موقع الصراط ... الموضوع : الصوم
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الصوم  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 0 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
ramadan ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))
الصيام لغة: هو الإمساك، ولا بدَّ أن نعرف قبل الدخول في الموضوع أنَّ الإمساك بما هو إمساك من (لوازم العبودية)، فالعبد إذا أمسك عن كل ما نهاه الله تعالى عنه فهو صائم لله تعالى... ومن لوازم (الوصول إلى الحياة الحقيقية) الإمساك عن جملة من الأمور المادية, والتنزه عن الملذات الجسمانية حتى يليق بالمقامات العالية لأجل التقرب من الواحد الأحد.
والإمساك المطلوب في الصيام الإسلامي ليس إمساكاً عن الطعام والشراب, وإنما هو إمساك يشمل كلَّ جوارح الإنسان العين، والأذن، واليد، والرجل، واللسان, بل والقلب, وقد ورد في الحديث الشريف عن الصادق (ع): (إذا صمْتَ فليصم سمعك, وبصرك, وفرجك, ولسانك، وتغض بصرك عما لا يحل النظر إليه، والسمع عما لا يحل استماعه إليه، واللسان من الكذب والفحش)
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال لمحمد بن مسلم: (يا محمد، إذا صمْتَ فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك، ولحمك، ودمك، وجلدك، وشعرك، وبشرك، ولا يكون يوم صومك كيوم فطرك)
وقال (ع) في رواية أخرى: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح، ودع المراء, وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك)
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (إنَّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، إنَّما للصوم شرط يحتاج أن يحفظ حتى يتم الصوم، وهو صمت الداخل، أما تسمع ما قالت مريم بنت عمران: ((إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً)) يعني صمتاً، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا, ولا تحاسدوا، ولا تغتابوا، ولا تماروا، ولا تكذبوا، ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغاضبوا, ولا تسابوا، ولا تشاتموا، ولا تفاتروا, ولا تجادلوا، ولا تتأذوا، ولا تظلموا, ولا تسافهوا، ولا تضاجروا, ولا تغفلوا عن ذكر الله, وعن الصلاة .
وألزموا الصمت، والسكوت، والحلم، والصبر، والصدق، ومجانبة أهل الشر، واجتنبوا قول الزور، والكذب، والفري، والخصومة، وظن السوء، والغيبة، والنميمة.
وكونوا مشرفين على الآخرة، منتظرين لأيامكم، منتظرين لما وعدكم الله، متزودين للقاء الله, وعليكم [بـ]السكينة، والوقار، والخشوع، والخضوع، وذل العبيد الخيّف من مولاه خيرين، خائفين، راجين، مرعوبين، مرهوبين، راغبين، راهبين، قد طهرت القلب من العيوب, وتقدست سرائركم من الخبث، ونظفت الجسم من القاذورات، وتبرأت إلى الله من عداه، وواليت الله في صومك بالصمت من جميع الجهات، ممّا قد نهاك الله عنه في السر والعلانية، وخشيت الله حق خشيته في سرك وعلانيتك، ووهبت نفسك لله في أيام صومك, وفرَّغت قلبك له، ونصبت نفسك له فيما أمرك, ودعاك إليه.
فإذا فعلْتَ ذلك كلَّه فأنت صائم لله بحقيقة صومه، صانع له لما أمرك، وكلما نقصت منها شيئاً فيما بينت لك، فقد نقص من صومك بمقدار ذلك, وإنَّ أبي (ع) قال: سمع رسول الله (ص) امرأة تسابُّ جارية لها، وهي صائمة، فدعا رسول الله (ص) بطعام فقال لها: كلي! فقالت: أنا صائمة يا رسول الله! فقال: كيف تكونين صائمة، وقد سببْتِ جاريتك؟ إنَّ الصوم ليس من الطعام والشراب، وإنما جعل الله ذلك حجاباً عن سواهما من الفواحش من الفعل والقول يفطر الصائم، ما أقل الصوّام وأكثر الجوّاع؟)
والصوم استجارة من عذاب الله تعالى, وحجاب يحجب الإنسان عن كل فاحشة مهما صغرت، فعن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه (ع) قال: (قال رسول الله (ص): ما من عبد يصبح صائماً فيُشْتَم، فيقول: إنِّي صائم سلام عليك، إلا قال الرب تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصوم من عبدي، أجيروه من ناري، وادخلوه جنتي)
وبناء على هذه الأحاديث الشريفة يتبين لنا أنَّ الصيام يستوعب كل كيان الإنسان، الجوارح والجوانح, فهو ليس امتناعاً عن الأكل والشرب, وإنما هو امتناعٌ عن كل ما يخالف دين الله تعالى, وبناءٌ في الفكر والأخلاق والسلوك، وتطهيرٌ لروح الإنسان وعقله وضميره, بل وبدنه أيضاً؛ لأنَّه يصح بالصيام, قال رسول الله (ص): (صوموا تصحوا)
يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه: (وأعنَّا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك، حتى لا نصغي بأسماعنا إلى لغو، ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظور، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، وحتى لا تعي بطوننا إلا ما أحللْتَ، ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثلت، ولا نتكلف إلا ما يدني من ثوابك، ولا نتعاطى إلا الذي يقي من عقابك، ثم خَلِّصْ ذلك كلَّه من رياء المرائين، وسمعة المسمعين، لا نشرك فيه أحداً دونك, ولا نبتغي فيه مراداً سواك)
ولكنَّ هذا لا يتحقق إلا لمن توفر على الشروط التالية:
1- معرفة المقام التكريمي الذي أعطاه الله للمؤمنين في هذا الشهر الشريف، فقد أكرم الله تعالى السائرين إليه بالدعوة إلى ضيافته, فهو دار ضيافة الله عز وجلّ ؛ ولهذا يمكن القول أنَّ الصيامَ تشريفٌ يوجب لله شكراً على هذه النعمة، يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه: (والحمد لله الذي حبانا بدينه، واختصنا بملته، وَسَبَّلَنا في سبل إحسانه؛ لنسلُكَها بمنه إلى رضوانه، حمداً يتقبله منا، ويرضى به عنا, والحمد لله الذي جعل من تلك السبل شَهْرَهُ رمضان شَهْرَ الصِّيَام، وشهر الإسلام، وشهر الطهور، وشهر التمحيص، وشهر القيام، ((الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)) ، فأبان فضيلته على سائر الشهور بما جعل له من الحرمات الموفورة، والفضائل المشهورة، فحَرَّمَ فيه ما أحل في غيره إعظاماً، وحَجَرَ فيه المطاعم والمشارب إكراماً... [إلى أن يقول (ع):] اللهم صلِّ على محمد وآله، وألهمنا معرفةَ فضله، وإجلالَ حرمته، والتحفظَ ممّا حظرت فيه)
2- أن يجتهد الإنسان في تصحيح نيته، وتخليصها من جميع الشوائب؛ لتتحقق له تلك الفوائد، فإنَّ النيةَ شرطُ كلِّ عملٍ عبادي، جاء في الحديث القدسي عن النبي (ص) قال: (قال الله عز وجلّ: كل عمل ابن آدم هو له إلا الصيام فهو لي، وأنا اجزي به...) إنَّ وقفة تأمل دقيقة عند هذا الحديث القدسي تعرفنا أنَّ للصيام خصائصَ لا تتوفر في غيره من العبادات، فقوله تعالى: (إلا الصيام فهو لي) قد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك، فقيل في معناه:
أ- إنَّه أمر خفي لا يمكن الإطلاع عليه؛ وذلك شرف بخلاف العبادات الأخرى، فإنَّها ظاهرة للعيان، فيمكن أن يقع فيها الرياء, فالصائم لا يَعْلم أحدٌ أنَّه متعبد لله إلا الله عز وجلّ، ولذا فإنَّ الإخلاص فيه أوفر من غيره من العبادات.
ب- إنَّ الصوم يوجب صفاء العقل, والفكر؛ لتضعيف القوة الشهوية بسبب الجوع؛ ولذا قال النبي (ص): (لا تدخل الحكمة جوفاً مليء طعاماً) وصفاء العقل والفكر يوجب حصول المعارف الربانية, والتي هي أشرف أحوال النفس.
ج- أن يكون الصائم في حالة إقبال دائم، وانفتاح على الله تعالى كاستحضار مراقبته، والتفكر في نعمه, والاشتغال بذكره, وأن يقلل ما استطاع من الانشغال بأمور الدنيا التافهة, وأن يُسَلِّمَ أمره لله تعالى خاضعاً، خاشعاً، منكسراً، خائفاً، داعياً اللهَ تعالى، متوسلاً إليه أن يجعل عملَه خالصاً لوجهه الكريم.
يقول الإمام زين العابدين (ع): (اللهم اشحنْهُ بعبادتنا إياك، وزين أوقاته بطاعتنا لك, وأعنا في نهاره على صيامه، وفي ليله على الصلاة, والتضرع إليك، والخشوع لك, والذلة بين يديك؛ حتى لا يشهد نهاره علينا بغفلة، ولا ليله بتفريط)
3- إضافة إلى الانشغال بذكر الله تعالى، فعلى الإنسان أن يتخلق بأخلاق الصائم، وممّا يعين على ذلك:
أ- أن يجدَّ في تحسين أخلاقه مع أهله, ومع جميع الناس، يقول النبي (ص): (أيها الناس من حَسَّنَ منكم في هذا الشهر خُلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام)
ب- أن يحاول كف غضبه، وشره عن الناس, ويتزن في انفعالاته، ويحافظ على هدوئه, يقول رسول الله (ص): (ومن كفَّ فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه)
ج- إكرام الأيتام، يقول (ص): (ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه)
د- أن يصل فيه رحمه، يقول (ص): (من وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه)
هـ- أن يُفطر الصائمين، يقول (ص): (أيها الناس، من فطر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق نسمة, ومغفرة لما مضى من ذنوبه)، فقيل: (يا رسول الله، وليس كلُّنا نقدر على ذلك؟)، فقال (ص): (اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء)
و- أن يكثر من التطوع بالصلاة والعبادات الأخرى، يقول (ص): (ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار, ومن أدى فيه فرضاً كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور)
ز- أن يكثر من الصلاة على النبي (ص)، يقول (ص): (ومن أكثر فيه من الصلاة عليَّ ثَقَّل الله ميزانه يوم تخف الموازين)
ح- الإكثار من قراءة القرآن، يقول (ص): (ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com