موقع الصراط ... الموضوع : المكانة الإنسانية للمرأة من المنظور القرآني-2
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المكانة الإنسانية للمرأة من المنظور القرآني-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 29 / شعبان / 1433 هـ
     
  لا، للتشابه... نعم للمساواة:
قلنا أن للإسلام فلسفة خاصة حول علاقات وحقوق المرأة والرجل تختلف عما كان سائداً قبل أربعة عشر قرناً كما تختلف عما هو سائد في العالم هذا اليوم.
وقلنا أن مسألة تساوي المرأة والرجل في الإنسانية من وجهة نظر الإسلام مسألة غير قابلة للنقاش، أما هل أن حقوقهما الأسرية متساوية أم لا؟ فإن المرأة والرجل في نظر الإسلام إنسانان كاملا الإنسانية، ويتمتعان بنفس الدرجة من حقوق الإنسان، لكن الذي يطرحه الإسلام هو أن المرأة بما أنها امرأة تختلف عن الرجل لكونه رجلاً في جوانب كثيرة، فعالم المرأة غير عالم الرجل، وخلقة وطبيعة المرأة غير خلقة وطبيعة الرجل. وهذا يؤدي بالطبع إلى أن كثيراً من الحقوق والواجبات والعقوبات سوف لا تكون واحدة لكليهما.
في دنيا الغرب اليوم، سعي حثيث لمساواة المرأة بالرجل في القوانين والأنظمة والحقوق والواجبات مع تجاهل الاختلافات الغريزية والطبيعية بينهما.
والاختلاف بين النظرة الإسلامية والنظم الغربية يكمن في هذه النقطة. وعليه فأن نقطة الاختلاف في بلادنا بين مؤيدي الحقوق الإسلامية من جهة؟؟ واتباع النظم الغربية من الجهة الأخرى هي في مسألة تشابه حقوق المرأة والرجل وليس في مسألة المساواة بينهما وما كلمة (المساواة) إلاّ شعار مزيف يطلقه مقلدو الغرب وعلامة تجارية يلصقونها على هذه البضاعة الغربية.
وقد كنت أتجنب في كل كتاباتي وندواتي وأحاديثي استعمال هذه العلامة المزيفة، وكنت أذكّرُ دائماً بأنها ليست إلاّ دعوة لتشابه وتماثل حقوق المرأة والرجل تطرح باسم المساواة.
أنا لا أدعي أن دعوات المساواة بين المرأة والرجل لا معنى لها في أي مكان في العالم، وأن جميع قوانين العالم قديماً وحديثاً قد وضعت على أساس حق المساواة ولم تفتقد إلاّ تشابه الحقوق.
كلا، أنا لا أدعي هذا. وأوربا ما قبل القرن العشرين أحسن شاهد على ذلك. ففي أوربا ما قبل القرن العشرين كانت المرأة فاقدة للحقوق الإنسانية قانوناً وعملياً. إذ لم تكن لها حقوق مساوية أو مشابهة لحقوق الرجل... بل من خلال النهضة السريعة التي حدثت أخيراً في أقل من قرن باسم المرأة ومن أجل المرأة حصلت على حقوق مشابهة تقريباً لحقوق الرجل. ولكنها لم تحصل على حقوق مساوية لحقوق الرجل لو أخذنا بنظر الاعتبار وضعها الفيزيائي والفيزيولوجي، لأن المرأة إذا أرادت أن تحصل على حقوق كحقوق الرجل وعلى سعادة مساوية لسعادة الرجل، فأن طريقها الوحيد هو أن تترك تشابه الحقوق وتطلب أن تكون للرجل حقوق المناسبة له وتكون لها حقوقها المناسبة لها، وهذا هو السبيل الأمثل لحصول الوحدة والإخلاص الحقيقي بين الرجل والمرأة، والذي تدرك به المرأة سعادة مساوية بل أكثر من سعادة الرجل ويؤدي إلى أن يحرص الرجال بكل إخلاص وبدون خداع للمرأة على إتاحة حقوق لها مساوية لحقوقهم بل اكبر من حقوقهم. كذلك فأنا لا أدعي أن للمرأة في مجتمعنا ـ الإسلامي المظهر ـ اليوم حقوقاً مساوية لحقوق الرجال وقد قلت مراراً وتكراراً أن من الواجب والضروري أن نهتم بوضع المرأة في مجتمعنا وأن نعيد إليها الحقوق التي منحها الإسلام لها والتي سُلبت إياها طيلة العهود التاريخية السابقة دون أن نقلد تقليداً أعمى الطراز الغربي الذي جرّ على الغربيين أنفسهم آلاف المآسي والتعاسات فنكون قد وضعنا اسماً جميلاً لفرضية خاطئة فنضيف مصائب الغرب إلى مصائبنا نحن الشرقيين. ولكننا ندعو إلى عدم تشابه حقوق المرأة والرجل في المجالات التي تختلف فيها طبيعة كل منهما فننسجم بذلك مع العدل والحق الفطريين، ونؤمن بشكل أفضل سعادة الأسرة، وندفع بالمجتمع إلى أمام. وأرجو الانتباه جيداً إلى أن ما ندعيه الآن هو أن العدالة والحقوق الفطرية والإنسانية تستدعي عدم تشابه المرأة والرجل في بعض الحقوق لا غير. فبحثنا الحالي بحث فلسفي مئة بالمئة، مجاله فلسفة الحقوق، وهو يرتبط بمبدأ اسمه (مبدأ العدل) والذي هو أحد أركان الكلام والفقه الإسلاميين. ومبدأ العدل هو الذي أوجد قانون التطابق بين العقل والشرع في الإسلام. وهذا يعني في الفقه الإسلامي ـ أو الفقه الشيعي على الأقل ـ أنه إذا ثبت أن العدل يتطلب أن يكون القانون الفلاني على صورة معينة وليس على صورة أخرى وإلا فإنه ظلم وخلاف العدل؛ فيجب أن نقرَّ القانون على الصورة التي اقتضاها العدل، لا على الصورة المغايرة.
وعلى هذا فإن الشريعة الإسلامية وطبقاً للمبدأ الذي طرحته هي ذاتها، لن تخرج مطلقاً عن محور العدالة والحقوق الفطرية والطبيعية.
وقد وضع علماء الإسلام ـ ببيان مبدأ العدل ـ أساس فلسفة الحقوق، ولكنهم ـ بتأثير المعوقات المختلفة عل مر التاريخ ـ لم يستطيعوا أن يضمنوا تطبيق هذا المبدأ دائماً على الواقع الاجتماعي. وأن الاهتمام بحقوق البشر وبمبدأ العدالة على أنها أمور ذاتية وتكوينية خارجة عن نطاق القوانين الوضعية كان لأول مرة بمبادرة من المسلمين، وهم الذين وضعوا أساس الحقوق الطبيعية والعقلية. ولكن لم يكن من المقدر لهم أن يستمروا في طريقهم الذي بدؤوه، فكان أن جاء علماء وفلاسفة أوروبا بعد ما يقارب الثمانية قرون ليقلدوا علماء الإسلام الأوائل، وينسبوا علمهم لأنفسهم، فطرحوا لمجتمعهم فلسفات اجتماعية وسياسية واقتصادية من جهة، ومن جهة أخرى وعوا الأفراد والجماعات بقيمة الحياة وحقوق الإنسان ودفعوا المجتمع إلى أن يتحرك بشكل نهضات وثورات وغيروا بذلك وجه العالم.
وفي رأيي أن هناك ـ عدا الأسباب التاريخية ـ سبباً نفسياً وموضعياً كان له دخل أيضاً في تخلي المشرق الإسلامي عن الاهتمام بمسألة الحقوق العقلية التي وضع هو أسسها الأولى، أن التفاوت النفسي والمعنوي بين الفرد الشرقي والفرد الغربي. فالشرق يميل إلى الأخلاق، أما الغرب فيميل إلى الحقوق... الشرق يعشق الأخلاق والغرب يعشق الحقوق... الشرقي بحكم طبيعته الشرقية يرى إنسانيته بالعطف العفو وحب أبناء جنسه وبشهامته، لكن الغربي يرى الإنسانية في أن يعرف حقوقه ويدافع عنها وإلا يدع أحداً يسلبها منه. أن البشرية بحاجة إلى الأخلاق كما هي بحاجة إلى الحقوق، فالإنسانية ترتبط بالحقوق كما ترتبط بالأخلاق، وليس أي من الحقوق أو الأخلاق معياراً وحيداً للإنسانية.
الدين الإسلامي المقدس كان ولا يزال يملك هذه الميزة وهي "الاهتمام بالحقوق والأخلاق معاً". فكما أن العفو والإخلاص والخير تعد أموراً أخلاقية مقدسة في الإسلام كذلك معرفة الحقوق والدفاع عنها تعد مقدسة وإنسانية، ولهذا الموضوع شرح مفصل ليس الآن وقت عرضه.
لكن الروح الشرقية الخاصة قد عملت كذلك.، فأخذ الشرقي بادئ الأمر من الإسلام حقوقه وأخلاقه، ثم بالتدريج ترك الحقوق واهتم فقط بالأخلاق.
الغرض الآن أن المسألة التي نواجهها هي مسألة فلسفية وعقلية، مسألة استدلال وبرهان، وهي ترتبط بحقيقة العدالة وطبيعة الحقوق. فالعدالة والحق كانا موجودين من قبل أن يشرع قانون في الدنيا. ولا يمكن تغيير ماهية العدل والحق بوضع قانون بشري.
يقول منتسكيو: "قبل أن يضع الإنسان القوانين، كانت هناك روابط عادلة تحكم بين الموجودات، ثم أصبح وجود هذه الروابط سبباً لوضع القوانين. فإذا افترضنا الآن أنه لم يكن هناك أي شيء عادلاً كان أو ظالماً عدا القوانين البدائية، فذلك يشبه قول من يفترض أن أقطار دائرةٍ لم يرسمها بعد، غير متساوية".
ويقول هربرت سبنسر: "تمتزج العدالة بشيء آخر غير الاحساسات إلا وهو الحقوق الطبيعة للأفراد، ومن أجل أن يكون للعدالة وجود خارجي، يجب على الأفراد أن يحترموا الحقوق والامتيازات الطبيعية".
وهكذا نجد أن كثيراً من حكماء أوروبا يتبنون هذه الفكرة، وأن حقوق الإنسان التي صيغت بعنوان بيانات ومواد إنما كان منبعها فرضية الحقوق الطبيعية التي ذكرنا. وبتعبير آخر أن لائحة حقوق الإنسان لم تكن تعني ـ في حقيقتها ـ غير فرضية الحقوق الطبيعية والفطرية ليس إلا. وكما وجدنا في علماء ومفكري أوروبا من أمثال منتسكيو وسبنسر وغيرهما ممن عرفتم رأيهم في العدل حيث جاء مطابقاً لعقيدة المتكلمين المسلمين في الحسن والقبح العقليين ومبدأ العدل، كذلك وجد بين علماء الإسلام أفراد أنكروا مسألة الحقوق الذاتية واعتبروا العدالة أمراً وضعياً. كذلك نجد بين الأوروبيين من اعتقد هذا الاعتقاد الأخير مثل هوبز الإنكليزي الذي أنكر أن تكون العدالة أمراً حقيقياً.

لائحة حقوق الإنسان فلسفة وليست قانوناً:
من المضحك ما يقال من أنّ مواد لائحة حقوق الإنسان قد صادق عليها المجلسان ، ولمّا كان حق المساواة بين المرأة والرجل ضمن مواد اللائحة ، إذاً يجب أن يتمتّع كل منهما بحقوق متساوية بموجب هذا القانون .
ولكن متى كانت لائحة حقوق الإنسان داخلة ضمن صلاحية المجلسين كي يصادقا عليها أو يرفضاها ؟
فمحتويات اللائحة ليس عقوداً أو اتفاقيات كي يمكن للسلطات التشريعية في مختلف البلدان أن تصادق عليها أو لا تصادق .
لائحة حقوق الإنسان وضعت موضع البحث والنقاش : الحقوق الذاتية للإنسان والتي هي بطبعها غير قابلة للسلب والإسقاط ، وطرحت ـ كقانون ـ حقوقاً للإنسان ادعت أنّها شرط لإنسانية الإنسان ، وأنّ يد القدرة هي التي منحت الإنسان هذه الحقوق الأخيرة . أي إنّ لائحة حقوق الإنسان افترضت للإنسان حقوقاً ادعت أنّ القوّة الخالقة التي منحت الإنسان العقل والإرادة والشرف الإنساني هي التي منحته هذه الحقوق .
وليس من حق الناس أن يضعوا لأنفسهم ما وضعته ومنحته إيّاهم لائحة حقوق الإنسان ولا أن يسلبوها أنفسهم .
إذن فماذا تعني مصادقة المجلسين والسلطة التشريعية عليها ؟
إنّ لائحة حقوق الإنسان فلسفة وليست قانوناً . فيجب أن يقرّها الفلاسفة النوّاب ؛ إذ لا يمكن للمجلسين عن طريق التصويت والقيام والقعود أن يضعا للشعب فلسفةً ومنطقاً . ولو كان الأمر كذلك لتوجّب أن تعرض نظرية اينشتاين الفلسفية ( النسبية ) على المجلس ليصادق النوّاب عليها ، وكذا الحال بالنسبة لفرضية وجود الحياة على الكواكب الأُخرى . إنّ القانون الطبيعي لا يمكن المصادقة عليه أو رفضه بوساطة القوانين الوضعية ، ومثل ذلك كمثل قولنا : إنّ المجلسين قد صادقا على أن الكمثرى إذا طُعّمت بالتفاح كان الناتج جيداً وإذا طُعّمت بالتوت لم تكن كذلك ! مثل هذه اللائحة حين تصدر من قبل مجموعة من المفكّرين والفلاسفة فإنّ الأمم يجب أن تضعها بين أيدي فلاسفتها وأخصائيي الحقوق لديها . فإذا وافق عليها فلاسفة ومفكّروا تلك الأُمّة ، كان على أفرادها أن يتعاملوا معها على أنّها حقائق فوق القانون . وأصبح لزاماً على السلطة التشريعية أن لا تصادق على قانون يعارضها .
أمّا الأُمم الأُخرى ، فما لم يثبت لديها وجود مثل هذه الحقوق في الطبيعة ، لا تكون ملزمة بمراعاتها . ومن ناحية أُخرى . فإنّ هذه المسائل ليست مسائل تجريبية ولا مختبرية لكي تحتاج إلى مختبرات وأجهزة لتدقيقها ممّا يتيّسر للأوروبيين ولا يتيسّر لسواهم . إنّها ليست تفجيراً ذرّيّاً كي يقتصر إنجازه والإحاطة به على أفراد معيّنين دون غيرهم ، بل هي الفلسفة والمنطق ، وأدواتها العقل وقوّة الاستدلال .
ولو افترضنا أنّ هناك بعض الأُمم لا تجد في نفسها الكفاية والخبرة في الأمور الفلسفية ، فتقوم بتقليد غيرها في مسائل الفلسفة ، إلاّ أنّنا ـ نحن الإيرانيين ـ قد أثبتنا جدارة فائقة منذ القدم في البحوث المنطقية والفلسفية ، فلم نقلّد غيرنا فيها حتى اليوم ؟
العجيب أنّ علماء الإسلام حين كان يعرض أساس مبدأ العدالة والحقوق الذاتية للبشر ، كانوا يمنحونه أهميّة كبرى على أسس أنّ هذا هو حكم الشرع من دون : كيف ؟ ولماذا ؟ قاعدة تطابق العقل والشرع . أي أنّ العدالة والحقوق الذاتية للإنسان تحتاج إلى تأييد شرعي . أمّا اليوم فقد وصل بنا الحال إلى أن تحتاج هذه الأمور إلى مصادقة النوّاب لكي تحظى بتأييدنا وقبولنا .

الفلسفة لا تثبت بالقسيمة:
والمضحك أكثر هو أنّنا حين نريد البحث في الحقوق الإنسانية للمرأة ، يتوجّب علينا استطلاع آراء الأولاد والبنات الشابّات ، فنطبع القسائم ونوزّعها عليهم ، وبعد ملئها من قِبَلهم ودراستها نتعرّف على حقوق الإنسان . وفيما إذا كانت حقوق المرأة والرجل ـ كأُناس ـ من نوع واحد أو نوعين . وعلى كل حال ، فإنّنا سنبحث مسألة الحقوق الإنسانية للمرأة بشكل علمي وفلسفي ، وعلى أساس الحقوق الذاتية للبشر كي نرى ما إذا كانت المبادئ التي اقتضت أن تكون للإنسان عموماً حقوق طبيعية من قِبَل خالقه ، توجب أن تكون المرأة والرجل على حال واحدة متشابهة بالنسبة لهذه الحقوق أم لا ؟ لذا نرجو من علماء ومفكّري وحقوقي القطر ، والذين هم المرجع الوحيد ذو الصلاحية في النظر في هذه الأُمور أن يحقّقوا بعين النقد والانتقاد فيما نذكر الآن . وسأكون مسروراً إذا أعربوا عن رأيهم ـ في الرفض أو القبول ـ معزّزاً بالأدلّة . ولبحث هذا المطلب يجب أوّلاً أن نبحث في أساس الحقوق الإنسانية عموماً ، ثم في خصوص حقوق المرأة والرجل بعد ذلك . ولا أرى بأساً ـ قبل كل ذلك ـ أن أشير باختصار إلى نهضات المطالبين بالحقوق في القرون الأخيرة ، والتي انتهت بنظرية حق المساواة بين الرجل والمرأة .

نظرة إلى تاريخ حقوق المرأة في أوروبا:
بدأت في أوروبا منذ القرن السابع عشر همسات تتناول حقوق الإنسان ، ثم سعى الكتّاب والمفكرون ـ في القرنين السابع عشر والثامن عشر ـ لنشر آرائهم حول حقوق الإنسان الطبيعية والفطرية غير القابلة للسلب ، بين الناس سعياً حثيثاً وعجيباً ، وكان من بين هؤلاء المفكّرين والكتّاب جان جاك روسو ، وفولتير ومنتسكيو . وكانت أول نتيجة عملية لسعي هؤلاء الكتّاب أن حصل في انكلترا أخذ ورد شديدان بين الحكومة والشعب ، وما أن حلّ عام 1688 . حتى حصل الشعب الانكليزي على جزء من حقوقه الاجتماعية والسياسية بعد إعداد بيان بهذه الحقوق وموافقة الحكومة عليها .
ومن النتائج العملية البارزة لانتشار هذه الأفكار خلال حروب الاستقلال التي شنّها الأمريكان ضد انكلترا أنّ ثلاث عشرة مستعمرة انكليزية في أمريكا الشمالية تمرّدت نتيجة الضغوط عليها من قِبل الانكليز وواصلت كفاحها حتى نالت استقلالها .
وفي سنة 1776م عُقد في فيلادلفيا مؤتمر أعلن حق كل الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير ، ثم نُشر بيان في هذا المجال ورد في مقدّمته : ( إنّ جميع أفراد البشر متساوون في الخلقة ، وقد منح الخالق كل فرد حقوقاً ثابتة لا تتغيّر مثل حق الحرية ، وإنّ الغاية من تشكيل الحكومات حفظ الحقوق المذكورة ، وإنّ قوّة الحكومات ونفوذ كلمتها منوطان برضى الشعب) .
أمّا ما اشتهر في العالم باسم لائحة حقوق الإنسان فذلك ما أعلن بعد الثورة الفرنسية الكبرى . وهذه اللائحة عبارة عن مجموعة من المبادئ العامّة في بداية القانون الأساسي لفرنسا ، وتعتبر جزءاً لا يتجزّأ من هذا القانون . وتشتمل على مقدّمة وسبع عشرة مادّة.
وأوّل مادّة في هذا القانون هي : (إن أفراد البشر وُلدوا أحراراً ويظلّون مدى الحياة أحراراً ومتساوين في الحقوق ...)
وفي القرن التاسع عشر ظهرت أفكار جديدة في مجال حقوق الإنسان في المجالات الاقتصادية والسياسية ، انتهت بظهور الاشتراكية ووجوب حصر العائدات بالطبقات الكادحة ، وانتقال الحكم من الرأسمالية إلى يد الطبقة العاملة .
وحتى أوائل القرن العشرين ، كان كل ما طرح وبحث في مجال حقوق الإنسان ، هو ممّا يتعلّق بحقوق الشعوب في مقابل الحكومات أو حقوق الطبقات الكادحة في مقابل أرباب العمل .
وفي القرن العشرين ظهرت لأوّل مرّة مسألة (حقوق المرأة) في مقابل حقوق الرجل، واعترفت انكلترا لأوّل مرّة في أوائل القرن العشرين بتساوي حقوق المرأة والرجل ، علماً بأنّها تُعد أقدم دولة ديمقراطية . أمّا الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت بالحقوق الإنسانية عند إعلان استقلالها في القرن الثامن عشر فقد صادقت عام 1920م على قانون المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق السياسية ، وفي القرن العشرين أقرّت فرنسا بهذا الأمر .
وعلى كل حال ، ففي القرن العشرين ، ظهرت في جميع أنحاء العالم مجاميع كثيرة تدعو إلى إجراء تحوّل عميق في العلاقات بين الرجل والمرأة من ناحية الحقوق والواجبات . وفي نظر هؤلاء: أنّ جميع التحوّلات التي حصلت في علاقة الشعوب بالحكومات وعلاقة الكادحين بأرباب العمل، لا تضمن تأمين العدالة الاجتماعية مادامت لم تتناول العلاقات الحقوقية بين الرجل والمرأة.
ولهذا ـ ولأوّل مرة في العالم ـ جاء في مقدمة البيان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأُمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1948م ، ما يلي: (لمّا كانت شعوب الأُمم المتحدة قد اعترفت بحقوق الإنسان وقيمة الفرد الإنساني وتساوي حقوق الرجل والمرأة ...)
ولمّا ظهرت الثورة الصناعية في القرنين التاسع عشر والعشرين وما رافقها من تحوّلات ووقع الحيف على العمال ـ وخصوصاً النساء ـ أصبح موضوع حقوق المرأة أكثر إلحاحاً ، فقد كتب (آلبرماله) في كتابه التاريخي المعروف قائلاً:
(حين كانت الحكومات لا تهتم بأحوال العمّال ولا تلقي بالاً إلى ما كانوا يلقونه من معاملة سيّئة من قِبل أرباب العمل ، كان أصحاب المعامل يستخدمون النساء والأطفال القاصرين بأجور زهيدة، ولمّا كانت ساعات العمل كثيرة ، فقد كان هؤلاء يقعون فريسة الأمراض المختلفة ويموتون وهم في سن الشباب)
كان هذا استعراضاً سريعاً لنهضة حقوق الإنسان في أوروبا .
وكما نعلم فإنّ جميع مواد لائحة حقوق الإنسان التي كانت جديدة على الأوروبيين ، كان الإسلام قد طرحها قبل أربعة عشر قرناً ، وقد كتب عن ذلك بعض علماء العرب والإيرانيين مقارنين بين الاثنتين في كتب خاصة . وبالطبع ، فهناك اختلافات بين بعض ما ورد في اللائحة ، وما طرحه الإسلام . وهي بحدّ ذاتها مجال بحث ممتع . ومن ضمن هذه الاختلافات مسألة حقوق المرأة والرجل التي يطرح فيها الإسلام مبدأ المساواة ويرفض مبدأ التشابه.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com