موقع الصراط ... الموضوع : العلاقة العضوية داخل الجماعات الاسلامية-2
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العلاقة العضوية داخل الجماعات الاسلامية-2  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 1 / رمضان / 1433 هـ
     
  المصدر الأكبر للاختلاف داخل الجماعة:
و(الهوى) هو أكبر مصادر الخلاف والشقاق داخل الحركات وليس الاختلاف في الرأي، فإن الاختلاف في الرأي - لولا الهوى - عامل إيجابي في نمو الحركة ونضجها وتلاقح الآراء داخل الحركة، وقلما يؤدي الاختلاف في الرأي لو جرد عن عامل الهوى إلى خلاف حاد في داخل الجماعة فضلاً من أن يكون سبباً في انشقاق الجماعة وتمزقها.
وللإمام الخميني رحمه الله كلمة بهذا الصدد تجسد كل الحقيقة في هذا المجال. يقول الإمام رحمه الله: (لو أن مائة وأربعة وعشرين ألف نبي اجتمعوا في مكان واحد وعاشوا مجتمعين لم يختلفوا فيما بينهم في أمر وذلك؛ لتجردهم من الأهواء، وعدم وجود تأثير للهوى في حياتهم)
ويتحول الخلاف في أغلب الأحيان من خلافات فردية بين الأفراد، نابعة من حب الذات والهوى إلى خلافات مسلكية تتسع رقعته بالتدريج، فيستوعب الخلاف في كل من الأطراف مساحة من الجماعة، ولا يعدم الإنسان في مثل هذه الحالات تحت تأثير وساوس الشيطان وتأثيراته، أن يتخذ ذرائع مبدئية وسياسية في الرأي؛ ليغطي بها الخلاف، ويختلق مبررات فكرية؛ ليثير الفتنة داخل الجماعة، ويتحول الخلاف إلى خلاف في النظرية والأسلوب والمنهج.
والاختلاف في الرأي في مثل هذه الحالات لا يزيد على أن يكون مبرراً للخلاف والخصومة، والسبب الحقيقي في الخلاف والخصومة يكمن في أهواء الإنسان.
ولو جردنا الاختلاف في الرأي عن عامل الهوى لم يكن شيء أسرع إليه من التفاهم والتوفيق.
وأقرب مثل لذلك الناكثون الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين (ع) في حرب الجمل بدعوى أن الإمام (ع) دفع الناس إلى قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وقد كان هؤلاء الناس يعلمون جيداً أن الإمام (ع) كان أبعد الناس من هذه التهمة، وكان أحرصهم على إخماد هذه الفتنة التي انتهت بمقتل الخليفة.
إلاّ أنهم رفعوا بوجه الإمام قميص الخليفة يطالبونه بدمه، فقد اجتمع أصحاب رسول الله (ص) وأهل الحل والعقد من المسلمين على الإمام وتزاحموا عليه لمبايعته، ولم يكن لهؤلاء الذين أثاروا الفتنة من قادة معركة الجمل مفرّ من البيعة، ولم يكن حكم الإمام وأسلوبه ليرضي طموحهم، ولم يبق لديهم من ذريعة في إعلان الخروج على الإمام إلاّ اتهام الإمام بالمساهمة في مقتل الخليفة.
ولذلك كله كان (الهوى) من أشد ما يخشاه رسول الله (ص) على أمته: (إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة)
وللمحافظة على سلامة الجماعة ينبغي الاهتمام بالتهذيب والتزكية في داخل الجماعة، وإعداد الفرد المؤمن إعداداً روحياً وأخلاقياً سليماً، ومعالجة العقد النفسية والالتواءات النفسية في الأفراد بموجب منهج أخلاقي صحيح من أهم الضمانات لسلامة العلاقات وفاعليتها في داخل الجماعة.
وبقدر ما يتطلب الجانب الفكري والتنظيمي من شخصية الداعية من اهتمام وعمل لصقل كفاءاته التنظيمية والعملية والفكرية فإن الجانب الروحي من شخصية الداعية يتطلب أضعاف ذلك من الجهد والعمل، وان شطراً كبيراً من اهتمام المسؤولين والمربين ينبغي أن يصرف في الإعداد الروحي للجماعة الصالحة، ومتابعة نموهم الروحي والخلقي وملاحقة المشاكل التي تعترضهم على طريق ذات الشوكة، هذا أولاً.
وثانياً: ينبغي أن يتابع العضو العامل في الجماعة أوضاع الحركة والجماعة وتوجهات الأفراد بمزيد من الوعي والفهم؛ ليميز بين التوجهات والأعمال والأحاديث التي تستبطن الهوى بنسبة ما، وتشوبها الذات، عن التوجهات الخالصة التي لا تشوبها شائبة الذات أصابت أم أخطأت. والخطأ هنا خطأ على أي حال، إلاّ أنه لا يأبى التصحيح ولا يتحول إلى مشكلة في الجماعة.
واكتشاف هذه التوجهات التي تشوبها شائبة الذات والهوى في جسم الحركة في بداياتها تساعد الحركة في التغلب عليها، ومعالجة هذه الحالات في بداياتها أيسر بكثير من معالجتها بعد أن تتمكن ويشتد عودها في داخل الجماعة، وإنّ من الخطأ الفادح أن تؤجل الجماعة علاج مثل هذه الحالات (الفردية) و(الهوى) و(الذات) إلى أن تستكمل نموها المرضي، وتستفحل وتصبح حالات صعبة العلاج، وتستقطب مساحة واسعة من الجماعة.
وليس من شك أن مثل هذه الحالات لا تستفحل في جسم الجماعة مرة واحدة، وإنما تبدأ ببدايات خفيفة، وتمر عبر مراحل كثيرة، وعلاجها بالتي هي أحسن، مع الإمكان وفرزها وعزلها عند استحالة العلاج، في مراحلها الأولى أيسر بكثير من مواجهتها في حالة استفحالها واشتدادها.
ولربما يؤدي التهاون في هذا الأمر إلى مصادرة كل جهود الجماعة وعملها، ولذلك فلا بد من أن تُسيّج الجماعة نفسها بسياج قوي من التقوى حتى لا يتمكن الشيطان من أن ينفذ إليها وينزغ فيما بين أفرادها.
وفيما يلي سنبحث في هذه الدراسة - إن شاء الله تعالى - مقومات وأركان العلاقة العضوية داخل الجماعة آملين أن تكون هذه الدراسة موضع اهتمام العاملين في سبيل الله والدعاة إلى الله.
تقوم العلاقة داخل الجماعة على مجموعة من الأسس أهمّها أربعة أسس:
1- التحابب في الله.
2- الثقة.
3- الطاعة.
4- التفاهم والنقد والنصيحة.
ولا بد أن تتوفر هذه العناصر الأربعة مجتمعة حتى تقوم العلاقة والارتباط داخل الجماعة على أساس صحيح، وسوف نتوقف عند كل واحد من هذه العناصر الأربعة وقفات قصيرة لنتأمل فيها إن شاء الله.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com