موقع الصراط ... الموضوع : الإنسان والمعرفة في القرآن الكريم
 
السبت - 26 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإنسان والمعرفة في القرآن الكريم  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 28 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم: آية الله السيد محمود الهاشمي
ramadan أشار القرآن الكريم في مواضع متعددة إلى هذا البعد من أبعاد الإنسان بوصفه كائناً فيه قابلية المعرفة والإدراك والعلم والشعور والفهم، وهذا الموضوع متشعب الجوانب ومحتوٍ لأبحاث كثيرة ومختلفة، منها المنطقية والفلسفية والاجتماعية والعلمية والنفسية، وما سنتطرق إليه هو مجمل من هذا الموضوع، وذلك من خلال تتبع مجموعة الآيات القرآنية التي تتعرض إلى هذا الجانب في الإنسان تصريحاً أو تلميحاً والخروج من هذا البحث بنظرية أو نظريات متكاملة عن هذا البعد المهم في الإنسان، والذي لا يقل أهمية عن أصل البحث الذي ابتدأنا به عن الإنسان في القرآن.
وموضوع الإنسان والمعرفة في القرآن الكريم من الموضوعات الشائكة والمعقدة التي تحتاج إلى كثير من الجهد والعناية في استخراج واستخلاص النظرية المتكاملة عن هذا البعد، وهو مما لا يتأتى إلا لمن سبر أغوار هذا الكتاب العزيز وأستوعب مضامينه العالية، وهو مما يختص به النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، ثم بعد ذلك وبدرجات نازلة أولئك الذين نهلوا من منهلهم وأرتشفوا من معينهم وتعلّموا في أحضان مدرستهم، ونحن هنا لا ندّعي أن كل ما نطرحه هو البعد النهائي للنظرية القرآنية في هذا الموضوع، أو ذاك وإنما هو استـفادات وتصورات ( في حدود قدرتنا العلمية المحدودة ) لمعطيات ومداليل الآيات القرآنية في الموضوع المعين.
ومما يزيد من صعوبة استخراج نظرية قرآنية صريحة تخص هذا البعد من أبعاد الإنسان كون القرآن الكريم وكما بيّنّا سابقاً هو أساساً كتاب هداية وتربية وصنع للإنسان، وليس كتاب نظريات علمية، بل إن مردوده بتلك الجوانب والأبحاث والمصطلحات يكون بالمقدار الذي يحتاج إليه في هدفه الأساسي وهو صنع الإنسانية الصالحة.
نظرية المعرفة في القرآن:
ويمكن إيجاز أهم ما تتعرض له الآيات الكريمة المتعددة والمتنوعة في مداليلها بما يلي:
١ ـ إن الإنسان كائن مدرك: تعبّر الكثير من الآيات الكريمة بصراحة عن كون الإنسان كائناً له القدرة على الإدراك والفهم والتحقق والوعي والشعور، وبتعابير مختلفة، كالإبصار والسمع والتعقل والشعور والشهود, فظاهرة الإدراك في الإنسان ثابتة وأساسية تميزه عن سائر الكائنات, والقرآن يعبّر عمن لم يستـفيدوا من هذه الموهبة الإلهية ( العقل والإرادة ) بأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فهؤلاء لم يغتـنموا الفرصة المتاحة لهم والتي تمكنهم من السير في الطريق الذي يؤدي بهم إلى التقرب من الله سبحانه بحيث أنهم يتميزون عندها حتى على الملائكة في درجة قربهم.
وكيف أن ملاك تميّز آدم عليه السلام على الملائكة هو علمه بالأسماء، وقدرته على التعلم وكونه صالحاً للإدراك، فقد علّمه الله سبحانه فتعلّم، وبهذا استحق ذلك التعظيم من خلال الأمر بسجود الملائكة له، وبالتالي سقطت شبهة وتساؤل الملائكة عن سبب تميز آدم عنهم والأمر بالسجود له.
ومن خلال الآيات الكريمة في هذا الشأن نستنتج أن قدرة هذا المخلوق مطلقة وليست محدودة، وهو يمتلك قدرة على تعلم كل حقائق الوجود، إلا المرتبة التي تمتنع عن الإدراك للممكن، وهي المرتبة المتعلقة بالله سبحانه، فما دون هذه المرتبة يمكن للإنسان الوصول إليها، فيمكنه أن يتطور ويتكامل ويدرك أكبر قدر ممكن من الحقائق الكبرى في الوجود والتي لا يتمكن حتى الملائكة من إدراكها، فالنبي (صلى الله عليه وآله) استطاع إدراك كل ما يمكن أن يدركه الممكن من حقائق عالم الغيب والشهادة بالنحو الذي تبينه الآيات الكريمة ( ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى) سورة النجم/٨ـ٩، فكان أقرب ما يكون إلى الله سبحانه وإلى معرفة مقام الربوبية، وفي الروايات ورد أن جبرئيل قد بلغ إلى حد لم يتمكن من الصعود بعده، فصعد النبي (صلى الله عليه وآله) لوحده وهذه كناية وإشارة إلى أن الحد الوجودي والإمكاني لجبرئيل وهو أرقى الموجودات أقل من حد النبي في مقام القرب والتعرف على الحقيقة المطلقة، فاستمر النبي (صلى الله عليه وآله) في دنوه وتكامله وتطوره في الإدراك والمعرفة وسائر الحيثيات التي كانت تستبطنها تلك المعرفة الخاصة وذلك العروج الرباني الخاص.
وتمتاز قابلية الإنسان على الإدراك بكونها ديناميكية ومتنوعة وغير ثابتة ولا متناهية، فكل مخلوق قابل للإدراك (عدا الإنسان) له حد ثابت لا يتطور ولا يزداد أو ينقص منه.
فاستجابته وتوجيهه تكونان باتجاه معين ثابت لا يحيد عنه كما جاء في وصف الملائكة ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) سورة التحريم/٦٦, وفي الروايات نجد أن لكل ملك عملاً خاصاً مكلف به, كتدبير السماوات وتسيير الرياح وخلقة الإنسان.. والتكليف هنا هو التكليف التكويني لا التشريعي المولوي.
ولهذه الميزة نرى تطور الإنسان في سلم الكمالات حتى أحاط الأنبياء والأولياء بالوجود كله وبالحقيقة كلها، هذا في جانب الفرد، أما في جانب المجتمع فنرى تطورها فيما يرجع إلى مدركاتها المادية الطبيعية وأسرارها إضافة إلى مدركاتها المعنوية والأخلاقية والروحية، فالإنسان الذي كان يعيش في زمن موسى (عليه السلام) كانت مدركاته العقلية محدودة جداً بحيث إنه يصر أن العجل يمكن أن يكون إلهاً أو أن إنساناً كفرعون يمكن أن يكون إلهاً له، وبفضل نزول الهداية الإلهية ونمو الإنسان نفسه، زالت كل تلك الخرافات والغشاوات عن الذهنية البشرية وهُذّب الذهن البشري وكُشف عنه حجب الجهل.
فالإنسان كائن مدرك زود بقابلية المعرفة وهي أرفع مما لدى سائر المخلوقات المدركة حتى الملائكة وهذه القابلية ديناميكية متحركة وليست قسرية وهي قابلة للنمو والرشد فيما يرتبط بعالم الطبيعة أو عالم الغيب والمعاني والملكوت.
٢ ـ خصيصة المعرفة هي أشرف الخصائص التي توجد في مقياس القيمة الحقيقية، فالعلم والمعرفة هما أعلى وأشرف ما يمكن أن يتحلى به الإنسان وهي من خصائص الله سبحانه فهو العالم وهو الذي نفخ روح الإنسان من روحه فأوجد فيه قابلية المعرفة، وخصيص شرف المعرفة يعترف بها حتى الماديون المنكرون لله سبحانه وتعالى، فلا يوجد عاقل يقول باستواء العالم والجاهل (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) سورة الزمر/٩, ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور) سورة فاطر/٢٠, حتى جُعلت الغاية من الخلق هي المعرفة (على أحد التفسيرات ) في قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) سورة الذاريات/٥٦.
٣ ـ التأكيد على ضرورة الاستناد إلى العلم والمنطق والبرهان والدليل والعقل والفكر في كل تحرك وموقف يقفه ويعتقد به الإنسان، فبعد هذه الأهمية للعلم والمعرفة لا بد من إستخدام العقل في فهم وإدراك ما يعتقد به الإنسان مستنداً إلى العلم والمنطق والعقل ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ) سورة الأعراف /١٧٩, فالآيات تحث على الاعتماد على المعرفة والتدبر لا الجهالة والخرافة والغفلة لاهية قلوبهم (وأسروا النجوى) سورة الأنبياء /٣, فلا بد من انعكاس هذا الإدراك على عقيدة الإنسان ومواقفه التي يتخذها.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية كبرى في الحياة العقائدية للإنسان باعتباره يشكل الأساس للجوانب الأخرى فكل سلوك فردي أو اجتماعي مبني على نظرية عقائدية معينة هي الأساس والخلفية الفكرية التي تبرر السلوك الخارجي للفرد أو المجتمع.
ومن جملة الآيات التي تعرضت إلى هذا الجانب ما يلي:
((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)) سورة البقرة /١١١.
((ولا تقفُ ما ليس لك به علم)) سورة الإسراء/٣٦.
((وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)) سورة الملك/١٠.
((ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة)) سورة الأنفال /٤٢.
4 ـ إن للمعرفة قيمة ـ أي أن للإدراك ما يطابقه في الواقع الخارجي، ويعرف هذا البحث في المنطق بـ ( نظرية المعرفة ) فللإدراك جانبان، جانب ذاتي وآخر موضوعي، فالجانب الذاتي له لم ينكره أحد حتى السوفسطائيون، فلا إشكال بأن الإنسان يدرك بأنه يدرك كما قال الفيلسوف الغربي ( ديكارت ): ( أنا أفكر فإذن أنا موجود ) ونحن نصطلح على هذا العلم بالعلم الحضوري وهو علمنا وإدراكنا بما ندركه، لكن الخلاف قد وقع في الجانب الموضوعي لهذا الإدراك وهو وجود مطابق خارجي لهذا الإدراك، فلعل هذا الإدراك حاله سائر الانفعالات النفسانية، كالألم والجوع والعطش، والتي هي حالات ذاتية ولكن ليس لها ما وراء نفس تلك الحالات من كشف لحقيقة موضوعية خارج ذات الإنسان، فحالة الفرح عندما تحدث للإنسان يتصور وجود شيء مقابل تلك الحالة في واقعه الخارجي لكنه مجرد انفعال لا يترتب عليه أثر في الخارج، وهذا الإشكال أورده السوفسطائيون والمثاليون والشكاكون قديماً وحديثاً فانبرى الحكماء والفلاسفة الواقعيون لإثبات وجود مطابق موضوعي خارجي للإدراك إذا حصل من مناشئه المنطقية الصحيحة.
على هذا فالجانب الذاتي للإدراك يمثل حالة شعورية كباقي الانفعالات النفسانية وهو محل اتفاق المناطقة، أما الجانب الموضوعي للإدراك وهو ما يمتاز به على سائر الحالات الشعورية (الذاتية) فهو وجود المطابق لهذا الإدراك في الواقع الخارجي وهو ما يعبر عنه في بحث القطع في علم الأصول بطريقة القطع وكاشفيته، فللعلم والإدراك كاشفية عن مطابق في الخارج، وليس حالة ذاتية محضة، وهذه النقطة مهمة في الأبحاث المنطقية، وقد كانت محل خلاف بين السوفسطائيين والفلاسفة الواقعيين.
الآيات القرآنية واضحة وصريحة في أن عملية الإدراك عملية موضوعية وليست مجرد حالة ذاتية فهي تؤكد بأن الإنسان ومن خلال موهبة العقل والمعرفة والقدرة على التعلم والإبصار والسمع وغيرها، فإنه يدرك أموراً واقعية لها ما بإزائها بل يطرح القرآن ما هو أوسع من ذلك فهو يطرح واقعية وموضوعية وطريقية للإدراك ووجود مطابقات واقعية موضوعية خارج الذهن أوسع مما تطرحه الاتجاهات المنطقية، فالمنطق الإنساني ربما لا يثبت الواقعية لأكثر من الواقع المحدد بهذا الوجود، بينما القرآن الكريم يؤكد بأن الواقع الذي يمكن للإنسان أن يدركه ويشهده ويتصل به هو أوسع من الوجود المادي وهو ما يعبر عنه بعالم الغيب في هذه النشأة والنشأة الأخرى، ومن الآيات التي تعرض هذا الجانب:
((ما كذب الفؤاد ما رأى… لقد رأى من آيات ربه الكبرى)) سورة النجم/١١و١٨.
((جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب)) سورة مريم/٦١.
((الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة)) سورة البقرة /٣.
٥ ـ في تحديد مصدر المعرفة أو منشأ الإدراكات، توجد ثلاث نظريات مهمة تفسر منشأ الإدراكات لدى الإنسان وهي: النظرية الحسية، ونظرية الاستذكار الأفلاطونية، ونظرية التجريد الذهني لأرسطو.
لم تتطرق الآيات القرآنية إلى مثل هذا البحث المنطقي ( في نظرية المعرفة) من أن مصدر نشوء المعرفة الحصولية هو الحس فقط أو الاستذكار أو الحس والعقل مما يجعل من الصعب استخلاص نظرية قرآنية بهذا الشأن، وما يؤكد عليه القرآن من خلال السمع والبصر والفؤاد، وما استظهر من الآيات القرآنية بشأن تحديد منشأ الإدراك لدى الإنسان هو تحميل للآيات بأكثر مما هي متعرضة له لأن القرآن أساساً لا يتعرض إلى هذه النقاط العلمية غالباً فهو كتاب هداية وتربية وصنع للإنسان وما يتطرق إليه أحياناً متعلق بهذا الهدف السامي والرفيع.
٦ ـ يمكن ومن خلال الاستفادة من الآيات القرآنية (بطريق غير مباشر) تحديد بعض المصادر التي يعتبرها القرآن الكريم صحيحة وسليمة في المعرفة إضافة إلى المصادر غير الصحيحة، فالمصادر الصحيحة للمعرفة من وجهة نظر قرآنية هي:
أـ المعارف التي تعتمد على الفطرة البشرية السليمة الخالية وغير الملوثة بالأفكار الزائفة، فللإنسان مدركات فطرية يعترف بها القرآن الكريم كمصدر سليم من مصادر الإدراك، فأصل الدين هو أمر مطابق مع الفطرة الإنسانية في تشريعاته وتنظيماته إضافة إلى جانب الاعتقاد بالله سبحانه فهو أمر منسجم مع الفطرة، فالإنسان مدرك للتوحيد بفطرته، فللفطرة مدركات أولية وجدانية صحيحة فيما يختص بتوحيد الله سبحانه في أقل تقدير ولكن الإنسان لا يسلم بذلك بعد تلوثه بالذنوب وبالأفكار المنحرفة فهو يولد على الفطرة كما في الحديث الشريف وأبواه يهودانه أو ينصرانه، فالإنسان يولد على التوحيد ولكن من خلال المجتمع تتلوث فطرته السليمة من خلال الأجواء المحيطة به.
الإنسان مخلوق أُودع نفخة من روح الله سبحانه، تستبطن هذه النفخة العلم والإدراك بوجود الله ووحدانيته ومن الآيات التي تطرقت إلى هذه المسألة:
((قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض)) سورة إبراهيم/١٠.
فكأن معرفة الله سبحانه مسألة فطرية وكل شيء يدل عليه، وكما يقول الإمام الحسين (عليه السلام) في دعائه في يوم عرفة (متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك عليها رقيباً)
((وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور)) سورة لقمان/٣٢.
وغيرها من الآيات الكريمة التي تتحدث عن الحالة التي تعتري الإنسان في الأوقات الحرجة فهو يتوجه لا شعورياً بفطرته إلى الله سبحانه كالحالات التي تصيب الإنسان عندما يركب السفينة وتحيط به الأمواج من كل جانب وكذل حالات النزع وفي سكرات الموت ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) سورة يونس/٩٠.
ب ـ ما نصطلح عليه بالمنهج الاستقرائي للمعرفة، وهو التعرف على الحقيقة من خلال الملاحظة والتجربة والمشاهدة واستقرار الجزئيات واستنتاج ما يناسبها من حقائق غير ملموسة، وهو المنهج العلمي الذي تبتني عليه كل النظريات العلمية والتسمية الصحيحة له في المنهج الاستقرائي، فهذا المنهج يعتبر في نظر القرآن الكريم سليماً صحيحاً كمصدر للمعرفة بل فيه حث على استخدام هذا المنهج للتعرف على الحقائق كالإيمان بالله وتوحيده وبعض صفاته إضافة لبعض أصول الدين وحتى الحقائق العلمية المادية، ومن الآيات التي تعرضت لهذا المنهج:
((إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار)) سورة آل عمران/١٩١.
فأي إنسان يقف أمام هذه الجزئيات المستقراة يدرك وجود النظم والإتـقان والدقة المتناهية في كل جزء من أجزاء السماوات والأرض بحيث انه لو كان اختلال في ذرة أو جزيئة لأدى إلى التخلخل في هذا النظم، فلا يمكن أن يكون كل ذلك الإتقان من غير مدبر وهو ما يسمى بدليل النظم ويعتبر هذا الدليل من أفضل الأدلة على وجود الله سبحانه، وقد أثبت السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء ومن خلال الدليل الاستقرائي إن مبنى العلم والإيمان واحد، فالذي يؤمن بأحدهما لا بد وأن يؤمن بالآخر ويعتبر الدليل الاستقرائي من أيسر المناهج وأوضحها وأكثرها قبولاً عند الناس، وهو مقبول عند من تلوثت فطرته بخلاف الدليل الفطري فإنه يتلائم مع صاحب الفطرة السليمة، ولذلك فقد أكد القرآن الكريم على هذا الدليل أكثر من أي دليل آخر.
ألوانها ((ألم ترى أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ومن الجبال جدد وبيض وحُمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدّواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء)). سورة فاطر/٢٧ ـ٢٨.
فأواخر الآيات جعلت نتيجة للذي يفتح عينيه على الكون والطبيعة ويستقرىء آيات الله فإنه سينتهي إلى الإيمان بالله، لذلك فإن الآيات تؤكد أن أكثر الناس خشية لله هم العلماء، ونحن نرى أن العلماء في المذاهب والعلوم المختلفة يختلقون عن أتباعهم في كونهم كلما ازدادوا علماً ازدادوا إيماناً بالله سبحانه، ويقال بأن داروين صاحب كتاب (أصل الأنواع) الذي كان قسيساً أرسل إليه القساوسة مستـفهمين عن صحة شكه في الله سبحانه بعد نظريته في التطور، فأجاب بأنه على العكس من ذلك فإنه قد أزداد إيماناً لأنه قد أكتشف المزيد من الدقة في الخلق.
((وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون)). سورة الذاريات/٢١ـ٢٢.
((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)). سورة فصلت /٥٣.
ج ـ المنهج العقلي (القياس)، ويستفاد من إشارات كثيرة في آيات متعددة، فالآية الكريمة ((لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا)). (سورة الأنبياء/٢٢) واردة في إثبات الوحدانية ونفي الشريك، وفيها استدلال قياس، ففرض وجود إلهين يؤدي إلى فساد وبطلان وانتفاء الوجود وهو استدلال عقلي يقول به الفلاسفة، وكذلك الآية الكريمة ((أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)) (سورة طور /٣٥). فهي تثير العقل بالإشارة إلى أنه لا بد لكل ممكن من خالق، فهي تستبطن قياساً، فإما أن يكونوا قد خلقوا من غير شيء وهو غير معقول، أو يكونوا هم الخالقين وهو مستحيل، لأنه يلزم التناقض، عندها سيتعين الاحتمال بعد بطلان الاحتمالين الأولين فيكونون مخلوقين.
وقوله تعالى ((والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون)) سورة النحل /٢٠. فالذي يحتاج في خلقه على خالق لا يمكن أن يخلق غيره.
وقوله تعالى ((وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)) سورة يس/٧٨ـ٧٩، ففي الآية استدلال عقلي بأن الذي يشكك في البعث والنشور فإن الله سبحانه ينّبهه إلى خلقه أول مرة فمن خَلَقَه أول مرة يمكنه إعادته متى شاء.
وكذلك في قصة إبراهيم (عليه السلام) عندما كسّر الأصنام ثم جعل الفأس في رقبة كبيرهم وحين سُئل إبراهيم (عليه السلام) عن الفاعل ((قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون)) سورة الأنبياء /٦٣, ففي الآيات إشارة لقومه بأن من لا ينطق ولا يدفع عنه الضر لا يستحق أن يُتخذ إلهاً.
د ـ الإدراك بالوحي ويمثل مصدراً راقياً وغنياً ورفيعاً من حيث الأسلوب والمنهج وزمامه بيد الله سبحانه، والوحي ركيزة في كل الديانات وهو مصدرها، فكلها نازلة بالوحي، فيوحي الله سبحانه إلى العبد الذي يجده مؤهلاً للإيحاء ولا يختص بالأنبياء كالإيحاء إلى مريم، ونحن هنا نريد البحث عن الوحي من الناحية المنطقية (باعتباره مصدراً حقيقياً وسليماً من مصادر الإدراك) لا من الناحية الفلسفية لكي يستلزم شرح ماهية الوحي فبحثنا عن مصادر وحقيقة الإدراك وجوهره من الناحية المنطقية فقط.
ومن الآيات التي تطرقت إلى هذا الجانب ( فأوحى إلى عبده ما أوحى) سورة النجم /١٠.
وكذلك ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) سورة الإسراء/٨٦, والآية الكريمة ( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه ) سورة فاطر/٣١, والآية ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) سورة آل عمران /٤٤, وهذا الوحي أما أن يكون من وراء حجاب كما في الوحي لموسى (عليه السلام) أو عن طريق إرسال رسول كما في الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
هـ ـ الإدراك بالإلهام ويسميه الفلاسفة والعرفاء بالإشراق فالإنسان قد يصل إلى المعرفة بلا استدلال منطقي فيلقى في روعه فيدرك شيئاً ما إدراكاً صحيحاً، والإلهام مصدر للمعرفة يمكن التعويل عليه.
ويدعي أكثر الفلاسفة الإسلاميين أن المؤمن إذا التزم بتعاليم الله سبحانه وجسد بحق كل القيم الإلهية تصبح له شفافية وإشراق على حقائق الكون والغيب، فلروح الإنسان القابلية على هذا الإشراق كلما تجردت من التعلقات المادية، فهو يدرك بعقله بلا حاجة إلى مروره بمراحل الاستدلال المنطقي وذلك بارتباطه بعالم الغيب، ويضيفون على ذلك بأن الاستدلال المنطقي هو من باب تعليم الأطفال الذي يكونون في غنى عنه عندما يكبرون، فالمعرفة الحصولية هي بمثابة الأوليات للطفل وإنه إذا ما تدرج في دراسته العليا فإنه يكون في غنى وإحاطة لكل تلك المسائل ويدرك عند ذلك حقائق لم تكن من الممكن إدراكها في طفولته، وهذا هو حال الإنسان العادي بالنسبة للإنسان العارف القريب من الله سبحانه.
ونحن هنا لا ندعي صحة كل ما يقولونه لكن من المؤكد أن المؤمن إذا أتقى ربه حق تقاته فإنه يصل إلى مقامات في القرب والإشراق والإشراف على عالم المادة، وقدرة الأنبياء والأئمة (عليه السلام) جاءت من خلال تجسيد الطاعة التامة لله سبحانه.
ومن الآيات التي تتطرق إلى هذه المعاني:
( فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنّا علماً) سورة الكهف/ ٦٥, والقرآن الكريم لم يقل بأنه أنزل الوحي على الخضر(عليه السلام) بل هو نوع من الإلهام أو ما سمعناه بالعلم اللّدني الذي يرتبط فيه الإنسان بعالم الغيب, فالأئمة (عليه السلام) إضافة إلى الصديقة الزهراء (عليه السلام) لم يكن ينزل عليهم الوحي، وإنما كان علمهم لدُنيّاً بالإلهام.
((قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سوّلت لي نفسي)) سورة طه /٩٦.
فقد حصل للسامري ذلك الإشراق من خلال تلك القبضة, والتي ألقاها في فم العجل فأصبح له خوار.
((وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)) سورة القصص/٧, فالإيحاء هنا ليس بإرسال الوحي وإنما بالإلهام وكذلك بالآية الكريمة ((وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً)) سورة النحل /٦٨.
هذا إلى جانب العديد من الآيات التي تؤكد على وجود الإلهام كمصدر من مصادر المعرفة السليمة والصحيحة والتي هي إفاضة شبه طبيعية، وكأن كل إنسان له القابلية على الوصول ولو بالقوة إلى تلك المراتب العالية من مقام الاطلاع والإشراف على عالم المادة إضافة إلى بعض حقائق الغيب والتدرج في سلم القرب الإلهي حينما يجسد الطاعة والعبودية الحقيقية لله سبحانه.
وفي نفس الوقت الذي يشير فيه القرآن الكريم إلى المصادر السليمة والصحيحة للمعرفة فإنه يشخص المصادر غير السليمة التي يعتمدها بعض الناس ويتصورونها علماً وما هي إلا وهم وهي:
١ ـ تقليد الآباء والأسلاف, فهناك آيات كثيرة تشير إلى هذا المصدر من المصادر غير الصحيحة للمعرفة منها (إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) سورة الزخرف / ٢٢, وهذه الحالة يتأثر فيها الإنسان بشكل غريزي وعاطفي تأثراً بالغاً ولا بد للإنسان من معاناة كبيرة للتخلص منها وهي لا تقتصر على الذين ذكرهم القرآن الكريم من الأمم السابقة، بل هي حالة غريزية متأصلة في نفس الإنسان ومن الصعوبة أن يتخلص منها ، فعندما يراجع الإنسان في ثقافته وفكره فإنه يرى التأثير البالغ لآبائه وأسلافه فيما يعتقده وقليل من يستطيع التحرر من هذه الحالة تحرراً مطلقا ً, ودرجات التأثر متفاوتة فقد يكون التأثر بليغاً، وبأمور مرتبطة بأصول الدين مثلاً كحالة الشرك، وقد يكون التأثر في أمور أقل خطورة كالتقليد الأعمى والعاطفي واللاشعوري في الشؤون العامة والأخلاقية ( ولعل أهم عامل يتمسك به علماء السنة في اتباعهم وتقديسهم للخلفاء هو التأثر والتقليد العاطفي الأعمى لآبائهم وصعوبة تصور انحراف هؤلاء عن الحق)، ونحن نجد في مجتمعنا من الظواهر الشاذة التي منبعها هو التقليد للآباء والأسلاف ذلك التقليد العاطفي اللاشعوري غير المبني على أساس رصين، فنرى مثلاً تقليد عائلة وعشيرة المرجع له مع أن ثبوت الأعلمية مسألة لا تقليد فيها، فبدلاً من اتباع الدليل نرى ظاهرة التقليد هي الرائجة والمحكمة في كثير من التصرفات وبدرجات متفاوتة وبتبريرات مختلفة.
وهذا المصدر من اخطر المصادر التي يستقي الإنسان منها معارفه، فكثير مما نراه من الانقسامات في المذاهب والاتجاهات إنما هو نتيجة لهذا التقليد الأعمى، ففي الحديث أن كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ولهذا نرى التأكيد على عدم التقليد في أصول الدين وضرورة الاستدلال عليها كي تكون عقيدة الإنسان مبنية على أساس راسخ متين على براهين العقل والمنطق لا على التقليد الأعمى للآباء والأسلاف.
٢ـ إتباع الحكام المستكبرين والأقوياء، فنحن نجد آيات كثيرة تشجب المعتقدات التي يعتقد بها كثير من الناس على أساس التأثر بقوة الأقوياء فهم يتابعون أشخاصاً يجعلونهم أنداداً لله يحبونهم كحب الله كما في الآيات الكريمة ((ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب، إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات وما هم بخارجين من النار)) سورة البقرة/ ١٦٥ – ١٦٧.
فهؤلاء حبهم للأفراد حب الخشية والإطاعة والانقياد لا مجرد الود, فهو حب الداني للعالي، حب الخاضع للمخضوع له فهؤلاء الناس يبنون معتقداتهم ومدركاتهم على أساس هذه العلاقة بينهم وبين المستكبرين، وقد قيل في وصف خطر هذه الآفة الاجتماعية ((إن الناس على دين ملوكهم)) فهم يتخذون القوة دليلاً على صحة الزعم والرأي الذي يقوله الحاكم والمستكبر، فأكثر الآراء والمعتقدات انتشاراً على مر التاريخ هي تلك التي روجها الحكام بفرضهم تلك المعتقدات الفاسدة.
فمعاوية استطاع اللعب بمقدرات الدين عن طريق تسلطه وموقعه القيادي فأوجب سب أمير المؤمنين (عليه السلام) على منابر المسلمين وبرره بمبررات واهية انطلت على الكثيرين ، حتى صار سب أمير المؤمنين (عليه السلام) سنة في حكم بني أمية, والقرآن الكريم يؤكد على خطورة هذه الظاهرة لما لها من آثار اجتماعية وخيمة على المجتمع، واستعرض لنا القرآن قصة فرعون واستكباره في الأرض وتجبره حتى وصل به الأمر أن قال ( لا أريكم إلا ما أرى) سورة غافر /٢٩, فكل ما يقوله هو الصحيح وما عداه هو الباطل، وكل المعاجز التي جاء بها موسى (عليه السلام) عمى عليها فرعون وفرض على بني إسرائيل ما يراه هو فمن جانب نرى منتهى الجبروت والطغيان في فرعون ومن جانب آخر نرى منتهى الاستضعاف والضحالة في بني إسرائيل، فمجرد قبولهم به رباً وهو منهم يمثل قمة الاستضعاف والاستحقار لهم، هذا إضافة إلى فرض فرعون التحجر وعدم الإدراك والتعقل عليهم فكل ما يراه هو ما ينبغي اتّباعه.
وهناك آيات عديدة تصور هذا المصدر غير السليم من مصادر المعرفة منها:
((وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل انتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء)) سورة إبراهيم/٢١.
((وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا)) سورة الأحزاب/٦٧.
٣ـ إتباع الأهواء والشهوات والآمال العريضة وهي من آفات المعرفة التي يشجبها القرآن الكريم فهي تبرر له باتباعها وضع فلسفة ومسلك واتجاه فكري، فالتهالك على أمور الدنيا واتخاذها كل شيء في الحياة هو من أهم أسباب الضياع الذي يعيشه الإنسان إن هو انحرف عن جادة الحق، فالاتجاهات الفكرية المنحرفة الحديثة والقديمة كلها جاءت نتيجة للتهالك على الدنيا وإتباع الشهوات بحيث يتخذ من تلك الأهواء آلهة ومسلكاً وفلسفة له في الحياة لأن الإنسان مفطور على إتباع معبود له يمثل كل المعاني السامية التي يتصورها فهو يتخذ هذه الاتجاهات لإشباع ذلك الدافع الفطري والغريزي عنده.
وهناك العديد من الآيات الكريمة التي تستعرض هذه الظاهرة الخطيرة منها:
((أرأيت من أتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً)) سورة الفرقان/٤٣.
((ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون)) سورة الحجر/٣.
((بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون,حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون, لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون، قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون، مستكبرين به سامراً تهجرون... ولو أتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)) سورة المؤمنون/٦٣ـ٧١.
((بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين)) سورة الروم/٢٩
((يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشّره بعذاب أليم، وإذا علم من آياتنا شيئاً أتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين)) سورة الجاثية/٨ ـ ٩.
٤ـ الوساوس الشيطانية للإنس والجن وتوضح هذا المصدر غير السليم من مصادر المعرفة الآيات من سورة الأنعام (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قُبُلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون, وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون, ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) سورة الأنعام/١١١ـ١١٤.
فهذه الآيات توضح أن لكل نبي عدواً من شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض بالهمس مثلاً, كلاماً مزيناً ومرتباً ليدحضوا به الحق فكل مصلح على مر التاريخ نرى تظافر جهود الشياطين بالإيحاء لبعضهم البعض بضرورة التصدي للحق وبدافع الحفاظ على مصالحهم وتتشكل على ضوء ذلك نظريات ومسالك بعضها يدّعي الحق، وهي من الظواهر الخطيرة في المجتمع لما لها من تأثير من خلال تصديها للحق وادعائها بأنها هي الحق وهذا نحو من التفاعل والتناحر بين الأهواء والغرائز الداخلية في داخل نفس كل إنسان من العناصر الخارجية من الجن والإنس المدعمين لتلك الأهواء,وإن كانت المشكلة تبدأ بلحاظ كل فرد ولكنه من خلال الظاهرة الاجتماعية والحياة الجماعية للبشرية سوف تتفاعل وتتطور المسألة، فيؤكد العامل الخارجي العوامل الداخلية في نفس كل فرد داخل إطار المجتمع.
وهكذا يتشكل مجتمع الضلال والفئات الضالة المضلة للبشرية.
ومن الآيات التي تتعرض إلى هذا المصدر غير السليم من مصادر المعرفة:
( قل أعوذ برب الناس, ملك الناس,إله الناس,من شر الوسواس الخنّاس, الذي يوسوس في صدور الناس, من الجنة والناس ) سورة الناس/١ـ٦.
وهي تشير بوضوح إلى وجود نوعين من القائمين بهذه الوسوسة ( الجن والإنس).
((قل أمرني ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون، فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون)) سورة الأعراف/٢٩ـ٣٠.
((ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون)) سورة الأنعام/٤٣.
٥ـ السحر والشعوذة وهي من المصادر التي كانت على مر التاريخ موجدة لمعارف واتجاهات وأفكار منحرفة وضالة مما كان لها الأثر الكبير على الكثير من الناس, فالسحر لا يعتبره القرآن الكريم مصدراً من مصادر المعرفة الصحيحة لأنه غير معتمد على الفطرة والعقل والمنطق، وإنما على قضايا لا يفلح صاحبها لكونها ليست مبنية إلا على أساس الخداع والكيد ( إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) سورة طه/٦٩, ولقد استغل الفراعنة السحر لأجل إظهار عظمتهم وإلوهيتهم أمام الناس الضعفاء، والقرآن يؤكد على ضرورة اتباع الفطرة والعقل والمنطق، ونبذ السحر باعتباره لا يمثل مصدراً سليماً من مصادر المعرفة، بل هو وهم وخداع ويدعو الأنبياء الناس إلى بناء عقائدهم على العقل والمنطق والفطرة وحتى المعاجز المادية الخارقة فإنها إنما يأتي بها النبي لهداية الجمهور والعامة، وإلا فالمعجزة الأصلية لكل نبي هي حقّانية ما يطرحه وعدم تنافيه مع الفطرة والعقل والأنبياء وبالخصوص خاتمهم محمد(صلى الله عليه وآله) فهم لا يعتمدون على المعجزة في كسب الناس لمدعياتهم بل اعتمدوا على حقّانيتهم، فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ادعى حقانية القرآن واستخدم الطريق الطبيعي في إقناعه الناس، واستخدامه لبعض المعجزات الخارقة كان أمراً استثنائياً لمواجهة المعاندين أو ضعاف العقول، أما العقلاء أصحاب الفطرة السليمة فإن الأنبياء كانوا يستخدمون معهم الاستدلال العقلي والفطري ومن خلال تعاليمهم الخالدة العظيمة، بل أعظم معاجز الأنبياء كان هو الإعجاز العقلي المتمثل في القرآن الكريم، وقد وردت آيات عديدة في شجب الاعتماد على السحر، على أنه مصدر من مصادر المعرفة الصحيحة منها:
((فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم)) سورة الأعراف/١١٦.
((واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت)) سورة البقرة/١٠٢.
وقد وردت آيات عديدة تؤكد على أن هذا المصدر( السحر) قد قوبل به بعض الأنبياء عندما كانوا يبرزون معجزة من المعاجز كما قوبل موسى (عليه السلام) بأنه ساحر حتى أبطل الله سبحانه سحر السحرة المجتمعين وأثبت لهم أن ذلك لم يكن سحراً وإنما معجزة واقعية وخرق حقيقي للنظام الطبيعي للكون، ومن الآيات:
((قالوا إنما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون)) سورة الحجر/٦٥.
والآية ((وقالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون)) سورة القصص/٤٨.
٦ـ إتباع الظنون والخيالات ( المعارف الوهمية غير الموضوعية ) تبين من الآيات الكريمة حال فريق من الناس وهم المعاندين للأنبياء بأنهم متبعون للظن ( الظن هنا هو الاصطلاحي، وهو ما يقابل اليقين ) والخيال وكل ما نزل من عند الله من الحق، فهم يتأثرون في مدركاتهم بأمور تنشأ من مناشئ غير موضوعية ( غير عقلية ) بحيث أنه لو يحتكم الإنسان إلى العقل والمنطق الصحيح فلا يمكن أن يجد لها أساسا ًصحيحاً وإنما منشؤها ذاتي وواه، كالألفة التي تحصل للإنسان بالحياة المادية فعندما يموت غيره ويراه لا يرجع إلى هذه الحياة فإنه يبني معتقداً على ذلك بأن يقول ما قاله الدهريون (وما يهلكنا إلا الدهر) سورة الجاثية /٤٢, ويحاول بهذه المقولة مواجهة قول الأنبياء بالبعث والنشور، والقرآن وباستدلال بسيط يفنّد إدّعاء هؤلاء ويؤكد أن فكرة المعاد مثلها مثل الكثير من الظواهر المادية التي نشاهدها كظاهرة إحياء الأرض بعد موتها (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون) سورة يس/ ٣٣, هذا إضافة إلى عدم كونه مشرفاً على الوجود والكون كله كي يدّعي أنه لا معاد لهذا الجسم بعد حين.
إن كثيراً من المتبنيات التي يدّعيها أصحاب المذاهب والديانات الفاسدة مبنية على أسس واهية كالعاطفة والحب لشيء والبغض لآخر, يقول السيد الشهيد الصدر ( قدس سره ) في كتاب اقتصادنا في تفسير نشوء نظريات العامل الواحد في تفسير حركة التاريخ بأن عامل التأثر بالعاطفة كان له الأثر الكبير في صياغة ماركس لنظريته في الاقتصاد ثم في الفلسفة ثم في الاجتماع والتاريخ، وذلك من خلال نشأته في الفقر والبؤس وما لاحظه من مظالمِ الرأسمالية لطبقة العمال والفلاّحين، فالأفكار والأوضاع التي يعيشها الإنسان في المجتمع والبيئة التي تحيط به لها الأثر الكبير في الاتجاهات الفكرية التي يتخذها إذا لم يحتكم إلى المنطق والعقل السليم، والمجتمع الذي يعيش تعقيداً اقتصادياً واجتماعياً معيناً يعكس أفكاراً ونظريات واتجاهات تنسجم مع وحي ذلك التعقيد، فمجموعة الآيات تشجب اتباع الظن باعتباره ليس مصدراً سليماً من مصادر المعرفة لأنه لا أساس له من العقل والمنطق وإنما هو خيالات نفسية ينشأ بعضها من الألفة والعادة وبعضها من الخيالات والأوهام وبعضها من التأثر بالحياة الاجتماعية والبيئة وهي كلها مناشئ غير موضوعية يريد القرآن تهذيبها وجعلها قائمة على العلم والمنطق والمعرفة الحقيقية ومن الآيات:
((إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى)) سورة النجم/٢٣.
((إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً)) سورة النجم/٢٨.
((إن يتبعون إلا ظناً وإن هم إلا يخرصون)) سورة يونس/٦٦.
((وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)) سورة الجاثية/٢٤.
((ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون)) سورة البقرة / ٧٨.
((وما يتبع أكثرهم إلا ظناً وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً)) سورة يونس/٣6 .

المصدر: مجلة رسالة القرآن، العدد الأول.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com