موقع الصراط ... الموضوع : الشكر-6
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الشكر-6  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 1 / رمضان / 1433 هـ
     
  هل إن التكليف بالشكر لله تعالى تكليف بما لا يطاق ؟
من بديهيات السنة الإلهية أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها وتكليف الإنسان بشكر الله على نعمه جميعاً، والتي لا تعد ولا تحصى، تكليف فوق طاقة الإنسان فكيف يكون ذلك؟
واٍلجواب: إن التدبر بالحكمة الإلهية، والغاية التي من أجلها أمر الله تعالى بالشكر هو الذي يحل هذا الإشكال. وأن أي شاكر إنما يشكر لنفسه، يقول تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)) (لقمان:12) فإذا كان شكر الله يعود على الشاكر بالخير العميم، والزيادة في البركات والسمو في الروح فإذن الشكر عملية تربوية يريد الله من خلالها أن يحقق للإنسان ملكة طيبة في نفسه وهذا أمر ممكن؛ ولذا جاء في الحديث المتقدم عن موسى (ع) (يا موسى شكرتني حين علمت أن ذلك مني) يقول العلامة الطباطبائي رحمه الله:
(ولا يصغى إلى قول من يقول: إنه أمر بما لا يطاق فإنه ناشئ من قلة التدبر في هذه الحقائق , والبعد من ساحة العبودية. وقد عرفت فيما تقدم من الكتاب أن إطلاق الفعل لا يدل إلا على تلبس ما، بخلاف الوصف فإنه يدل على استقرار التلبس , وصيرورة المعنى الوصفي ملكة لا تفارق الإنسان، ففرق بين قولنا: الذين أشركوا، والذين صبروا، والذين ظلموا، والذين يعتدون، وبين قولنا: المشركين , والصابرين، والظالمين، والمعتدين، فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر , واستقرت فيهم هذه الفضيلة، وقد بان الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئاً (وهو نعمة) إلا وذكر الله معه، ولا يمس شيئاً (وهو نعمة) إلا ويطيع الله فيه)
فإن قلت: وماذا تقول في دعاء الإمام السجاد (ع) في الصحيفة السجادية: (فكيف لي بتحصيل الشكر , وشكري إياك يفتقر إلى شكر ؟! فكلما قلت لك الحمد، وجب عليَّ لذلك أن أقول لك الحمد)
نعم إن تحقيق الشكر الكامل على كل مفردة، مفردة من نعم الله تعالى الخارجة عن حدود الإحصاء، خارج عن حدود طاقة الإنسان , وهذا لم يكلف الله به أحد من خلقه، ولكن الذي أراده الله تعالى من عباده أن يبذلوا الطاقة التي أودعها فيهم؛ لشكره بالمقدار الممكن منها.
والإمام (ع) رغم عظمته، وكثرة عبادته، ومواصلة شكره، نراه يتصاغر أمام ربه للنعم التي أنعمها عليه، وهذا التصاغر، والتذلل والخشوع يتناسب تناسباً طردياً مع عمق معرفته بالله تعالى... فكلما زادت معرفة الإنسان بالله تعالى زادت هيبته في نفسه؛ ولذا نراه (ع) ينطق بلسان العجز عن أداء حق الله تعالى ولو لم يكن هذا الشعور متأصلاً في ذاته لخرج عن إطار العصمة. والعصمة هي التي دعته أن يتصاغر أمام عظمة الرب الكريم؛ ولهذا نراه بهذه الصورة من الانكسار والخضوع، والشعور بالعجز، فلنسمعه يقول: (وهذا مقام من اعترف بسبوغ النعماء، وقابلها بالتقصير , وشهد على نفسه بالإهمال , والتضييع … إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضائل في جنب إكرامك إياي ثنائي ونشري) فهذا ما يجب أن نتعلمه منهم (ع) وهو أن على الإنسان أن لا يستكثر عبادته مهما كانت، ويستقل شكره مهما بلغ , والدليل على ذلك ما جاء في كتاب مصباح الشريعة منسوباً إلى الإمام الصادق (ع):
(ولو كان عند الله تعالى عبادة تَعَبَدَ بها عباده المخلصون أفضل من الشكر على كلٍ؛ لأطلق لفظه فيهم من جميع الخلق بها، فلما لم يكن أفضل منها خصها من بين العبادات , وخص أربابها فقال: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور)) (سبأ: 13) وتمام الشكر: الاعتراف بلسان العز خالصاً لله عز وجلّ بالعجز عن بلوغ أدنى شكره)
فقوله (ع): (وتمام الشكر الاعتراف) يدل على أن الشكر المراد هو: الاعتراف بالعجز بصدق وإحساس واقعي بالتقصير أمام عظمة الله تعالى، وتحرك بمقدار الطاقة المودعة في الإنسان من قبل الله. فإذا اعترف الإنسان بالنعم الإلهية وبعجزه عن شكره تعالى، وذكر ذلك بلسانه، وقلبه، وسخرها لطاعة ربه فقد شكر الله حق شكره. فإذن الشكر أمر ممكن، وليس فيه تحميل على الطاقة .اللهم علمنا شكرك ، وألهمنا ذكرك ، ووفقنا لذلك إنك أنت أرحم الراحمين …
تتميم :
وقال المحقق الطوسي قدس سره: (الشكر أشرف الأعمال وأفضلها، واعلم أن الشكر مقابلة النعمة: بالقول، والفعل، والنية وله أركان ثلاثة :
الأول: معرفة المنعم وصفاته اللائقة به، ومعرفة النعمة من حيث إنها نعمة ولا تتم تلك المعرفة إلا بأن يعرف أن النعم كلها جليّها وخفيّها من الله سبحانه وتعالى وأنه المنعم الحقيقي، وأن الأوساط كلها منقادون لحكمه مسخّرون لأمره .
الثاني: الحال التي هي ثمرة تلك المعرفة، وهي الخضوع والتواضع، والسرور بالنعم، من حيث إنها هي هدية دالّة على عناية المنعم بك، وعلامة ذلك أن لا تفرح من الدنيا إلا بما يوجب القرب منه .
الثالث: العمل الذي هو ثمرة تلك الحال، فإن تلك الحال إذا حصلت في القلب حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه، وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان، والجوارح:
أما عمل القلب فالقصد إلى تعظيمه، وتحميده، وتمجيده، والتفكر في صنائعه، وأفعاله، وآثار لطفه، والعزم على إيصال الخير والإحسان إلى كافة خلقه وأما عمل اللسان، فإظهار ذلك المقصود بالتحميد، والتمجيد، والتسبيح والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك، وأما عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته، والتوقي من الاستعانة بها في معصيته ومخالفته كاستعمال العين في مطالعة مصنوعاته، وتلاوة كتابه، وتذكر العلوم المأثورة من الأنبياء والأوصياء (ع) وكذا سائر الجوارح.
فظهر أن الشكر من أمهات صفات الكمال، وتحقق الكامل منه نادر كما قال سبحانه: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)) (سبأ: 13)
ولما كان الشكر بالجوارح التي هي من نعمه تعالى ولا يتأتى إلا بتوفيقه سبحانه، فالشكر أيضاً نعمة من نعمه، ويوجب شكراً آخر، فينتهي إلى الاعتراف بالعجز عن الشكر، فآخر مراتب الشكر الاعتراف بالعجز عنه، كما أن آخر مراتب المعرفة والثناء الاعتراف بالعجز عنهما ، وكذا العبادة كما قال سيد العابدين، والعارفين، والشاكرين (ص): (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، وقال (ص): (ما عبدناك حق عبادتك، وما عرفناك حق معرفتك)
(اللهم إن أحداً لا يبلغ من شكرك غاية إلا حصل عليه من إحسانك ما يلزمه شكراً … فأشكر عبادك عاجز عن شكرك … فبفضلك تشكر يسير ما شكرته [تشكر به] … حتى كأن شكر عبادك الذي أوجبت عليه ثوابهم ، وأعظمت عنه جزائهم أمر ملكوا استطاعة الامتناع منه دونك فكافيتهم ، أو لم يكن سببه بيدك فجازيتهم بل ملكت يا الهي أمرهم قبل أن يملكوا عبادتك وأعددت ثوابهم قبل أن يفيضوا في طاعتك ، وذلك أن سنتك الإفضال ، وعادتك الإحسان ، وسبيلك العفو …)
يا من شكره فوز للشاكرين ألهمنا شكرك وعلمنا ذكرك
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com