موقع الصراط ... الموضوع : الرسالية في الشعر الشيعي-2
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الرسالية في الشعر الشيعي-2  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 28 / شعبان / 1433 هـ
     
  الصمود على المبدأ:
مر بنا أن شعراء الشيعة كانوا يعلنون رساليتهم، والتزامهم بإسلام رسول الله، من خلال إعلانهم الولاء لآل البيت، والدفاع عن كرامة الأمة المسلمة. وهذا الموقف كلف هؤلاء الشعراء التأنيب والتقريع، والتشريد والتجويع، وعانوا من ألوان الظلم والاضطهاد والعذاب، صابرين صامدين، مؤكدين على تعاليهم عما يتهافت عليه الناس، من مال ومتاع، وعلى تفانيهم في سبيل مبدأ آمنوا به إيماناً جعلهم يستحلون كلّ تعذيب، طلباً لأجر الآخرة.
ولا يمكن أن نعرف مدى استقامة هؤلاء الشعراء وصمودهم، إلاّ إذا عرفنا جو الإرهاب الذي عاشوا فيه ن والبطش الذي مارسه الحكام بحق الصامدين على المبدأ ويكفي أن نلقي نظرة على كتب التاريخ، لنعرف أن الأمويين والعباسيين مارسوا أفظع ألوان التقتيل والتنكيل، بحق كلّ من كانوا يشكون.. يشكون فقط.. في ولائه لآل بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ (45). يقول الكميت:
ألم تر ني من حب آل محمّد **** أروح وأغدو خائفاً أترقب
كأني جان محدث وكأنما **** بهم يتقى من خشية العار أجرب
على أي جرم أم بأية سيرة **** أعنف في تقريظهم وأؤنب(46)
هكذا كان شاعر أهل البيت..، فهو خائف مترقب، معنف مؤنب، لا لذنب اقترفة سوى حبه لآل البيت وهذا الصمود أمام ألوان التحديات، يؤكد رسالية المسلك الذي إلى الشاعر على نفسه أن يسلكه.
وواضح أن هذا الأدب يختلف تماماً عن أدب اللهى التي تنفتح باللهى (47)، وعن ذلك الأدب الذي يصدر عن عصبية حزبية أو عشائرية لا يقوى صاحبها على مواجهة أي تهديد.
إنّ المعيار الذي اتخذه الشاعر الشيعي في حياته، يسمو على كلّ ارتباط قبلي أو عشائري، فهو معيار رسالي نابع من التزامه بالإسلام وبسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ، لا يبالي بسخط الساخطين أو لوم اللائمين يقول:
فيهم صرت للبعيد ابن عم **** واتهمت القريب أي اتهام
وتناولت من تناول بالغبة **** أعراضهم وقل اكتتامي
ورأيت الشريف في أعين الناس **** وضيعاً وقل فيه احتشامي
معلناً للمعلنين، مسراً **** للمسرين، غير دحض المقام
مبدياً صفحتي على المرقب المعلم **** بالله عزتي واعتصامي
ما أبالي إذا حفظت أبا القاسم **** فيهم ملامة اللوام
ما أبالي، ولن أبالي فيهم **** أبداً رغم ساخطين رغام
فهم شيعتي وقسمي من الأمة، **** حسبي من سائر الأقسام(48)
الخوارج كفروا الشاعر، والأمويون اعتبروه مسيئا مذنباً، ولم يسؤه ذلك، ولم يتراجع عن موقفه قط:
يشيرون بالأيدي إلي، وقولهم **** إلاّ خاب هذا والمشيرون أخيب
فطائفة قد كفرتني بحبكم **** وطائفة قالوا: مسيء ومذنب
فما ساءني تكفير هاتيك منهم **** ولا عيب هاتيك التي هي أعيب
يعيبونني من خبهم وضلالهم **** على حبكم، بل يسخرون وأعجب(49)
ولم يتعرض الشاعر الشيعي للسخط في عصر الأمويين فحسب، بل في عصر العباسيين أيضاً، لأن هذا الشعر قد أتجه إلى مقارعة الطواغيت، سواء كانوا من بني أمية، أم من بني هاشم من العباسيين، ولذلك كان الشاعر الشيعي دعبل في العصر العباسي مطارداً، مهدداً بالقتل، ويعبر عن استعداده لهذه التضحية فيقول: "أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، لست أجد أحداً يصلبني عليها" (50).
المنطق الإسلامي في المدح والهجاء:
منطق المدح والهجاء في الشعر العربي جاهلياً كان أم بعد الإسلام ينحو منحى معيناً، فهو في المدح يتناول الكرم والشجاعة والقوة.. وأمثالها من الخصال الحميدة، وفي الهجاء يركز على البخل والجبن والضعف، قد يتناول الأعراض والمثالب التاريخية...، لكننا نجد في الشعر الشيعي منطلقا خاصاً في المدح والهجاء، يستمد محتواه من مضامين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن غيرة على الإسلام والأمة الإسلاميّة.
مرت بنا رسالية الشاعر الشيعي والتزامه الإسلامي في إبراز ولائه لآل البيت ونذكر هنا بعض نماذج المدح والهجاء في الشعر الشيعي، ليتبين لنا أن العواطف الشيعية إنّما هي عواطف إسلامية صادقة، لا تسمح للشاعر أن يحيد عن مسيرة الرسالة ومحتواها العقائدي.
أبدأ بذكر نموذج من دعبل الخزاعي في تائيته المعروفة(51).
ألم تر للأيام ما جر جورها **** على الناس من نقص وطول شتات
ومن دول المستهترين، ومن غدا **** بهم طالباً للنور في الظلمات
فكيف ؟ ومن أنى يطالب زلفة **** إلى الله بعد الصوم والصلوات
سوى حب أبناء النبي ورهطه **** وبغض بني الزرقاء والعبلات
وهند، وما أدت سمية وأبنها **** أولو الكفر في الإسلام، والفجرات
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه **** ومحكمه بالزور والشبهات
لا حظ، أن الشاعر يؤلمه ما نزل بالناس من ظلم، ويؤلمه ما حل بالمجتمع الإسلامي من تمزق، ثم يهجو أولئك الّذين أنزلوا بالأمة هذه المصائب، فيقول: إنهم المستهترون الذي تحكموا في رقاب الأمة ومن لف لفهم.
"دول المستهترين" ما أجمله من تعبير، ينم عن فهم رائع لخصائص الحكم والحاكم في نظر هذا المسلم المتعلم في مدرسة أهل البيت.
ثم يشيد الشاعر بذكر أهل البيت، باعتبار أن حبهم فريضة إلهية بعد الصوم والصلاة، ويعلن كرهه لبني مروان وبني أمية (بني الزرقاء، والعبلات، وهند) لأنهم"أولو الكفر في الإسلام والفجرات"، ولانهم "نقضوا عهد الكتاب وفرضه".
ثم انظر في الأبيات التالية ـ معياره ـ في مدح أهل البيت:
فيا وارثي علم النبي، وآله **** عليكم سلام دائم النفحات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها **** متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى **** افانين في الآفاق مفترقات
هم أهل ميراث النبي إذ اعتزوا **** وهم خير سادات وخير حماة
مطاعيم في الإعسار في كلّ مشهد**** لقد شرفوا بالفضل والبركات
وانظر كيف يهجو أعداءهم:
وما الناس إلاّ حاسد ومكذب **** ومضطعن ذو إحنة وترات
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر **** ويوم حنين أسبلوا العبرات
وكيف يحبون الني ورهطه؟ **** وهم تركوا أحشاءهم وغرات ؟
لقد لا ينوه في المقال وأضمروا **** قلوباً على الأحقاد منطويات
أعداء أهل البيت ـ إذن ـ هم أعداء النبي وأعداء الرسالة الإسلاميّة ، من الذين هزمهم الإسلام في بدر وخيبر وحنين، فاستسلموا يوم الفتح وقلوبهم تنطوي على الأحقاد.
هذا المنطق الإسلامي في المدح والهجاء نراه على طول تاريخ الشعر الشيعي.
ولنذكر نموذجاً آخر من فارس بني حمدان، أبي فراس الحمداني يقول في ميميته(52) العظيمة يهجو بني العباس ويمدح آل البيت، ويقارن بين البيتين العباسي والعلوي، (انظر بدقة إلى معياره في المقارنة):
يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركم **** عن فتية بيعهم يوم الهياج دم
خلوا الفخار لعلامين إنّ سئلوا **** يوم الفخار وعمالين إنّ علموا
لا يغضبون لغير الله إنّ غضبوا **** ولا يضيعون حكم الله إن حكموا
تنشى التلاوة في أبياتهم أبداً **** ومن بيوتكم الأوتار والنغم
منكم علية أم منهم؟ وكان لكم **** شيخ المغنين إبراهيم أم لهم؟(53).
أم من تشاد له الألحان سائرة **** عليهم ذو المعالي أم عليكم؟
إذا تلو سورة غني مغنيكم **** "قف بالديار التي لم يعفها القدم"(54).
ما في ديارهم للخمر معتصر **** ولا بيوتهم للسوء معتصم
ولا تبيت لهم أنثى تنادمهم **** ولا يرى لهم قرد له حشم
الحجر والبيت والأستار منزلهم **** وزمزم والصفا والركن والحرم.
لاحظ، كيف يمدح آل البيت: إنهم مضحون في سبيل الله علاّمون، عمّالون، لا يغضبون لغير الله، لا يضيعون حكم الله، ترتفع تلاوة القرآن في بيوتهم دائماً.. بيوتهم مطهرة من الخمر والسوء والمنكر، ومنزلهم مكان الذكر والعبادة: الحجر والبيت، وزمزم والصفا، والركن والحرم.
أما أعداؤهم فهم: باعة الخمر، ونساؤهم مغنيات، ورجالهم مغنون، وبيوتهم مكان اعتصار الخمر والسوء والفسق والفجور.
مما تقدم نفهم أن الشعر الشيعي رسالي، لا طائفي ولا حزبي ولا عشائري في ولائه وتبريه، وفي مواقفه الدفاعية، وصموده وأسلوبه.
وهكذا التشيع لم ينشأ مقابل "التسنن" كما يوحي بذلك الانقسام الموجود اليوم بين المسلمين إلى شيعة وسنة، بل نشأ باعتباره الأطروحة الملتزمة بالإسلام كما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، والمدافعة عن الرسالة أمام محاولات المحرفين وكيد الكائدين. وبهذا الفهم الموضوعي الواقعي للتشيع تزول الحساسيات النفسية القائمة اليوم بدرجة وأخرى بين أبناء السنة والشيعة.

الهوامش:
45 ـ بلغ الأمر بالشاعر الشيعي أن يتمنى بقاء جور بني مروان، فهو أفضل مما نزل بالعلويين من ظلم بني العباس: يا ليت جوربني مروان عادَلنا يا ليت ظلم بني العباس في النار.
46 ـ الأبيات 75 ـ 77 من هاشميته التي مطلعها:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب *ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب؟
47 ـ اللهي بفتح اللام هي اللهاة في مؤخر الفم، واللهى: هي لقم الطعام.
48 ـ شرح هاشميات الكميت: 35 ـ 37.
49 ـ المصدر السابق: 52 ـ 53.
50 ـ الأغاني 18: 30 ـ 34.
51 ـ انظر القصيدة التائية الخالدة في ديوان دعبل الخزاعي، تحقيق عبد الصاحب الدجيلي: 124 ـ 151.
52 ـ ديوان الأمير أبي فراس الحمداني: 257 ـ 262.
53 ـ علية: بنت المهدي، اخت الخليفة العباسي هارون الرشيد، قال القيرواني في زهر الآداب 1: 43: "كانت علية لطيفه المعنى، رقيقة الشعر، حسنة مجاري الكلام، ولها ألحان حسان، وعلقت بغلام اسمه (رشا) وفيه تقول:
أضحى الفؤاد بزينب صباً كثيباً متعب* فجعلت زينب سترة وكتمت أمراً معجب
قولها بزينب تريد برشا فنمي الأمر إلى أخيها الرشيد، فأبعده، وقيل: قتله. وعلقت بغلام اسمه (طل) فقال لها الرشيد: والله لئن ذكرته لاقتلنك. فدخل عليها يوماً على حين غفلة وهي تقرأ: فإن لم يصبها وابل فما نهى عنه أمير المؤمنين فضحك، وقال: ولا كلّ هذا...
أما إبراهيم، فهو ابن المهدي عم المأمون، مغن موسيقار، يعرف بابن شكله. حينما بايع المأمون الإمام الرضا بولاية العهد، نقم عليه العباسيون، فاستغلوا وجود المأمون في (مرو)، فبايعوا إبراهيم خليفة للمسلمين وفي مدة تربعه على كرسي الخلافة أصيبت الخزينة بالعجز، فألح عليه الجند وغيرهم في أعطياتهم، فخرج إليهم رسول يقول: إنّه لا مال عند الخليفة، فطلب المتجمهرون بدلاً من المال أن يخرج الخليفة فيغني لأهل هذا الجانب ثلاث أصوات، ولأهل ذاك الجانب ثلاث اصوات (وفيات الأعيان 1: 8.)
وفي ذلك يقول دعبل:
يا معشر الأجناد لا تقنطوا وارضوا بما كان ولا تسخطوا ***فسوف تعطون (حنينية) يلتذها الأمرد والأشمط
و(المعبديات) لقوادكم لاتدخل الكيس ولا تربط ***وهكذا يرزق أصحابه خليفة مصحفه (البربط)
الديوان: 219.
54 ـ صدر البيت من مطلع قصيدة جاهلية لزهير، وعجزه: بلى وغيرها الأرواح والديم ـ يقصد أنكم مقابل تلاوتهم السور، تتغنون بأشعار الجاهلية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com