موقع الصراط ... الموضوع : حول المرجعية الدينية وخصائص العالم الديني-2
 
الأحد - 16 / شعبان / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حول المرجعية الدينية وخصائص العالم الديني-2  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 28 / شعبان / 1433 هـ
     
  الخصائص النفسية والموقع الاجتماعي لعلماء الدين:
العالم الديني صاحب اختصاص بالتأكيد، وهذا الاختصاص هو في علوم الشريعة، وله ما لسائر أصحاب الاختصاص من حقوق وآثار ومسؤوليات. إلا أن هذا الاختصاص، يختلف عن غيره من الاختصاصات. فهو يتطلب من صاحبه أن يتجسد فيه، بشكل واضح وكامل، ومن غير أن تتحول هذه المعرفة إلى سلوك لا يكون صاحبه عالماً بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنَّ العلم إذا رسخ في نفس الإنسان يخلق في نفسه شفافية ونوراً، ولهذه الشفافية وهذا النور آثار واسعة في حياة الإنسان. والعلم يفتح منافذ القلب، ويخرج الإنسان من حالة الانغلاق، ويوسع أفق الإنسان ويمنحه الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويحسس الإنسان بآلام الآخرين وهمومهم، ويلطف إحساسه وشعوره، ويمكنه من تلقي هموم الآخرين ومعاناتهم. وقد وردت في ذلك نصوص إسلامية، نشير من خلالها إلى طائفة من خصائص العلم:
1ـ العلم والخشية:
يقول تعالى: (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ)، هذه الآية تحصر الخشية من الله في العلماء، وبقدر ما يكون العلم تكون الخشية من الله تعالى. والعلم الذي لا ينتج خشية من الله تعالى لا يكون من العلم الذي يجعل من صاحبه عالماً، وإنما هو تراكم من المعلومات. يقول تعالى: (وليعلم الذين أُوتوا العلم أنه الحقُ من ربك فيؤمنوا به فتُخبت له قلوبهم). هذه الآية الكريمة تجعل الإيمان والإخبات من لوازم العلم.
وقد روي عن الإمام الصادق (ع): (الخشية ميراث العلم، ومن حرم الخشية لا يكون عالماً، شق الشعر في متشابهات العلم).
فالعلم الحق هو الذي يورث صاحبه الخشية، وأما الذي لا يورث صاحبه الخشية فليس من العلم، وإن شقَّ صاحبه الشعر في دقة النظر.
وفي القرآن نجد حصرين اثنين: حصر الخوف من الله تعالى والإخبات له في العلماء، فلا يخشى الله تعالى حق خشيته احد غير العلماء، وكلٌ يخشى الله تعالى على قدر علمه. واختلاف الناس في الخشية من الله، ينشأ من اختلاف درجاتهم في العلم، كما ان اختلاف درجات الناس في الاخبات ينشأ من اختلافهم في درجات العلم. وهذا احد الحصرين في القرآن.
الحصر الآخر، هو حصر الخوف في العالم من الله تعالى فقط، فان العالم يخشى الله تعالى فقط، ولا يخشى أحداً إلا الله. يقول تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً). وبموجب هذا الحصر لا يخشى العالم أحداً إلا الله تعالى.
والآية الكريمة، وإن كانت لا تضيف الخشية إلى العلماء، ولكنها تضيفها إلى الذين يبلغون رسالات الله، ولا يبلغ رسالات الله إلا من كان عالماً بها.
فالعلم ـ إذن ـ ذو خاصية غريبة، فهو يبعث الخشية في نفس صاحبه، وينفي الخوف من نفس صاحبه في الوقت نفسه. والخوف الثاني يتبع الأول، والأول ينبعث من العلم. فلا يتحرر الإنسان من الخوف من غير الله إلا إذا تأكد الخوف من الله تعالى في نفسه، ولا يتأكد الخوف من الله تعالى إلا إذا رسخ العلم في نفسه، وبقدر ما يرسخ العلم في نفس الإنسان يكون الإنسان خائفاً من الله تعالى. ونحن نستظهر هذه المعادلات كلها في بيان القرآن وتقريره. وهذا أحد أغرب آثار العلم في نفس العالم.
والعلم هنا أمر آخر، غير ما يخزن الإنسان في ذاكرته من المعلومات، وإنما هو ما يستقر في نفس الإنسان، ويرسخ، ويتحول في نفس الإنسان إلى وعي وبصيرة وهدى وسلوك.
2ـ العلم والمسؤولية:
الخصوصية الثانية للعلم، هي أنه يحمِّل صاحبه مسؤولية أعمال الآخرين. يقول أمير المؤمنين علي (ع) في الخطبة الشقشقية: (أما والذي فلق الحب، وبرئ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها). فإن العلم كما ذكرنا يوسع أفق روح الإنسان وشعوره، ويخرجه من حالة الأنا، ويمكّنه من أن يتحسس هموم الآخرين ومعاناتهم. فإذا أحس الإنسان بمعاناة الآخرين وهمومهم، يحمل مسؤوليتهم، ويقف إلى جنبهم، ويدافع عنهم، ويرفع صرخة المظلوم في وجه الظالم، وهذا هو عهد الله على العالم، كما يقول الإمام علي (ع): (وما اخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم)، وهذا عهد أخذه الله على كل إنسان، وكل منا أعطاه لله تعالى في عمق فطرته وتكوينه، ولكن العلماء من دون سائر الناس، يمكّنهم الله تعالى من وعي هذا العهد والإحساس به، وهذا من خصائص العلم والمعرفة.
3ـ العلم والمعرفة:
والعلم الذي يمنح الإنسان هذه المؤهلات وهذه الشفافية والخفة في الروح، هو ما يصطلح عليه اليوم بـ(الثقافة) فإن المعرفة البشرية (ثقافة) و(علم).
الثقافة هي مجموعة المعارف التي تدخل في تكوين ذهنية الإنسان وعقله وروحه وعواطفه وسلوكه وعقيدته، مثل: العقيدة والفلسفة والأخلاق والآداب والتاريخ وعلوم الشريعة، والعلم ماعدا ذلك من تجارب الإنسان وخبراته ومعارفه، كالصيدلة والطب والجراحة والرياضيات والفلك والجيولوجيا والجغرافيا.
والثقافة توجه العلم، فالعلم لا جهة له من الخير والشر في حياة الإنسان، ويقبل الخير والشر معاً، والثقافة هي التي توجّه العلم إلى الخير والشر. وثقافة الإنسان هي التي توجه وتحدد جهته في الحياة. فإذا كانت الثقافة التي تكوِّن ذهن الإنسان ونفسه، ثقافة ربانية، استطاع صاحبها أن يوظف العلم باتجاه خدمة الإنسان وصلاحه. وإذا كانت الثقافة التي توجه الإنسان ثقافة مادية جاهلية، وجهت صاحبها إلى توظيف العلم باتجاه تخريب أخلاق الإنسان وسلوكه وباتجاه العدوان والإفساد في الحرث والنسل.
والثقافة مصطلح حديث في هذا المعنى، إلا أن التمييز بين (العلم) و(الثقافة) ليس حديثاً. فقد كان العلماء يفرقون بين مصطلح (العلم) و(المعرفة)، وكانوا يقصدون بالمعرفة مضموناً قريباً إلى مضمون (الثقافة) اليوم. ومهما يكن من أمر، فإننا نقصد بالعلم هنا (الثقافة) و(المعرفة)، وبهذا المعنى يكون العلم موجهاً للإنسان وهاوياً له، ويمنح الإنسان النور، والشفافية، وسعة الافق، والبصيرة، والهدى، وفي النتيجة يكون العلم رحمة في حياة الإنسان.
يقول الله تعالى في قصة لقاء موسى بن عمران (ع) بالعبد العالم عند مجمع البحرين: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً)، والعلم في هذه الآية المباركة، وإن كان معطوفاً على الرحمة، إلاّ أن السياق يشهد بان المقصود من الرحمة ما يشمل العلم، فإن الله تعالى إنما وجه عبده وكليمه موسى بن عمران (ع) إلى لقاء عبده العالم، ليأخذ مما آتاه الله تعالى من العلم.
فالعلم ـ إذن ـ رحمة في حياة الإنسان، ولن يكون العلم رحمة إلا حينما يوجِّه الإنسان إلى الله تعالى، ويمنحه بصيرة وهدى وشفافية في النفس، ويرفق مشاعره، ويوسع آفاق نفسه وعقله.

المسؤوليات التخصصية للعالم:
لا يعتبر الإسلام العلماء طبقة اجتماعية متميزة، ذات حقوق خاصة ومتميزة. ولكن العلم يحمل الإنسان مسؤولية متميزة، وفي إصلاح المجتمع، ودعوة الناس إلى الله تعالى، وهذه المسؤولية نابعة من وعي العالم بعهده الذي أعطاه لله تعالى، وهذا العهد يتضمن دعوة الناس إلى الله تعالى وإصلاحهم وتوجيههم. وكلما استقر العلم في نفس الإنسان أكثر تأكد هذا العهد عنده أكثر.
وعلى هذا الأساس يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية تخصصية للعلماء دون سائر الناس، ويجب على المسلمين إعداد العلماء للقيام بهذه المسؤولية.

الأمر بالمعروف في الدائرتين العامة والخاصة: الذي يمعن النظر في القرآن الكريم يجد انه يطرح هذا الواجب الخطير على صعيدين عام وخاص، فالعام بالنسبة إلى كل المسلمين، والخاص بالنسبة للعلماء (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله)، فبموجب هذه الآية يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل المؤمنين والمؤمنات.
وفي الدائرة الخاصة يقول تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)، هذه الآية الكريمة واضحة في الدعوة إلى قيام طائفة من المؤمنين بصورة اختصاصية، بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشاهد على ذلك كلمة (منكم) الدالة على التبعيض.
كما أن القرآن يوجب الإعداد العلمي لهذه الطائفة، من الدعاة إلى الله، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. يقول تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، هذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، وليقوموا بمسؤولية الإنذار والتوجيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا رجعوا إلى قومهم لعلهم يحذرون.
فليس من الممكن أن يتفقه الناس جميعاً، ولا يمكن أن يستقيم أمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (في هذه الدائرة المركزة) من دون أن يتفقه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. ولهذا وذاك يوجب القرآن الكريم على المؤمنين أن يتفقه من كل فرقة طائفة، لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
ويبدو من الآية الكريمة (وما كان المؤمنون...)، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدائرة الخاصة، يختلف شأنه عنه في الدائرة العامة، فهو يتطلب من الفقه، ما لا يتطلبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدائرة العامة، ويتطلب من التفرغ والتخصص ما لا يتطلبه الأمر بالمعروف في الدائرة العامة، ويتطلب من القوة والسلطان والصلاحيات، ما لا يتطلبه الأمر بالمعروف في الدائرة العامة.
المصدر: مجلة التوحيد، العدد 76 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com