موقع الصراط ... الموضوع : أساليب التبليغ-1
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أساليب التبليغ-1  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 3 / رمضان / 1433 هـ
     
  تمهيد:
لكلّ دعوة جانبان، جانب المعاني والمضامين، وهو الّذي يشمل قضايا الدعوة ومبادئها وأهدافها، وجانب الأساليب والعبارات، وهو الّذي تصاغ فيه هذه المعاني.
ولكلّ من الجانبين خصائصه الّتي تميّزه عن الآخر. فمن خصائص الدعوة الإسلاميّة صدقها، وشمولها، وحيويّتها... ومن خصائص أساليبها: الوضوح والبيان، والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالّتي هي أحسن...
ولقد عني العلماء بدراسة أساليب الدعوة والتبليغ. ومن هذه الدراسة تقسيمهم هذه الأساليب إلى خبرية، وإنشائية، وجدلية، وبرهانية، وقصصية.. إلى آخر هذه التقسيمات الّتي حفلت بها كتبهم قديماً وحديثاً. وهي تقسيمات تدور حول الألفاظ، والجمل، والتراكيب اللغوية والأدبية.

التبليغ بين الصور التقليديّة والمستحدثة:
قد ينغلق بعض الناس على الصور التبليغيّة التقليدية الموروثة ولا ينفتح على المناهج المستحدثة في التبليغ. فما هو التصوّر الإسلاميّ حول هذا الموضوع؟
لا شكَّ أنّنا حينما نفكّر بالانفتاح على المناهج الحديثة في الإعلام والتبليغ لا نريد إهمال المناهج القديمة والمتعارفة؛ كأسلوب الحديث المباشر الفرديّ والجماعيّ، أو أسلوب التأليف والتدوين، أو أسلوب الشعر، إنّما نريد أن نوسّع دائرة المناهج والأساليب التبليغيّة لتشمل كتابة القصّة، والرواية، والمسرحية، والرسوم التقليدية والرمزية، والحكاية، وغيرها ممّا استُحدث في عالمنا المعاصر عبر مختلف الأجهزة كالراديو، والتلفزيون، والفيديو، والإنترنت، وما شاكل.
لعلّ هذه المناهج الحديثة غير مألوفة لدينا، ولا نعرف عنها في ممارسات الأنبياء والأئمّة والصالحين من أسلافنا، ولعلّها غير متاحة لدى الكثير خاصّة في ظروف ما قبل تأسيس الدولة الإسلاميّة حيث كانت الأجهزة المستحدثة في العادة بيد السلطات المنحرفة ولم يكن لرجال الإسلام منها نصيب كبير. وقد تكون أخذت موقعها في أوساطنا، بل وحتّى في طرق تفكيرنا وتخطيطنا للعمل التبليغيّ، إلا أنّنا اليوم بحاجة إلى إعادة نظر في مناهج التبليغ بين الانغلاق على الحالة التقليدية وبين الانفتاح على السُبل الحديثة.
النظرية الإسلاميّة لم تحصر العمل التبليغيّ بمنهج واحد، بل دعت لاستخدام كلّ أسلوب يتيح فرصة النفوذ إلى قلب الطرف الآخر والتأثير عليه، شريطة أن يكون بعيداً عن مناهج الاحتيال كالسحر، والشعوذة، والأكاذيب، والخداع...، يقول الله تعالى: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)). و"الحكمة" و"الموعظة" في هذه الآية الكريمة ليست محدّدة بصورة تبليغية دون أخرى، وإن كانت تنصرف إلى أسلوب الحديث المباشر والمشافهة الكلامية، إلا أنّ هذا الانصراف لا يضيّق مفهوم الكلمة.
ومن هنا نجد أن الأنبياء عليهم السلام توسّعوا في الممارسة التبليغيّة إلى كلّ طريقة متّبعة يومئذ، فلم يقتصر أسلوبهم على الموعظة الكلاميّة، وإنّما شمل أسلوب الشعر كما نجده في شعر حسَّان بن ثابت بتوجيه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، واستخدموا الموعظة العملية كما في قصّة إبراهيم عليه السلام وتكسيره للأصنام ((قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)). واستخدموا المنهج الإعجازيّ في مقابل أباطيل السحرة كما في قصّة موسى عليه السلام مع سحرة فرعون حيث ألقى عصاه لتلقف ما صنعوا.
كما أنّ القرآن الكريم استخدم بشكل واضح ومكثّف أسلوب "القصّة" وأسلوب "التمثيل"، ما دام ذلك يؤدّي إلى هداية الناس، مهما كان محتوى القصّة، أو نوع المثل قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...)).
وعلى هذا الأساس ينبغي أن يعمل المبلِّغ على التعرُّف الدائم إلى الأساليب والوسائل والطرائق المتنوّعة لتقديم المضمون التبليغيّ، والاستفادة القصوى من التقنيات الحديثة، كلّ ذلك بغية إيصال ونشر المضامين التبليغيّة إلى أكبر شريحة ممكنة.

ما هو أسلوب الدعوة؟
والمراد بأسلوب الدعوة هنا ما بُلّغت به أوامر الله تعالى وإرشاداته إلى المدعوّين, وهو لا يخرج عمّا جاء به القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهّرة.
والأسلوب يجمع على أساليب "وهو الطريق، والوجه، والمذهب،... وهو الفنّ: يقال: أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه".
والأسلوب والكلام الأحسن هو كلام الله تعالى الّذي وصفه الله تعالى بقوله: ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)).
ولقد أخذت أساليب القرآن وكلامه بنفوس الكفرة، وهم أرباب القول، وفحول البيان، فأعجبوا بها، وافتتنوا بجمالها، وشهدوا لها رغم عداوتهم للإسلام وبقائهم على الشرك. رُويَ أنّ الوليد قال لبني مخزوم: "والله لقد سمعت من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنّ، إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو وما يُعلى".
خصائص هذه الأساليب:
لم تصطدم أساليب الدعوة في القرآن على تعدّد صورها وألوانها بالعلم قديمه وحديثه، العلم الصحيح القائم على المنطق السليم. وإنّ ما في أحدث نظريات العلم من حقائق عن الكون ومظاهر الحياة المادية والإنسان، والحيوان والنبات لا يتناقض مع ما في القرآن الكريم من الحقائق والمعاني العميقة التي لا زالت تؤيّد العلم في اتّجاهاته السليمة، واكتشافاته لمظاهر الكون لمعرفة أسراره.
وهذه الأساليب - فضلاً عن تأديتها مهامّ العبادات والتكاليف والأحكام الشرعية - هي أساليب جمالية ونصوص أدبية إمتاعية، تقوّم اللسان، وتعلّم البيان، وترقّق المشاعر.. وكلّما قرئت اطمأنّت بها النفوس، واقشعرّت منها الجلود خشية لله وخضوعاً لعظمته: ((الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))، ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ...))
ومن مقوّمات هذه الأساليب أنّها قامت:
على الحقّ: ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ...)).
وعلى الصدق: ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً)).
وعلى الوضوح والإبانة: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)).
وعلى اليسر: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)).
وعلى الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالّتي هي أحسن: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...)).
وهي أساليب لا باطل فيها: (( ...لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِه...)).
ولا كذب: ((...مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى...)).
ولا خيال: وهو ما يقوم عليه شعر الشعراء، وفنّ الأدباء، وغيرهما ممّا يبعد عن الحقيقة ويضرب في أودية الوهم والخرافة ((وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ *وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا)).
ولن يدخل في هذا الخيال ما اشتملت عليه هذه الأساليب من تشبيهات وتراكيب بلاغية؛ لأنّ هذه وإن احتوت على ضروب من التصويرات فإنّما هي لتقريب المعنى وإبرازه في صورة المحسوس، وكشفه، وتوضيحه وإظهار الحقيقة دون زيادة أو نقصان, ودون أيّ معنى خرافيّ أو أسطوريّ، لأنّ كلام الله عزّ وجلّ منزّه عن ذلك ((وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيماً)). وهي أساليب هداية حقيقية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى المثل العليا والحياة الطيّبة في أسمى صورها وغاياتها. إنّها شفاء للناس، ورحمة للعالمين. ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...))، ((وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا)).
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com