موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب نوح (ع)-9
 
الخميس - 7 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب نوح (ع)-9  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 1 / رمضان / 1433 هـ
     
  ماذا نتعلم من نوح (ع):
إن القصة القرآنية جاءت لتربية النفوس وتزكيتها وإعدادها لحمل رسالة الله تعالى، ولم تأتي كسرد قصصي خيالي، وإنما هي واقع تجسد على أرض الواقع ورسم صورة الصراع بين الهدى والضلال والحق والباطل. ولهذا لابد أن نتأمل فيها طويلا، ونتعلم منها الدروس والعبر والعضات يقول تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي اَلأْلبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (يوسف:111)
ويقول تعالى: ((وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) (هود:120) ولهذا أخذ القصص القرآني مساحة واسعة في القرآن الكريم. لتغير مجتمعا وتبني أمة، وتحكم رسالة الله في الأرض... وفي قصة نوح (ع) من الدروس والعبر في مختلف الجوانب الحياة الرسالية ملا يحيطه حدود إلا من عاش بقدر عمره أو أتاه الله الحكم والنبوة (والحق أن في قصة نوح في هذه السورة الكريمة درسا هادية وهادفة لابد أن يقف عندها المصلحون ورجال الدعوات وعلماء الاجتماع وسيدرك أولئك جميعاً أن هناك قضايا أساسية يشترك فيها الناس جميعا مهما تباعد الزمن وتطاولت الدهور واختلفت العصور فالشبه التي ألقاها قوم نوح هي نفسها التي نجدها اليوم)... ونحاول نذكر أهم الدروس والعبر من حياة هذا الرسول الأكرم (ع):
1- لقد ركز نوح (ع) دعوته منذ أول ساعة انطلاقها على بناء قاعدة التوحيد ونسف أسس الشكر بكل أشكاله ونستوحي من ذلك أن أول الأمور التي يجب أن ينتبه لها الدعاة إلى الله هي تصحيح عقائد المدعوين، وتطهير نفوس من كل شوائب الشرك من الأوهام والخرافات وبدون ذلك لا يمكن أن تبنى شخصية تحمل رسالة الله تعالى. فما لم تصح عقائد الإنسان في معرفة الله تعالى ورسوله وكتبه، وأحكامه لا يمكن أن يستمر في مسيرته إلى الله وسيتعرض إلى الزلل والانحراف.
2 – أن قدرة الله تعالى هي الغالبة ولا يمكن لإرادة الإنسان مهما طال الزمن أن تغلب إرادة الله تعالى (وإنه لن يقف شيء أمام قدرة الله الباهرة وإرادته النافذة. فهذا الطوفان دمر كل من كفر بالله ممن كذب نوحاً (ع) حتى ابنه وزوجته)
3 – إن النسب الطاهر إذا تجرد من العمل الصالح لا ينفع شيئا (فإن الله تعالى يجزي الناس في الدنيا والآخرة بأعمالهم وإيمانهم وصلاحهم وتقواهم لا بأنسابهم... فهذا ابن نوح وزوجته كانا من الهالكين، وإن من يعتمد على نسبه ويهمل القيام بواجباته ويزعم أنه أفضل من غيره هو غبي جاهل) وفي هلاك ابن نوح وزوجته ونجاة غيره عبرة لمن ألقى السمع وتفهم الدروس الإلهية.
4 – ينبغي للداعي إلى الله تعالى إذا لم تثمر جهوده، في هداية الناس وإنقاذهم من الضلال أن لا يصيبه اليأس والإحباط والتراجع مادام هو صادق مع الله تعالى قاصدا بذلك وجهه طالبا لرضوانه وهذا ما يتجلى لنا واضحا في قصة نوح (ع) حيث دعا قومه بكل الدعوات، وفي أطوال مدة عرفها تاريخ الدعوات، ولم يؤمن به إلا قليل ولم يتوقف عن الدعوة إلا حين أعلمه الوحي قائلاً: ((أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إَِّلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) (هود:36) أي يا نوح لا يقع في قلبك حزن وأسى وضيق وتحسر من جراء أعمالهم الشائنة التي قابلوك بها؛ ولهذا فإن نوحاً (ع) (لم يندم على بذل من جهد لأنه يعلم أن الله لن يضيعه، وإن لم يثمر فليس عليه إلا البلاغ ولم يعتبر العمر الطويل قضاه معهم قد ذهب إدراج الرياح أوضاع سدى، ولكنه كان موقنا بأنه سيكون له أثر إيجابي في الأجيال التي تتابعت في فترة رسالته) وبهذا الروح السامية بقيت مواقف نوح وكلماته دروسا تنير الدرب للعالمين إلى قيام يوم الدين.
5- ويعلمنا نوح كيف نقف بوجه الشبهات؟ وكيف نرد عليها وكيف نبطلها وكيف نشرح صدرنا فلا تضيق بنا السيل. ولهذا كان نوح (ع) يرد بكل هدوء ووداعة وأدب: ((يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)) (هود:28) وهكذا فإن الداعية إلى الله يتلقى نقد خصومه بصدر رحب، ثم يرد بالحجة الواضحة والبرهان القاطع. ولكل ثقة واطمئنان.
6- وكذلك يعلمنا نوح تعدد أساليب الدعوة إلى الله تعالى ترغيبا، وترهيبا سراً وعلانية، فلا يتجمد على أسلوب واحد، وإنما ينوع أساليبه، ولذلك نراه مرة يرغبهم، وأخرى ينذرهم ويهددهم، ومرة يدعوهم في الليل، وأخرى في النهار. وثالثة في السر ورابعة في العلن...
7- الاستمرارية وعدم التوقف عند الشعور بعدم الاستجابة فإن نوحاً (ع) رغم استجابة قومه لم يتوقف لحظة واحدة وإنما كان يواصل دعوته بلا كلل ولا ملل. ولا تراجع، وهذا يعلمنا كيف يواصل الداعية إلى الله حركته في إصلاح وتغير المجتمع البشري أينما حل وأينما ارتحل، ولا مجال فيها للتوقف والاعتزال...
8 – ومن أسمى الدروس في سيرة نوح الصبر وطول النفس والهمة العالية (في أداء التكاليف التي كلفناها الله تعالى بها والصبر على أذى السفهاء والجهلاء. والصبر في مواجهة الأعداء والصبر في كل أمر يحمد فيه الصبر) ولهذا فإن المتأمل في قصة نوح يجده صابرا بأبلغ درجات الصبر.
9 – تعلمنا قصة نوح (ع) أن الظلم هو من أهم أسباب هلاك وبوار الأمم والشعوب, ولهذا قال تعالى بعد هلك قوم نوح (ع) ((وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (هود:44) فلا أسف ولا أسى عليهم، وإنما سحقاً وبعدا وقبحاً لهم على ظلمهم ((فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)) (العنكبوت:14) وهنا تتجلى لنا سنة من سنن الله تعالى وهي أن الأمم حيث تحيد عن الشريعة الله فإنها نضع نفسها في معرض الهلاك والبوار ((وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا)) (يونس:13)
10- ويعلمنا نوح (ع) أن الدعاة إلى الله ينبغي أن لا يكون هدفهم من دعوتهم الحصول على المال والسلطان والجاه وما إلى ذلك وإنما ينبغي إن يطلبوا رضوان الله تعالى. (والداعي لا يطلب من أحد مالاً على قيامه بالدعوة إلى الله تعالى ولا يطلب أي شيء آخر مما يمكن أن بظنه الناس عوضا عن قيامه بالدعوة، وهذا ما أخبر به نوح قومه. قال الله تعالى حكاية عما قاله نوح لقومه: ((وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ)) (هود:29) ) ولم يكن نوح وحده قد دعا إلى ذلك وإنما هي سنة جميع الأنبياء كما صرح القرآن الكريم بذلك يقول تعالى عن لسان أنبيائه ورسوله هود (ع): ((يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ)) (هود:51)
((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إَِّلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الشعراء:127)
وصالح (ع): ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الشعراء:145)
لوط (ع): ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الشعراء:164)
شعيب (ع): ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الشعراء:180)
الرسول الأعظم (ص) يأمره الله تعالى أن يقول للناس: ((قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) (سـبأ:47)
وهكذا يؤكد لنا القرآن الكريم حاكيا عن لسان رسل الله أن أهم ما يجب أن يتحلى به الداعي إلى الله هو العفة عما في أيدي الناس، وعدم تأمل شيء منه. بل يجب أن يتنزه ويترفع ليكون عمله خالصا لله مجردا عن الأهداف المادية، وليؤثر في النفوس أكثر، وقد جربنا ذلك ورأينا كم يكون تأثير المُبَلِغُ إذا ترفع عما في أيدي الناس من حطام.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com