعٍ مثل يزيد)(5).
ومن هذه العبارة الساخنة نستشف مدى الخطر المحدق بالإسلام, والذي أدركه الحسين (ع) بدقة, حتى عاد الأمر لا يحتمل التأجيل والتأخير.
إذن وقف الحسين (ع) بين أمرين بين أن يحفظ دمه بمبايعة يزيد وإقرار بدع بني أمية ... ومعنى ذلك أن يُوَقِعَ ويمضي القضاء على الإسلام ... وحاشا للحسين (ع) أن يختار على نصرة الإسلام شيئاً, ولو ضحى بكل غال ونفيس, فالإسلام عند الحسين (ع) أغلى وأثمن وأقدس من دمه ودماء أهل بيته وأصحابه ...
ونعود لنسأل هل انتصر الحسين (ع) أم انكسر في تلك المعركة الفاصلة؟ ولنترك الجواب لبعض الكتاب والمفكرين:
يقول سيد قطب: (والناس كذلك يصورون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم. ولكن صور النصر شتى. وقد يتلبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة. إبراهيم (ع) وهو يُلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها... أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك في - منطق العقيدة - أنَّه كان في قمة النصر وهو يُلقى في النار. كما أنَّه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار. هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب! ... والحسين رضوان الله عليه وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب, المفجعة من جانب؟ أكانت هذه نصراً أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة, وبالمقياس الصغير كانت هزيمة. فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً. فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب, وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه. يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين من المسلمين، وكثير من غير المسلمين!
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام, كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة, ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة, بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه, فتبقى حافزاً محركاً للأبناء والأحفاد. وربما كانت حافزاً محركاً لخطى التأريخ كله مدى أجيال...)(6).
ويقول ماربين الألماني في كتابه السياسة الإسلامية: (إنَّ حركة الحسين في خروجه على يزيد إنما كانت عزمةُ قلبٍ كبير عز عليه الإذعان, وعز عليه النصر العاجل فخرج بأهله وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته, ويحيي به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة)(7).
وقال العقاد في كتابه أبو الشهداء: (ولم تعمر دولة بني أمية بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل, فلم يتم لها بعد مصرع الحسين (ع) نيف وستون سنة!... وكان مصرع الحسين هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتى قضى عليها, وأصبحت ثارات الحسين (ع) نداء كل دولة تفتح لها طريقاً إلى الأسماع والقلوب)(8).
فالحسين (ع) صحيح أنَّه خسر حياته الجسدية إذ قتل مع أهل بيته وأصحابه المظلومين, ولكنه ربح القضية التي عاش لها جده وأبوه وأخوه وجميع من شايعه. وهذا المعنى الذي لم يفهمه كثير من الكتاب والمفكرين الذي ينظرون إلى النصر العاجل كما يقول العقاد:
(إن بعض المؤرخين والمستشرقين وضعاف الفهم من الشرقيين ينسون هذه الحقيقة, ولا يولونها نصيبها من الرجحان في كف الميزان.
وكان خليقاً بهؤلاء أن يذكروا أنَّ مسألة العقيدة الدينية في نفس الحسين (ع) لم تكن مسألة مزاج أو مساومة, وإنَّه كان رجلاً يؤمن أقوى الإيمان بأحكام الإسلام ويعتقد أشد الاعتقاد أنَّ تعطيل حدود الدين هو أكبر بلاء يحيق به وبأهله وبالأمة العربية قاطبة في حاضرها ومصيرها؛ لأنَّه مسلم؛ ولأنَّه سبط محمد(ص)... فمن كان إسلامه هداية نفس فالإسلام عند الحسين هداية نفس وشرف بيت...)(9).
ويقول المحقق السيد عبد الرزاق المقرم قدس سره: (كان الحسين (ع) يعتقد في نهضته أنَّه فاتح منصور لما في شهادته إحياء دين رسول الله (ص) وإماتة البدعة, وتفظيع أعمال المناوئين، وتفهيم الأمة أنهم (ع) أحق بالخلافة من غيرهم وإليه يشير في كتابه إلى بني هاشم: من لحق بنا منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح.
فإنَّه لم يرد بالفتح إلا ما يترتب على نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلال, وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهرة, وإقامة أركان العدل والتوحيد, وأن الواجب على الأمة القيام في وجه المنكر.
وهذا معنى كلمة الإمام زين العابدين (ع) لإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله لما قال له حين رجوعه إلى المدينة: من الغالب ؟ فقال السجاد (ع): إذا دخل وقت الصلاة فأذن وأقم تعرف الغالب)(10). وهذا مفهوم للنصر لا يمكن أن يفهمه من ينظر إلى الأحداث بمقياس الربح والخسارة الماديتين, وأئمة الهدى يفهمون النصر بأنَّه بقاء الإسلام حياً نابضاً في النفوس والعقول, وإن جر عليهم ذلك الويلات والمصائب, وهذا هو مقياس العقيدة.
وهكذا إذا قسنا النصر بمقياس العقيدة فالحسين (ع) قد أنتصر كل النصر وأشرف نصر وأعلاه, وإذا قسناه بمقياس أهل الدنيا فقد خسر الحسين (ع) كل شيء.
نقول هذا ولكن لو تأملنا جيداً لوجدنا أنَّ الحسين (ع) انتصر في كلا المفهومين فقد ملك الدنيا وصارع الظالمين, وهو راقد في ضريحه فهو منار للبشرية أجمع... وإلا أين الذين قتلوا الحسين (ع) وكم عاشوا من بعده, وماذا ملكوا, وكم حكموا الدنيا من بعده؟ فلم يعيش يزيد بعد الحسين (ع) أكثر من أربع سنين, بل لم يحكم إلا ثلاث سنين وستة أشهر.

ماذا حققت ثورة الحسين (ع) ؟
بهذه النهضة المباركة المعطاء حقق الحسين (ع) نتائجاً ضخمة جبارة أعادت للإسلام حيويته, وأصالته, ونصاعته, ومن هذه النتائج:
1 - أيقظت الناس من غفلتهم, وكشفت زيف الحياة الدينية التي كان الأمويون يتسترون بها؛ لضرب الإسلام من على منبر الإسلام؛ لاستئصال جذور التوحيد؛ ومزقت الإطار الديني المبطن بالكفر, والشرك, والنفاق, ومن هنا حدث فصلٌ بين السلطة السياسية الجائرة, وبين الإسلام الأصيل, وبذلك برز خطان متخالفان في الجوهر والإطار, خط الدين الإسلامي السليم الذي يمثله البقية الباقية من مدرسة أهل البيت (ع) وخط السلطة (الملكية) المتمثلة بالأمويين الذين يريدون أن يجعلوا الإسلام ستاراً لجرائمهم .
2 - نبهت الأمة على حقيقة الأمويين, وإنهم لا يزالون محكومين للروح الجاهلية وإنَّ العادات والأعراف والأحكام الجاهلية لا زالت كامنة فيهم ومسيرة لهم. إلا أنَّها مغلفة بثوب إسلامي؛ ولذا أخذوا يجدون؛ لتحريف مفاهيم الإسلام وأحكامه من خلال وضع الأحاديث . ويلاحقون أصحاب رسول الله (ص) ممن ليس على هواهم فيقتلونهم , يقول الطبري: (وولى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سَمُرة بن جندب، فحدثني عمر, قال: حدثني إسحاق بن إدريس، قال: حدثني محمد بن سليم، قال: سألت أنس ابن سيرين: هل كان سَمُرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب! أستخلفه زياد على البصرة, وأتى الكوفة, فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت)(11).
وقال أيضاً حدثني عمر، قال: (حدثني علي بن محمد عن جعفر الصّدَفِيّ عن عوف قال: أقبل سَمُرة من المدينة فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من أزقتهم، ففجأ أوائل الخيل، فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة, قال: ثم مضت الخيل؛ فأتى عليه سَمُرة بن جندب وهو متشحِّط في دمه, فقال: ما هذا؟ قيل: أصابته أوائل خيل الأمير، قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتّقوا أسنّتنا)(12).
إذن ثورة الحسين (ع) (هدمت دعائم الضلال التي كانت مغلفة بأثواب الهدى وأيقظت الضمائر السابتة, والنفوس المسترخية, والعقول المخدرة) وأعادت للأمة وعيها وإرادتها.
3 - تصاعد الشعور بالإثم والندم في الأمة، حيث تحول إلى مرجل يغلي يمزق القلوب, وصار المجتمع يفتش عن مخرج ومخلص لـه، ونتيجة هذا حدثت انفجارات وثورات وانبعثت في الأمة روح الجهاد, وتواصلت هنا وهناك ثورات وحركات كثيرة كثورة التوابين, وثورة المدينة, وثورة المختار, وثورة ابن الأشعث, وثورة مطرف بن المغيرة , وثورة زيد بن علي, وثورة أبي السرايا... وكل ثورة حدثت بعد ذلك كانت أثراً من آثار ثورة الحسين (ع). وهكذا (فقد هزت تضحية الإمام الحسين (ع) ضمائر المسلمين, هزة عنيفة، وأشعرتهم بفداحة الإثم, وضخامة الجريمة, وعمق الردة, والانتكاسة في نفوسهم وحياتهم فكانت هذه التضحية المأساوية مبدأً ومنطلقاً لحركات كثيرة في التاريخ الإسلامي, ومصدراً كبيراً للتحريك في التأريخ الإسلامي)(13). نعم، انفجرت روح النضال في الأمة, واستيقظ الضمير الديني, ونفض عن نفسه ركام الذل والهوان, وبذلك أُحبط المخطط الأموي القائم على الإرهاب والإفساد, وبهذين العاملين استخف عقول الناس. فثورة الحسين (ع) أعادت للأمة شخصيتها وهويتها. (لقد أججت ثورة الحسين (ع) تلك الروح التي حاول الأمويون إخمادها، وبقيت مستترة تعبر عن نفسها دائماً في انفجارات ثورية عاصفة ضد الحاكمين, مرة هنا ومرة هناك, وكانت الثورات تفشل دائماً, ولكنها لم تخمد أبداً؛ لأنَّ الروح النضالية كانت باقية, تدفع الشعب المسلم إلى الثورة دائماً, وإلى التمرد, وإلى التعبير عن نفسه قائلاً للطغاة: إنِّي هنا)(14). 4 - كشفت حوادث السبي, وقطع الرؤوس, والقسوة المتناهية عن وحشية الجيش الأموي مما أيقظ ضمير الناس, وكأنه وغزة هزت المشاعر, وكصعقة في حالة نوم عميق أعادت للإنسان إحساسه ووعيه... فإنَّ تلك الحوادث الموحشة والتعامل الوحشي مع النساء والأطفال, والسبي على أقتاب مجردة حركت ضمير الأمة وأيقظتها من سبات عميق, هذه الهزة ضعضعت العرش الأموي, وهدمت أركانه, وخصوصاً بعد أن انكشفت هوية الثوار خلال خطب بنات الهدى ...
يقول المؤرخون: (ولما أُدخلت بنات أمير المؤمنين (ع) إلى الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهم فصاحت أم كلثوم: يا أهل الكوفة أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حرم النبي (ص) ؟
وأشرفت عليهن امرأة من الكوفيات ورأتهن على تلك الحال التي تشجي العدو الألد, فقالت: من أي الأسارى أنتم؟ قلن: نحن أسارى آل محمّد (ص)!!
وأخذ أهل الكوفة يناولون الأطفال التمر والجوز والخبز فصاحت أم كلثوم وهي زينب الكبرى (ع): إنَّ الصدقةَ علينا حرام, ثم رمت به إلى الأرض)(15).
أبا حسن تقضي وتلتذ بالكرى * وبالكف أمست تستر الوجه زينب
أبا حسن ترضى صفاياك في السبا * ونسوة حرب بالمقاصير تحجب
ويهنيك عيش والعقائل حسر * إذا ما بكت بالأصبحية تضرب
فأصواتها بحت وذابت قلوبها * وأنفاسها كادت من الحزن تذهب
ويحمل منه الرأس في الرمح جهرة * وفي التاج رأس ابن الدعية يعصب
ويبقى ثلاثاً عارياً ويزيدها * على جسمه يغدو الدمقس المذهب

الهوامش:
(1) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية: 194 .
(2) المقرم، مقتل الحسين (ع): 133.
(3) المقرم، مقتل الحسين (ع): 135-136.
(4) نفس المصدر : 168-169.
(5) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 1/268.
(6) سيد قطب، في ظلال القرآن: 7/189-190.
(7) المجموعة الكاملة عباس محمود العقاد: 2/230-231، من كتاب أبو الشهداء.
(8)المجموعة الكاملة عباس محمود العقاد: 2/230، من كتاب أبو الشهداء.
(9) نفس المصدر: 228.
(10) المقرم، مقتل الحسين (ع): 65.
(11) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 5/236-237.
(12) نفس المصدر: 237.
(13) الشيخ محمد مهدي الآصفي، وارث الأنبياء: 219.
(14) الشيخ شمس الدين قدس سره، ثورة الحسين (ع) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية: 290.
(15) المقرم، مقتل الحسين (ع): 325.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com