موقع الصراط ... الموضوع : العدالة في الإسلام
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العدالة في الإسلام  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 2 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ وليد الساعدي
تعتبر العدالة في الشريعة الإسلامية أصلاً من الأصول المهمة التي بعث الله الأنبياء والمرسلين من اجلها ، قال تعالى في كتابه الحكيم: ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) و العدل : هو الكف عن الظلم ورفعه ، وإعطاء كل ذي حق حقه.
وهو التوسط في الأمور والسير فيها على وفق الشريعة الإسلامية(ع) وإذا راجعنا الشريعة الإسلامية كتاباً وسنةً ، نرى أنها تؤكد على العدل قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) وقال رسول الله (ص): عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها ) وقال الإمام علي (ع) : العدل قوام الرعية وجمال الولاة(ع). وقال الإمام علي: بالعدل تتضاعف البركات. وقال الإمام علي: ما عمرت البلاد بمثل العدل.
ولكن هناك سؤال كيف تتحقق العدالة ؟ تتحقق العدالة في ثلاث أمور:
أولاً : القانون العادل:
فإنه في حالة عدم وجود القانون العادل ، لا تتحقق العدالة، فإذا كان القانون ظالماً ، فإنه يكون سبباً أساسياً في نشر الظلم ، وعدم تحقق العدالة ،ولقد أنزل الله سبحانه وتعالى ، لنا قانوناً عادلاً ، وهو القرآن الكريم حيث أمرنا بالحكم به وإتباع قوانينه فقال تعالى ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) .
لكن بشرط أن يفسر القرآن تفسيراً صحيحاً ، ويرجع المسلمون إلى عدل القرآن الكريم ، وهم أهل بيت النبي (صلى الله وعليه واله وسلم) كما قال رسول الله: إني قد تركت فيكم الخليفتين كتاب الله وعترتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض .
و عن زيد بن ثابت قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إني تارك فيكم الثقلين من بعدي كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض.
ثانياً : الحاكم العادل أو الحكومة العادلة ، وهو ما نعبر عنه بالإمام المعصوم ، أو من يقوم مقام المعصوم كالفقيه الجامع للشرائط ، يقول الإمام الخميني ( قدس سره ) وإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عادل ،فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (صلى الله وعليه واله وسلم ) منهم ،ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا . ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ، ما كان يملكه الرسول (صلى الله وعليه واله وسلم )، وأمير المؤمنين ((ع) ) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة ...) و إن كانت العدالة الحقيقية لاتحقق تحقيقاً كاملاً بكل جوانبها إلا بحضور الإمام المعصوم، وهذا لا يعني أنّنا غير مأمورين بالعدالة ، بل يجب علينا أن نقيم العدل ، وأن نسعى لقيام العدالة قال تعالى: (ع) ليقوم الناس بالقسط (ع) .
وثالثاً: لا بد من مساعدة الناس في قيام العدل ، فإن المجتمع إذا توفرت فيه القانون العادل والحكومة العادلة ، ولكن الناس ليس عندهم قابلية لتحمل العدالة، ولم يساعدوا في أقامت العدالة ،فإن العدالة الحقيقية لا تحقق ، وإنما تكون ناقصة فإن للناس دور في تحقيق العدالة ، كما قال تعالى ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ). ولقد طبق العدل بكل جوانبه بعد رسول الله ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فهو بحق صوت العدالة الإنسانية وهو القائل (عليه السلام): والله لو أعطيت الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت. وهذه الكلمة من الكلمات التي صدرت من أمير المؤمنين (ع) ، والتي تبين شدة عدالته وهو شعار رفعه الإمام (عليه السلام) أيام خلافته ، وطبقه تطبيقاً كاملاً ، الآن كثير من الزعماء والقادة ، يرفعون شعارات وينادون بالعدل والمساواة ، وكلنهم في مجال التطبيق يفشلون وينسلخون عن ما رفعوه من شعار، ولكن أمير المؤمنين علي (ع) نادي بالعدالة ، وطبقها في جميع مجالاتها:
أولاً: عدالته في العطاء:
كان أمير المؤمنين (ع) شديد العدالة في العطاء من بيت المال ، فلا يفرق بين الأسود والأبيض ولا بين العربي وغيره ولا بين القريب والبعيد ، فلقد دخلت عليه امرأتان أحدهما عربية قرشية ، والثانية أعجمية فساوى بينهن بالعطاء فقالت القرشية : هذه أعجمية يا أمير المؤمنين ، فأخذ الإمام (ع) قبضتين من التراب وقال : ما فضل هذا التراب على هذا التراب وقيل أنه قال : لم أجد فضلاً لولد إسماعيل على ولد إسحاق كلكم لآدم وآدم من تراب.
هذا هو العدل الحقيقي، ولعلك تسأل أن هذه المرأة أليست مسلمة والإسلام يأمر بالعدل والمساواة ، وعدم التفرقة لماذا تعترض هذه المرأة على الإمام (ع) عندما ساوى بينهن؟
الجواب: الآن الجماعة الذين حكموا بعد رسول الله فرقوا في العطاء ، وجعلوا الناس طبقات هذا قريشي وهذا غير قريشي، وهذا عربي وهذا أعجمي ، وهذا مهاجراً وهذا أنصاري ، مع أنهم كانوا يرون رسول الله لا يفرق بين الناس إلا على أساس التقوى.
ولهذا جاء إليه جماعة وطلبوا منه أن لا يساوي في العطاء ، وأن يفرق بين الناس من أجل أن يكسب الوجهاء والزعماء ، فغضب الإمام علي (ع) وقال : أتأمرونني أن طلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله لا أطور به ما سمر سمير، وما أم نجم في السماء! لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله.
في حين أن خصمه معاوية توصل بكل وسيلة غير مشروعة ، مهما كان الثمن للوصول إلى مآربه الشيطانية، وقد ساد الإعتقاد عند جماعة سذج ، أن هذه من علامات ذكاء معاوية ودرايته وتفوقه على الإمام (ع) في السياسة، لذا تجد الإمام يقول: والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة ، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة.
ولقد جاء إليه عقيل وأخوه وأقرب الناس إليه ، فأراد أن يعطيه فوق إستحقاقه ، وأكثر من عطائه من بيت المال فقام أمير المؤمنين علي (ع) : وأحمى له حديدة وقربها إليه فقال عقيل : ما تصنع يا أبا الحسن فقال (ع): يا عقيل ثكلتك الثواكل أتن من حديدة أحماها إنسان للعبه ، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه أتئن من الأذى ولا أئن من لضى.
قال ابن الأثير في أسد الغابة : ان زهده وعدله لا يمكن استقصاؤها ، وماذا يقول القائل في عدل خليفة يجد في مال جاءه من أصبهان رغيفاً فيقسمه سبعة أجزاء ، كما قسم المال ويجعل على كل جزء ، فكان (ع) يعطي جميع الناس من بيت المال ، ولم يفرق أحدهم على الآخر لقرابة أو رحم ، لأنه هو القائل لو كانت الأموال لي لساويت بينهم، وكيف و المال مال الله.
هذه الروح الكبيرة والنفس الإنسانية العادلة ، وهذا هو الحاكم ، والخليفة العادل الذي أمرنا الله تعالى بطاعته وولايته ، وليس أولئك الذين جعلوا أتعابهم يفعلون ما يشاءون بأموال الناس .
وثانياً : عدله بالحكم بين الناس:
فلقد شهد له التاريخ أنه ما حكم أحد بعد رسول الله ، بين الناس بالعدل كما حكم الإمام علي بن أبي طالب، وهو القائل: إيّها الناس أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق، وإن كان كارهاً.
فكان يأمر ولاته بالعدل بالقضاء ، وكان (عليه السلام) يقضي بين الناس بنفسه ،ولقد قال فيه رسول الله: أقضاكم علي ، ولهذا كان يرجع إليه الخلفاء الذين سبقوه في كثير من الأمور في باب القضاء، فيقوم (عليه السلام) بالقضاء فيها ، حتى قال فيه عمر بن الخطاب : أعوذ بالله من معضلة ، ولا أبو الحسن لها وقال أيضا: لو لا علي لهلك عمر.
فكان عليٌ (ع) سيد العادلين في القضاء بعد رسول الله ، وكان يوصي أولاده بالعدل في أدنى الأمور ، فلقد روي في الآثار أن صبيين أرتفعا إلى الحسن بن علي (ع) في خط كتباه ، وحكماه في ذلك ليحكم أي الخطين أجود ، فبصر به عليٌ (ع) فقال: يا بني أنظر كيف تحكم، فإن هذا حكم ، والله سائلك عنه يوم القيامة. وهذا رسول الله (ص) الذي لا ينطق عن الهوى إنه هو إلا وحي يوحى يقول : بإن يده ويدي علي صلى الله وعليه وآله في العدل سواء، وهذا ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي هريرة قال: جئت إلى النبي (ص) وبين يديه تمر، فسلمت عليه فرد (عليه السلام) وناولني من التمر مليء كفه، فعددتها ثلاثاً وسبعين تمرة ،ثم مضيت من عنده إلى عند علي بن أبي طالب(ع) وبين يديه تمر، فسلمت عليه فرد عليّ وضحك إليّ ، وناولني من التمر ملء كفه، فعددته فإذا هو ثلاث وسبعون تمرة فكثر تعجبي من ذلك ، فخرجت إلى النبي فقلت: يا رسول الله جئتك وبين يديك تمر فناولتني ملء كفك فعددته ثلاثاً وسبعين تمرة، ثم مضيت إلى عند علي (ع) وبي يديه تمر فناولني ملء كفه فعددته ثلاثاً وسبعين فتعجبت من ذلك, فتبسم النبي(ص) وقال: يا أبا هريرة أما علمت أني يدي ويد علي في العدل سواء .
هذه العدالة الإسلامية التي جاء بها رسول الله (ص ) والتي طبقها أمير المؤمنين علي (ع) والأئمة الطاهرين من بعده في حياتهم ، وأمروا المسلمين وخصوصاُ الفقهاء العدول أن يسعوا إلى تطبيقها.
المصدر: موقع المقالات الخاص بالدراسات الشيعية
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com