موقع الصراط ... الموضوع : معالم شخصية أبي الفضل العباس (ع)
 
الأحد - 18 / ربيع الثاني / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم شخصية أبي الفضل العباس (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 28 / شعبان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
ramadan زارَ الإمامُ الصادقُ عَمَّهُ العباس (ع)، فقال: ((سَلامُ اللهِ، وَسَلامُ مَلائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَعِبادِهِ الصَّالِحِينَ، وَجَمِيعِ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، [وَ]الزَّاكِياتِ الطَّيِّبَاتِ فِيمَا تَغْتَدِي وَتَرُوحُ، عَلَيْكَ يَا ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْلِيمِ، وَالتَّصْدِيقِ، وَالْوَفَاءِ، وَالنَّصِيحَةِ لِخَلَفِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ...
السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الْمُطِيعُ للهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (ع)، والسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ عَلَى رُوحِكَ وَبَدَنِكَ .
أَشْهَدُ وأُشْهِدُ اللهَ أنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى مَا مَضَى بِه الْبَدْرِيُّونَ، وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْمُنَاصِحُونَ لَهُ فِي جِهَادِ أَعْدَائِهِ، الْمُبَالِغُونَ فِي نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ، الذَّابُّونَ عَنْ أَحِبَّائِهِ.
أَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَعْطَيْتَ غَايَةَ الْمَجْهُودِ... وَأَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ مُقْتَدِياً بِالصَّالِحِينَ، وَمُتَّبِعاً لِلنَّبِيّينَ...))(1).
في هذا النص الشريف أثبت الإمام الصادق (ع) خمس شهادات واضحة بيّنة أوضحت معالم شخصية أبي الفضل العباس (ع)، وما اتّسمت به من سمات رساليّة، وأبعاد واسعة المدى جعلت من العبّاس (ع) إسلاماً متجسِّداً يمشي على الأرض، وهذا خير دلالة على عمق الرعاية التي تلقّاها أبو الفضل في تربيته وإعداده على يد أبيه أمير المؤمنين (ع) وأخويه الحسنين (ع)، هذه الشهادات هي:
الشهادة الأولى: بيان لوعي أصول الإسلام كاملة في نفس وروح وقلب أبي الفضل، وتجسيد تلك الأصول وانعكاسها على سلوكه؛ فيكون العباس (ع) بذلك إسلاماً متجسِّداً، وبكلمة أوضح: إنَّ هذا العبد الصالح مَثَّلَ الإسلام في سلوكه إيماناً، وعلماً، وعملاً... قال (ع): ((أَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْلِيمِ))، والتسليم درجة إيمانية عليا لا يبلغها إلا الخلّص من أولياء الله؛ لأنَّ الإنسان فيها يُسلّم نفسه لله تعالى مختاراً مطيعاً، بلا قيد ولا شرط، وقد أكّد القرآن الكريم على عملية التسليم في عدة آيات، قال تعالى:
((وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ))(2).
((بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ))(3).
والتسليم لله معنى جامع لأعمق ألوان الارتباط بالله تعالى، وامتثال أمره، (والتوجه الكامل، وبكلّ الوجود إلى الذات المقدسة) حتى يعود المستسلم خاضعاً، مطيعاً، مفوّضاً، متواضعاً لله تعالى، لا يريد من وراء ذلك جزاء ولا شكوراً.
وبعبارة أوضح: إنَّ التسليم هو الانقياد، والطاعة المطلقة بتجرّدٍ كامل عن إرادة كلّ شيء سوى الله تعالى، وهذه هي أولّ درجات الإسلام والإيمان، ومنها يرتقي إلى درجات أعلى، وإن كانت هذه الدرجات هي ثمرات التسليم؛ منه تنبع، وبه تثمر، وإليه تعود، وقد أوضح أمير المؤمنين علي (ع) هذه الحقيقة بقوله:
((لأَنْسُبَنَّ الإِسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي: الإِسْلامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الإِقْرَارُ، وَالإِقْرَارُ هُوَ الأَدَاءُ، والأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ))(4).
بهذا التسلسل البديع بيَّن الإمام (ع) جذور الإسلام وكيفية امتداده في الجوانح، وسيطرته على الجوارح، (إنَّه الاستسلام المطلق لله - مع إحسان العمل والسلوك - الاستسلام بكامل معناه، والطمأنينة لقدر الله، والانصياع لأوامر الله، وتكاليفه، وتوجيهاته، مع الشعور بالثقة، والاطمئنان للرحمة، والاسترواح للرعاية، والرضى الوجداني، رضى السكون والارتياح.. كلّ أولئك يرمز له بإسلام الوجه إلى الله، والوجه أكرم وأعلى ما في الإنسان)(5).
هذه أبرز صفة برزت في شخصية قمر بني هاشم حتى عاد لا يرى مؤثراً في الوجود إلا الله، ولا شيء يستحق أن يبذل الإنسان مهجته من أجله إلا دين الله.
والله إن قطعتم يميني***إنّي أحامي أبداً عن ديني

ومن هذا التسليم جاءت الصفة الثانية، وهي التصديق الذي يلازم التسليم، ولا ينفكّ عنه؛ فلا يكون تسليم بلا تصديق ويقين؛ (فالتسليم الذي هو حقيقة الإسلام يخصّ القلب، هذا التسليم يوصله الإمام (ع) إلى جذور الحقيقة وهو التصديق، ومن التصديق يصعد الفرع الثاني للتسليم حيث يمتدّ إلى الجوارح وهو الأداء، والأداء هو العمل الصالح. إذن أساس الإسلام هو التصديق، ومن التصديق يتفرع فرعان: فرع يتصل بالقلب؛ وهو اليقين، والتصديق، والإقرار؛ وفرع يتصل بالجوارح؛ وهو الأداء، والعمل الصالح)(6).
ومن هذه الخصلة العرفانية العالية التي تجسّدت في سلوك أبي الفضل (ع) اتّضحت لنا معالم شخصيته - فهو صادق مع الله تعالى في إيمانه: حباً، وخوفاً، ورجاءً، وورعاً وتقوى، وهو صادق مع أخيه الحسين (ع) امتداد رسول الله (ص) - وبرز الوفاء في موقفه بأروع صوره، وأعلى مراتبه؛ فكان مصداقاً رائعاً للموفين بعهدهم إذا عاهدوا، وضرب بذلك المثل الرائع الذي بقي إلى اليوم، وسيبقى إلى يوم القيامة يرنّ في آذان أبناء آدم.
ومع التسليم، والتصديق، والوفاء، كان ((ناصحاً))، أي: إنّه لم يكن يطلب بذلك سوى رضا الله تعالى في جهاد أعدائه تعالى...
بهذه السمات العالية تحلّى العباس بن علي (ع)؛ فوصل إلى أعلى مراتب الكمال البشري، فأصبح مثالاً، وأسوةً، ومقتدى، ومحرّكاً للتاريخ إلى يوم القيامة.
والإمام الصادق (ع) إنما أشار في الزيارة إلى تلك الخصال لا ليمدح العباس (ع) وحسب، ولا ليبين مقامه فقط - ففضائله ومقامه أوضح من الشمس في رابعة النهار - وإنما يريد أن يهدينا ويرشدنا من خلال ذلك إلى مكارم الأخلاق.
الشهادة الثانية: شهد له (ع) بالعبودية الكاملة لله تعالى؛ وهي فرع التسليم له تعالى، فلا يكون الإنسان لله تعالى عبداً ما لم يسلّم نفسه لله تسليماً مطلقاً، ولا يصل الإنسان إلى تلك المرتبة ما لم يتحرر من كلّ الضواغط الداخلية والخارجية كي يُعَبِّدَ نفسه لله تعالى عن علم، وطواعية، واختيار؛ وبذلك يصبح حراً من كل القيود الشهوانية أو الطاغوتية.
(إنَّ هذه الصفة (العبودية لله) أرقى مراتب الإنسان الكامل؛ لأنَّها حلقة الوصل بين المولى والعبد، وأفضل حالات أيّ فاضل، حيث يجد نفسه الطرف الرابط لموجد كيانه جلَّ وعلا، وإنَّ من أكمل مراتب الوجود فيما إذا التأم المنتهى مع المبدأ بنحو الصلة، وهذا لا يكون إلا إذا بلغ العبد أرقى مراتب الإنسانية التي تلحقه بعالم البساطة، وتنتهي به إلى صقع التجرد؛ فتؤهله لأن يتصل بالمبدأ الأعلى، فلو فقد الإنسان تلك الملاءمة دحره عن حضيرة القداسة انقطاع النسبة، وبُعْد المَرمَى، وشسوع المسافة)(7).
فالعباس بن علي (ع) كان مصداقاً تامّاً للعبد الصالح؛ لأنَّه بذل كلّ شيء في سبيل الله تعالى كما قال الإمام الصادق (ع): ((السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الْمُطِيعُ للهِ، وَلِرَسُولِه، ولأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ...)).
وخلاصة الكلام: العبودية هي الطاعة المطلقة لله تعالى بالانقياد لأوامره، والتسليم لقضائه وقدره، ودلالة ذلك بذل كلّ شيء في سبيل الله، والذوبان في حبه وطاعته بمنع النفس عما تهوى، وتحميلها ما تكره، وجعل رضوان الله غاية في كلّ عمل يقوم به العبد، وهذا ما نفهمه من كلمات الزيارة لأبي الفضل (ع) التي تجلّت فيها معالم شخصية أبي الفضل؛ ولهذا (كان الحريّ بأرباب المقاتل والنسب أن يدوِّنوا له هذا اللقب المعرب عن أسمى منزلة له (ع) وهو العبد الصالح)(8).
الشهادة الثالثة: إنَّه امتداد للسائرين الأوائل في نصرة الحق، وهم البدريّون الذين بذلوا مهجهم في سبيل الله يوم الفرقان: ((أَشْهَدُ وأُشْهِدُ اللهَ أنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى مَا مَضَى بِه الْبَدْرِيُّونَ، وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ...))، وقد وصفهم الإمام (ع) بأربعة أوصاف:
الأولى: إنّهم مجاهدون في سبيل الله.
الثانية: إنّهم مناصحون، أيّ مخلصون لله بتجرّد كامل.
الثالثة: المبالغة في نصرة أولياء الله.
الرابعة: الذبّ عن أحبّاء الله تعالى.
وهذه الأوصاف الأربعة كلها تجسَّدت عملياً في العباس (ع) .
الشهادة الرابعة: المبالغة في النصح، وهو تعبير ينبئ عن الجهود العالية التي بذلها أبو الفضل في نصرة الحق والعدل، وببذل منقطع النظير: ((وَأَعْطَيْتَ غَايَةَ الْمَجْهُودِ)).
الشهادة الخامسة: عارف بربّه، فقيه في دينه، بصير في أمره؛ ولهذا وصفه الإمام (ع) بأنَّه نافذ البصيرة، صلب الإيمان، ثابت الجنان، وأقدم على ما أقدم وهو واعٍ لتلك المهمة الصعبة التي ناء بها، وبذل كلّ غالٍ ونفيس في سبيلها، ومضى إلى الله راضياً مرضياً، يقول الإمام السجاد (ع): ((رحم الله عمّي العباس فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه، حتّى قُطعت يداه، فأبدله الله بجناحين، يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإنَّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة))(9).
هذه بعض خصال هذا العبد الصالح، ولا عجب إذا كان كذلك؛ فقد تربّى في مدرسة النبوة والإمامة، ورضع من ثدي الإيمان، زقّ العلم زقاً... وكان كما يحدّثنا المؤرخون: إنَّه من سادة فقهاء أهل البيت (ع) ... ولهذا كان (ع) حامل لواء الحسين (ع) في معركة الطف الفاصلة، (وقد خصّه به دون أهل بيته وأصحابه، وذلك ما تتوفّر فيه من القابليات العسكرية، ويعتبر منح اللواء في ذلك العصر من أهمّ المناصب الحسّاسة في الجيش)(10).
ولهذا كان الحسين (ع) حريصاً على بقاء أبي الفضل إلى جنبه؛ ليبقى لواء التوحيد مرفرفاً بيده؛ ولذا قال الحسين (ع) للعباس حينما أراد أن يبرز لمنازلة الأعداء: ((يا أخي، أنت صاحب لوائي))(11).
وحينما سقط العباس مضرجاً بدمه قال الحسين (ع): ((الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي))(12).
[من الكامل]
نادى وقد ملأ البوادي صيحة***صم الصخور لهولها تتألمُ
أأخيّ يهنيك النعيم ولم أخل *** ترضى بأن أرزى وأنت منعَّمُ
أأخيّ من يحمي بنات محمد *** إن صرنَ يسترحمنَ من لا يرحمُ
هذا حسامك من يذب به العدى***ولواك هذا من به يتقدّمُ
هوَّنت يا ابن أبي مصارع فتيتي***والجرح يسكنه الذي هو آلم(13)


الهوامش:
(1) ابن قولويه القمي، كامل الزيارات: 440-442، وبحار الأنوار: 101/277-278 .
(2) لقمان: 22 .
(3) البقرة: 112 .
(4) نهج البلاغة: 507، الكلمات القصار: 118 .
(5) سيد قطب، في ظلال القرآن: 6/492 .
(6) من محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد مهدي الآصفي .
(7) المقرم، العباس (ع) : 140-141.
(8) المقرم، العباس (ع) : 123 .
(9) الشيخ القرشي، العباس بن علي (ع) رائد الكرامة والفداء في الإسلام: 35-36 .
(10) المصدر نفسه: 28.
(11) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 45/41 .
(12) المصدر نفسه: 45/42 .
(13) السيد جعفر الحلي، سحر بابل وسجع البلابل: 432 .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الخامس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com