موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : نشوء الدولة والمجتمع السياسي-1
 
الثلاثاء - 2 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  نشوء الدولة والمجتمع السياسي-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 2 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم: السيد هاشم الموسوي
araki الجماعة الطبيعية والجماعة السياسية:
بعد أن تحدثنا عن مفهوم السياسة، وعرفنا أنها قضية حيوية في حياة الإنسان وضرورة حضارية ومدنية لازمت حياته منذ فجر التأريخ، فمن الضروري أن نعرف كيف نشأت الحياة السياسية، وكيف وُجد المجتمع السياسي، ولكي يكون ذلك واضحاً لدينا فلنعرِّف بأبرز الآراء والنظريات التي عالجت هذا الموضوع؛ ذلك لأن للفلاسفة والمفكرين، وكتّاب الفكر السياسي، وعلماء التاريخ والاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي من إسلاميين وغير إسلاميين، آراء متعددة في فهم وتحليل المجتمع البشري، ونوعية الطبيعة الإنسانية، وكيف بدأت الحياة الاجتماعية، وتكون المجتمع المنظم، ونشأة الحياة السياسية والدولة...
وقد بحث المفكرون الإسلاميون، وعلماء الإسلام، هذه القضية الأساسية، وعمقوا البحث فيها، فبلوروا النظريات الإسلامية المفسِّرة للطبيعة البشرية، ونشأة المجتمع السياسي والدولة في دراسات الأمة والخلافة والولاية، والنبوة، في بحوث الفلسفة، وعلم الكلام، والفقه، والتفسير، والدراسات الأخلاقية، والاجتماعية الأخرى.
وفيما يلي نتحدث بإيجاز في أبرز الآراء والنظريات التي عالجت هذه الموضوعات، ونعرف بالرأي الإسلامي، كما أوضحه الفلاسفة والعلماء الإسلاميون.

الآراء و النظريات غير الإسلامية:
لقد ذكر - الباحثون غير الإسلاميين - أن الإنسان قد مر بمرحلتين اثنتين في حياته، هما:
1- مرحلة الحياة الفطرية - الطبيعية: وهي المرحلة الأولى من حياته، والتي كان فيها الإنسان يسير بقوانين الفطرة والغريزة، ويعيش كما تعيش الطيور والأطفال والحيوانات، فلم يكن هناك تنظيم اجتماعي، ولا سلطة، ولا قانون متفق عليه بين الناس... بل كانت تسيرهم قوانين الطبيعة البشرية، والحوافز الغريزية الذاتية ... وقد اختلف هؤلاء الفلاسفة والمفكرون السياسيون في تحليل وتحديد طبيعة الحياة في تلك المرحلة (مرحة الجماعة الطبيعية) فذهب فريق منهم أمثال هوبز، وبوسيه، إلى القول بأن الفطرة، والحياة الفطرية التي كان عليها الإنسان، هي وضعية شريرة، فقد كانت حياة نزاع وصراع وفوضى، تشبه حياة الغابة.
وذهب فريق آخر، أمثال روسو، وجون لوك، إلى القول بأن حياة الجماعة الطبيعية، كانت حياة حرية وسلام ومساواة؛ ذلك لأن الفطرة الطبيعية للإنسان، هي فطرة خيرة، وأن القانون الطبيعي، كان هو القانون الموجه لحياة الجماعة البشرية. 2- مرحلة الحياة السياسية: (مرحلة المجتمع السياسي): وهي مرحلة المجتمع الذي يسيره قانون اجتماعي، وسلطة ملزمة للآخرين، غير قانون الفطرة الغريزية، وهو المجتمع الذي انتقل إليه الإنسان، بعد المجتمع الطبيعي (الفطري) وفي ظل هذا المجتمع مارس الإنسان حياته السياسية (الحياة المدنية) مارس السلطة، وكوَّن الدولة، والحياة الخاضعة لقانون اجتماعي...

نظريات نشوء الدولة والسلطة السياسية:
لقد تعددت الآراء والنظريات التي تقدم بها الكتاب والمفكرون غير الإسلاميين لتفسير انتقال الإنسان من مرحلة المجتمع الفطري إلى المجتمع المدني (السياسي) أمثال ارسطو، وافلاطون، وفلمر، وروسو، وماركس... الخ، وكيفية نشوء الدولة والسلطة والحياة السياسية في ذلك المجتمع، ويمكننا أن نحصي تلك الآراء والنظريات التي تفسر نشأة المجتمع السياسي، وكيفية نشوء السلطة والدولة بالآتي:
أولاً:النظرية العقدية:
وتقوم هذه النظرية على أن الأفراد في المجتمع الفطري تعاقدوا مع شخص قوي ليكون هو الحامي للحقوق والحريات الطبيعية أي هو السلطة السياسية في المجتمع، ونشأت هذه النظرية، كما يقول كتاب الفكر السياسي في أحضان الفكر اليوناني، في القرن الثالث قبل الميلاد؛ لتفسير نشأة المجتمع السياسي، إلا أن عدداً من الفلاسفة والكتاب السياسيين الأوروبيين نادوا في القرن السادس عشر الميلادي بهذه النظرية أيضاً وبشكل متطور من أجل تفسير نشأة المجتمع السياسي، والسلطة السياسية (الدولة ومسؤولية الأفراد تجاهها) فجعلوها أساساً فلسفياً لتفسير نظام الحكم (الملكي المستبد، أو الديمقراطي الحر الرأسمالي) ودافعوا بها عن مذاهبهم السياسية، ونزاعاتهم مع السلطة، كل وفق تفسيره وتوجيهه لتلك النظرية.
ويعتبر هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو، من أبرز رُواد هذه النظرية، ولقد كان لكل منهم فلسفته ورأيه الخاص في تفسير هذه النظرية التي بنى عليها تفسير السلطة، وحقوق الحاكم والمحكوم.
نظرية توماس هوبز:
لقد نادى المفكر الانكليزي توماس هوبز الذي عاش ما بين (1588-1679م) بنظرية التعاقد، وبنى نظريته هذه على القول بأن الإنسان كان يعيش حياة طبيعية قبل أن يتحول إلى حياة الجماعة السياسية، وأن الإنسان أناني بطبعه، يحمل نزعة شريرة في أعماق نفسه وليس إنساناً اجتماعياً بطبعه، كما يقول ارسطو؛ لذلك كان المجتمع الفطري الأول مجتمع فوضى ونزاع، تتحكم فيه القوة والأنانية وتلك الحالة المأساوية هي التي اضطرته إلى البحث عن طريق للتخلص من تلك الوضعية، فالدافع إلى إنشاء المجتمع السياسي والسلطة (كما يراه هوبز) الخوف والفوضى والشقاء الذي عاشه الإنسان، فتعاقد أفراد المجتمع الفطري، فيما بينهم، على التنازل عن حقوقهم الطبيعية وحرياتهم إلى شخص قوي يوفر لهم الأمن والعيش في سلام، فكانوا-أي المجتمع الطبيعي-(الذين أصبحوا فيما بعد يمثلون طبقة المحكومين) هم المتعاقدون فيما بينهم على اختيار الحاكم، وبذا فليس الحاكم طرفاً في العقد، فانتهى هوبز بفلسفته تلك التي ضمنها في كتاب (التنين) الذي أصدره عام (1651م) إلى قوله بضرورة القبول بالحكم الملكي المستبد، القائم آنذاك (بناء على تلك النظرية) وتثبيتاً للنظام الفردي الاستبدادي، ودفاعاً عنه، وذلك لأن الأفراد -حسب رأيه – قد تنازلوا عن حقوقهم للحاكم المطلق، مقابل حمايتهم، وليس من حقهم الاعتراض، أو الثورة على السلطة القائمة، إلا إذا عجزت عن الدفاع عن أوضاع الأمن الداخلي، والدفاع الخارجي.. وإذن فالدولة والسلطة - حسب رأيه - جاءتا نتيجة عقد بين أفراد المجتمع الفطري أنفسهم، المعذبين بالخوف وتكالب الأقوياء، الذين اتفقوا على اختيار طرف ثالث (الحاكم)، والتنازل له عن حقوقهم الطبيعية، مقابل حياتهم، وليس الحياة السياسية والدولة ظاهرة طبيعية نتيجة النزعة الاجتماعية عند الإنسان، وبشكل تدريجي، ومن أجل إشباع الرغبات، والحاجات الفردية، التي أصبح الأفراد عاجزين عن تحقيقها في ذلك المجتمع البدائي (كما يقول ارسطو).. وواضح كم هو هزيل هذا المنطق، منطق التبرير السياسي للأسرة الحاكمة الذي بنى عليه هوبز فلسفته، ونظريته السياسية؛ ذلك لأننا لو تقبلنا فرض التعاقد بين الأطراف في تلك المرحلة الفطرية-مرحلة الفوضى والخوف وتكالب الأقوياء- وأن أوضاعهم المأساوية اضطرتهم إلى التنازل عن حقوقهم في تلك العهود الغابرة، فلماذا تكون أجيال الإنسان الأخرى مسؤولة على مدى الدهور عن هذا التنازل الاضطراري الذي رضي به غيرهم من الأجيال البدائية، قبل ألاف من السنيين إضافةً إلى عدم وجود أي دليل علمي يؤيد هذه النظرية فهي عبارة عن فرضية تفسيرية، لا تحظى بالتأيد والإسناد العلمي.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com