موقع الصراط ... الموضوع : مع أنصار الحسين (ع)
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مع أنصار الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 3 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
jameel ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهُدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً))(1).
إنَّ أعلى درجات الإيمان، وأسمى صفات المؤمنين هي حالة التطلّع إلى لقاء الله بالشهادة، والشوق، والتلهّف إليها، وبذلك عدَّها أمير المؤمنين (ع) من مواطن البشرى حينما قال لرسول الله (ص) -كما ينقل في أحد خطبه-: ((أَوَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ، حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مِنَ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ؟ فَقَالَ لِي: إِنَّ ذلِكَ لَكذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ هذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْرِ))(2).
والعارفون بالله شديدو الشوق إلى ذلك، كما وصف أمير المؤمنين علي (ع) في خطبة المتقين: ((وَلَوْلا الأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، شَوقاً إِلى الثَّوَابِ، وَخَوفاً مِنَ الْعِقَابِ، عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ))(3).
وأيّ عمل من أعمال الخير هو دون مرتبة الشهادة مهما بلغ المؤمن من الإخلاص والتفاني كما يقول رسول الله (ص): ((فوق كلّ ذي برّ برٌّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برّ))(4). ولعلّ السبب في ذلك: أنَّ الشهداء هم مشاعل طريق الإيمان يضيؤون الطريق أمام البشريّة إلى الله تعالى، فلهم حقٌّ على كلّ إنسان مهما بلغ من العلم، والعمل، والتقوى، فالفضل لهم؛ لأنَّهم عَبَّدُوا الطريق للآخرين بدمائهم.
فالفقيه، والكاتب، والخطيب، والمدرس، والمهندس... كلّهم مدينون للشهداء، فلولاهم لما استطاع الفقيه أن يفتي، والكاتب أن يكتب، والمعلّم أن يعلّم، والخطيب أن يطرح مفاهيم الإسلام في الهواء الطلق، ولا الحاكم العادل أن يحكم؛ فالشهداء هم الذين يوجدون للأمة المناخ المناسب للرقي والتقدم بإيجادهم ظروفاً جديدة تهيئ للإنسان حالة الإبداع والابتكار.
وحالة التطلّع للشهادة، أو حبّ لقاء الله لا يمكن أن يتحقّق في ذات الإنسان بدون مقدّمات تربوية تهيئ النفس للقاء الله تعالى أهمها:
1- التحرّر الروحي والفكري من زخارف الدنيا، والارتفاع عن تراب الأرض، والتطلع إلى نور السماء؛ فـ(الشهيد تخلّص من أثقال الأرض، والانشداد بها، فأصبح قليل المؤونة، كثير المعونة، شرُّه مأمون، وخيره مأمول...)(5)، كما (أنَّ الشهيد القتيل لم يسأم الحياة - بل أراد إحياء الموتى - وهو لم يبتئس بالموت، بل كان يربأ بنفسه أن يموت حياً)(6).
2- الحبّ لله وفي الله: فإنَّ قلب المتطلع للشهادة طافح بحبّ الله، متشوّق إلى لقائه تعالى؛ ولهذا فهو دائم اللهفة، والشوق إلى لقاء المحبوب...
وهذا الحبّ يوسّع آفاق النفس، ومداركها، وطموحاتها، فيجعلها تنظر إلى ما بعد الحياة الدنيا، يرنو ببصره إلى الآفاق الإلهية غير المحدودة، فيسمو، وتضيق الدنيا به فلا تطمئن نفسه إلا بلقاء الله تعالى.
روي: ((أنَّ رسول الله (ص) رَغَّبَ في الجهاد، وذكر الجنة، ورجل من الأنصار يأكل تمرات في يده، فقال: إنّي لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهنّ، فرمى ما في يده، فحمل بسيفه، فقاتل حتى قتل))(7).
وقد روى ابن كثير أنَّ عمير بن الحمام كان في يده تمرات يأكلهن، فبعد أن أنهى رسول الله (ص) خطبته يحثّ القوم على القتال قد أخذت كلمات الرسول (ص) منه بمجامع قلبه حتى قال: ((بخٍ بخٍ أفما بيني، وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟)) قال: ((ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل رحمه الله))(8).
فحبُّ الشهادة نابع من حب الله تعالى؛ فهو ليس حبّاً ذاتياً، وإنما هو حبٌّ طريقي كما يقول الأصوليون؛ ولهذا كان رسول الله (ص) يقول: ((والذي نفس محمّد بيده، لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل!))(9).
وسُئِلَ أميرُ المؤمنين (ع): ((بماذا أحببت لقاء الله؟)) فقال (ع): ((لما رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه، علمت أنَّ الذي أكرمني بهذا ليس ينساني، فأحببت لقاءه))(10).
3- وضوح الرؤية أو الهدفيّة المقدّسة: ونقصد بوضوح الرؤية أن يعي ما يريد الله تعالى من عباده، ويتحرّك ضمن تلك الإرادة بحيث يعرف ماذا يريد؟ ولماذا يتحرك؟ ويستقصي أسرار نفسه في حركته، فيحبسها على الله... ومن الواضح الجلي أنَّ من خصائص الرسالة الإسلامية أنّها تُشعر المؤمن بقدسية أهدافه لكونها إلهية... وجميل ما ذكره المفكر الشهيد مطهري (رحمه الله) في بعض مؤلفاته في التفريق بين الهدف المقدس والهدف العظيم:
فالهدف المقدس هو أن يطلب الإنسانُ الحقيقةَ، ويعمل على خدمتها وتطبيقها من دون نظر إلى مصالحه الشخصية الآنية سواء كانت تلك المصالح مادية أو معنوية، فهو ينظر إلى المصلحة العامة، ويتحرك لأجل تحقيقها، ويتجاوز الذاتية والأنانية بكلّ أشكالها.
وأما الهدف العظيم: أعمال كبيرة وعظيمة، ولكن صاحبها يُقدّم مصلحته، ويضعها فوق كلّ الاعتبارات كمن يريد أن يحرر أمته، ليتحكم بها، ويتسلط عليها، ويقدّم خدمات كثيرة للآخرين كي يطيعوه، فبعض الناس يكون فكره، وذكاؤه، وعلاقاته، وثروته، وقدراته مسخرة لذلك، فهو يحاول دائماً أن يسلّط الأضواء على نفسه، ويبرّز ذاته، وإن كانت أهدافه عظيمة... ومن الناس عكس أولئك فهم يعيشون مع الناس، ويعايشونهم، ويشاركونهم آلامهم وآمالهم، ولكن من منطلق رسالي لا من منطلقات شخصية...
وخلاصة الكلام: إنَّ الهدف المقدس هو تجاوز الأنا الضيّقة إلى رحاب الله تعالى الواسعة، وتسخير كلّ القوى العقلية، والبدنية لله تعالى.
وأما الهدف العظيم قد يكون كبيراً، ولكن منطلقاته ذاتية أنانية ومصلحية. نعود إلى أصحاب الحسين (ع): فمن هم؟ وماذا كانت أهدافهم ومنطلقاتهم؟ وما هو الفرق بينهم وبين أصحاب رسول الله (ص)؟ وأصحاب أمير المؤمنين علي (ع)؟
ولا شك أنّهم زبدة الأمة الإسلامية، وخلاصة من ربّاهم رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) .
والفرق بينهم وبين أصحاب رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) أنَّ أولئك كانوا يقاتلون ولهم أمل في النصر، والبقاء، والغلبة، وأما أصحاب الحسين (ع) فقد كانوا على يقين قاطع أنّهم مقتولون، ولا أمل لهم بالغلبة العاجلة، فقد أخبرهم الحسين (ع) بأن من لحق به استشهد، وأنّ الله أذن بقتله وقتلهم، فصبروا، واستماتوا، وتفانوا في جهاد عدوّهم، ونصرة إمامهم .
ولذلك مهما أوتي المرء من فطنة، وإدراك، وبلاغة في التعبير لا يمكن أن يعطي تقييماً دقيقاً لتلك الثلّة المباركة، ومن هنا كان التقييم الوحيد لهم هو ما عَرَّفَهُمْ به إمامُهم بأنَّهم يستأنسون بالمنيّة كما يستأنس الطفلُ بمحالب أمِّه.
وقد اتّسم أصحاب الحسين (ع) بكلّ صفات الكمال نذكر بعضاً من تلك الصفات:
1- الإدراك والوعي الكامل لفريضة الجهاد وفق سنة التكليف؛ فهم كانوا يعلمون أنّهم مستشهدون لا محال، ورغم ذلك واصلوا الكفاح، وتفانوا في أداء فريضة الجهاد المقدسة في سبيل الله تعالى.
2- التطوّع للتضحية من دون إغراء ولا تهديد، بل كانوا على علم بكلّ ما سيحدث، والحسين (ع) قال لهم:
((أما بعد؛ فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف عنّي لم يبلغ الفتح))(11).
((من كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله))(12).
3- الشوق إلى لقاء الله، بل العشق له: لذلك كانوا مسرورين متفائلين، يقول المؤرخون: ((جعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا، فوالله ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: والله لقد علم قومي أنّي ما أحببتُ الباطلَ شابّاً ولا كهلاً، ولكن والله إنّي لمستبشرٌ بما نحن لاقون، والله إنّ بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم))(13).
وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له برير بن خضير الهمداني: ((يا أخي، ليس هذه بساعة ضحك!)) قال حبيب: ((فأيّ موضع أحقّ من هذا بالسرور؟ والله ما هو إلا أن تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم، فنعانق الحور العين))(14).
وأدقُّ وصفٍ لهم ما نطق به قائدهم وإمامهم في جوابه لأخته زينب سلام الله عليها: ((والله لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس(15)، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل إلى محالب أمّه))(16).
ولذلك عندما خاضوا غمار الموت كانوا كالأسود الضارية التي لا تهاب شيئاً ولا تتراجع بحال؛ فقد نقل ابن أبي الحديد: ((قيل لرجل شهد يوم الطفّ مع عمر بن سعد: ويحك! أقتلتم ذرية رسول الله (ص)!؟ فقال: عَضَضْتَ بالجندَل، إنَّك لو شهدت ما شهدنا، لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتُلقي أنفسها على الموت؛ لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة، أو الاستيلاء على الملك؛ فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها فماذا كنا فاعلين لا أمّ لك!))(17).
وهذا الشوق بلقاء الله تعالى نابعٌ من الحبّ والعشق الإلهي... هذا العشق أنساهم حتى ألم الجراح، يقول الإمام الباقر (ع): ((إنَّ أصحاب جدي الحسين (ع) لم يجدوا ألم مسّ الحديد))(18).
وإلى هذا المعنى أشار الإمام الحسين (ع) حين قال لأصحابه قبل أن يقتل: ((إنَّ رسول الله (ص) قال لي: يا بنيّ، إنَّك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين، وهي أرض تدعى عمورا، وإنَّك تستشهد بها، ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد))، وتلا: ﭽﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﭼ(19)(20).
4- عدم الاهتمام بالخطر المحدق بهم من كلّ جوانب حياتهم، وحسبهم من السموّ الخلقي، واليقين الذي لا شائبة فيه أنّه ما من أحدٍ منهم إلا وكان بإمكانه أن ينجو بنفسه وعياله بمجرد التراجع عن نصرة الحسين (ع).
يقول العقاد: ((ولم يكن من أصحاب الحسين (ع) إلا من يطلب الموت، ويتحرّى مواقعه وأهدافه.. فكان نافع بن هلال البجلي يكتب اسمه على أفواق نبله، ويرسلها فيقتل بها ويجرح، وقلّما يخطئ مرماه، فأحاطوا به، وضربوه على ذراعيه حتى كسرتا، ثم أسرّوه، والدم يسيل من وجهه ويديه، فحسبوه يلين للوعيد، ويجزع من التمثيل به، فأسمعهم ما يكرهون، وراح يستزيد غيظهم، ويقول لهم: لقد قتلت منكم اثني عشر رجلاً سوى من جرحت، ولو بقيت لي عضدٌ وساعدٌ لزدتُ))(21).
ولا عجب ذلك من نافع؛ فإنّه كان (سيداً شريفاً سرياً(22) شجاعاً، وكان قارئاً كاتباً من حملة الحديث، ومن أصحاب أمير المؤمنين (ع)، وحضر معه حروبه الثلاث في العراق، وخرج إلى الحسين (ع) فلقيه في الطريق)(23).
ولما ضَيَّق الحرّ على الحسين (ع) قام نافع، فقال: ((يا ابن رسول الله، أنت تعلم أنَّ جدك رسول الله (ص) لم يقدر أن يُشْرِب الناس محبته، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحبّ، وقد كان منهم منافقون يعِدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمرّ من الحنظل، حتى قبضه الله إليه، وإنَّ أباك علياً رحمة الله عليه قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره، وقاتلوا معه الناكثين، والقاسطين، والمارقين، [وقوم خالفوه] حتى أتاه أجله، فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة؛ فمن نكث عهده، وخلع بيعته فلن يضرّ إلا نفسه والله مغنٍ عنه، فسر بنا راشداً مُعافاً، مُشَرِّقاً إن شئت، وإن شئت مُغَرِّباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا وإنَّا على نيّاتنا، وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك))(24).
وإذا أردنا أن نستقرئ حياتهم نجد أكثر من شاهد على أنّهم لم يعبؤوا بالخطر المحدق، ولم يُعيروه أيّ أهمية، بل كانوا يلتذّون بلقاء العدو، ويستأنسون بالموت في سبيل الله تعالى؛ فهذا عابس الشاكري يتقدم إلى الحسين (ع) ويقول: ((يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب، ولا بعيد أعزَّ عليَّ، ولا أحب إليَّ منك، ولو قدرتُ على أن أدفع عنك الضَّيم والقتل بشيء أعزّ عليَّ من نفسي ودمي؛ لفعلتُه. السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد أنّي على هديك، وهدى أبيك))، ثم مشى بالسيف مصلتاً نحوهم، وبه ضربة على جبينه(25).
وروى أبو مخنف عن الربيع بن تميم الهمداني أنَّه قال: ((لما رأيته [عابساً] مقبلاً عرفته، وقد شاهدته في المغازي، وكان أشجع الناس، فقلت: أيّها الناس، هذا الأسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجنّ أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجل لرجل؟! فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة؛ قال: فرُمِيَ بالحجارة من كلّ جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومِغفَرَه، ثم شدَّ على الناس، فوالله لرأيته يكرد(26) أكثر من مائتين من الناس، ثم إنّهم تعطّفوا عليه من كلّ جانب، فقتل))(27).
بهذه الروح المقدامة المتفانية في سبيل الله، وبهذا التحدّي الذي لو فتشنا التأريخ، وغصنا إلى أعماقه لن نجد له نظيراً، يلقي درعه ومغفره؛ ليتحدى الموت بأبشع أشكاله، ويثبت للتاريخ أنَّ الرسالة أغلى من الروح والدم، وكل غالٍ ونفيس...
5- إنّهم من أهل البصائر: وهم الذين حملوا الإسلام عن علم وبصيرة متسلّحين بالحجج والبينات الواضحة من الله تعالى، فهم ليسوا مجرد رواة، وإنّما هم وعاة لرسالة الله تعالى، ودعاة إليها، وكانوا حقّاً كما وصفهم أحد رجالات جيش ابن سعد عندما رأى أنّهم لا يبارزهم مبارز إلا وجندلوه، قائلاً للناس:
((يا حمقى، أتدرون من تقاتلون! فرسان المصر، قوماً مستميتين، لا يبرزنَّ لهم منكم أحد، فإنّهم قليل، وقلّما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم))، فقال عمر بن سعد: ((صدقت، الرأيُ ما رأيتَ))، وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألا يبارز رجلٌ منكم رجلاً منهم(28).
ولا عجب أن يكونوا من أهل البصائر؛ فقد أخذوا الحقَّ، والعلم، والإيمان من منبعه الصافي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، أخذوه من رسول الله (ص)، ومن أوصيائه الطاهرين؛ ولهذا ((حَمَلُوا بَصَائِرَهُم عَلَى أسْيافِهِم))(29) كما وصف أمير المؤمنين (ع)، يقول ابن أبي الحديد في شرح هذه العبارة: ((يعني أنَّهم أظهروا بصائرهم، وعقائدهم، وقلوبهم للنّاس، وكشفوها وجرّدوها من أجفانها، مع تجريد السيوف من أجفانها، فكأنّها شيء محمول على السيوف يبصره من يبصر السيوف، ولا ريب أن السيوف المجرّدة من أجلى الأجسام للأبصار، فكذلك ما يكون محمولاً عليها))(30).
وهكذا استمرّ روح الولاء وفاء للحسين (ع) إلى آخر لحظة من حياتهم صلوات الله عليهم، فكانوا بحقّ أنصار الله، وأنصار رسوله، وأنصار الإسلام، فصلوات الله عليهم وسلامه عليهم بما صبروا فنعم عقبى الدار.

الهوامش:
(1) الأحزاب: 23 .
(2) نهج البلاغة: 251، خطبة: 156.
(3) المصدر نفسه: 332، خطبة: 193.
(4) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 11/10.
(5) مكّي قاسم البغدادي، الشهادة تأصيل لا استئصال: 1/103.
(6) المصدر نفسه: 1/102.
(7) ابن عبد البر، الاستذكار: 14/295-296 .
(8) ابن كثير، البداية والنهاية: 3/337-338 .
(9) صحيح مسلم: 6/33-34.
(10) الشيخ الصدوق، كتاب الخصال: 1/33 .
(11) ابن نما الحلي، مثير الأحزان: 39 ، والملهوف على قتلى الطفوف: 129.
(12) السيد ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف: 126-127 .
(13) تاريخ الطبري: 5/423 .
(14) الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): 1/293 .
(15) الأشوس: الجريء على القتال، والأقعس: الثابت العزيز، المنيع.
(16) المقرم، مقتل الحسين (ع): 226.
(17) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 3/263.
(18) المقرم، مقتل الحسين (ع): 70 .
(19) الأنبياء: 69 .
(20) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 45/80-81 .
(21) عباس محمود العقاد، المجموعة الكاملة: 2/253، من كتاب ((الحسين أبو الشهداء)).
(22) السَّري جمعه سراة، ومعناه الرفيع المنزلة.
(23) السماوي، إبصار العين في أنصار الحسين (ع): 147.
(24) بحار الأنوار: 44/382-383، وإبصار العين في أنصار الحسين (ع): 147-148.
(25) تاريخ الطبري: 5/444 .
(26) يكرد: يطرد.
(27) تاريخ الطبري: 5/444 .
(28) تاريخ الطبري: 5/435 .
(29) نهج البلاغة: 240، خطبة: 150 .
(30) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 9/131.

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب للشيخ جميل الربيعي، الفصل الخامس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com