موقع الصراط ... الموضوع : شهر الرحمة والغفران
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  شهر الرحمة والغفران  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 3 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
ramadan عن الإمام الرضا (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) قال: (إنَّ رسول الله (ص) خطبنا ذات يوم فقال: أيها الناس، إنَّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة، والرحمة، والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول, ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإنَّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم)
إنَّ هذا النص الشريف يشعر الإنسان بعظمة هذا الشهر, ويثير شعوره وإحساسه؛ ليستقبل هذا الشهر بروح طافحة بالأمل (برحمة الله تعالى)، مفعمة بالإيمان عند اشتراكه في هذه الدورة التربوية التعبوية التي أحيطت بطابع التقديس، والإجلال الرباني, وهذا الشعور الذي يريد رسول الله (ص) أن يثيره فينا؛ ليوجه اهتمامنا إلى هذه الفترة الزمنية المباركة؛ ليستغلها الإنسان، ويرتقي من خلالها إلى سلم الكمال، والرقي بوصفها أنَّها فترة طافحة برحمة الله عز وجلّ التي وسعت كل شيء، والتي لا تحد بحدود الزمان والمكان, فهي فيض من الله سبحانه بالعطايا التي تصلح حال الإنسان, وتعينه على نفسه، وعلى غيره, يقول عز وجلّ: ((ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون))
وهي الأمل الذي يتطلع إليه كل إنسان آمن بالله تعالى ليغمره بفيوضاته.
((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)) ((ورحمت ربك خير مما يجمعون)) ولعظمة هذا المطلب وجلالته نجد الأنبياء العظام يدعون ربهم أن يدخلهم برحمته، هذا النبي سليمان (ع) رغم ما أعطاه الله من الملك، والنبوة، وسخر له الجن، والشياطين نراه يقول: ((رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين))
لأنَّه (ع) يعلم أنَّ عمل الإنسان لا ينفعه إذا لم تدركْه رحمة الله عز وجلّ؛ ولذا نجد أئمة الهدى (ع) يسألون الله أن لا يحاسبهم بعدله بل برحمته.
وشهر رمضان شهر الرحمة، فما أحرى بالإنسان المؤمن أن يتوجه إلى فيض رحمة الله, ويسأله أن يدخله برحمته.
وكما هو شهر الرحمة, فهو شهر المغفرة, والمغفرة تعني تطهير الإنسان من كل سيئاته؛ ليصان العبد من أن يمسه العذاب, وهي من أعظم الأفضال الإلهية على العبد؛ ولذا نجد العارفين, يقولون مُتَحَدِّين فرعون: ((إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا))
وهذا نبي الله إبراهيم (ع) رغم علو شأنه وجلالة قدره، يقول لقومه: ((والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين))
والمغفرة هي أمنية كل الصالحين, ومن هنا نجد أنَّ الله عز وجلّ يمدح الطامعين بمغفرته حيث يقول في وصف الربِيّين: ((وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين))
ولعظمة المغفرة الإلهية يأمر الله نبيه الكريم أن يخبر عنها، يقول عز وجلّ: ((نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم)) فهنا ترابط بين الرحمة والمغفرة.
ونتيجة الرحمة، والمغفرة، والعتق، والخلاص من النار ((فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور))
فإذن شهر رمضان شهر الفوز بالجنة دار الرضوان، والرحمة، والمغفرة، فعلى المؤمن أن يستثمر هذه الأيام المعدودة؛ ليفوز بغفران الله، وإلا فسيكون من الأشقياء، >فإنَّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم<، ثم أشار النص المبارك إلى قيمة الزمن المبارك في هذا الشهر العظيم، وإن كان لكلِّ زمنٍ قيمةٌ، ولكنَّه في هذا الشهر أرفع قيمةً في كل مفردة من مفرداته الزمانية: أيامه، لياليه, ساعاته، فهو نفحة إلهية ينبغي أن يتعرض لها الإنسان, ولا يُعرض عنها، يقول (ص): (إنَّ لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها)، (وتعرضوا لنفحات رحمة الله)
والنفحة: هي دفعة من دفعات الريح الطيبة, وهو تعبير مجازي عن هبوط الفيوضات الإلهية في البرهة القصيرة من الزمن، فينبغي للإنسان أن يتوجه إليها.
والأمر الثالث هو: شهر الضيافة عند الله تعالى, وهي تكريم, وتشريف للمؤمن، ونحن نعلم أنَّ على المُضَيِّف أن يكرم ضيفَه، والله أكرم الأكرمين... إنَّها إشارة عظيمة ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها... يفرح الإنسان عندما يدعى من رئيس أو عالم كريم، ويتشرف بمحضره، ولكن ينبغي أن يفرح بهذه الدعوة من الله عز وجلّ، ولكنَّ لها شروطاً وآداباً ينبغي أن يحفظها .
ثم إنَّ الله عز وجلّ جعل صيام هذا الشهر كرامةً لأمة محمد (ص) (وجُعِلْتُم فيه من أهل كرامة الله)، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في تفسير ((كتب عليكم الصيام)) أنَّه (ع) قال: (إنَّما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم، فَفَضَّلَ به هذه الأمة, وجعل صيامه فرضاً على رسول الله (ص) وعلى أمته)
وبعد هذه الإشارات العظيمة من إضافة الرحمة، والمغفرة، والعتق من النار، والدعوة الكريمة للحضور بالحضرة القدسية, وبيان الهبة العظيمة بَيَّن (ص) أنَّ هذه كلَّها إنَّما تحصل بإخلاص الدعاء, وتلاوة الكتاب الكريم؛ ليفوز الصائم بقبول الأعمال .
وخلاصة القول: إنَّ شهر رمضان شهر العمل الخالص لله, الدعاء المتواصل, والذكر الكثير؛ لتطهير القلوب من الأرجاس, وشهر القرآن العظيم الذي ينبغي أن يلازمه الإنسان في هذا الشهر بالخصوص ملازمة الظل للسائر في الشمس، وإذا لم يقم الإنسان بكل ذلك فهو أشقى الأشقياء.
وفي فقرة من الخطبة المباركة, قال (ص): (واذكروا بجوعكم وعطشكم جوع يوم القيامة وعطشه)، فالمؤمن يتذكر في هذا الشهر شدة يوم ((تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى))، ولكنَّ عطش شهر رمضان يختلف عن عطش يوم القيامة، فهذه ساعات محدودة، وتبتل العروق، وترفع الأعمال إلى الله، وعطش ذلك اليوم دائم لا ينتهي.
ولنتذكر في عطشنا عطش أهل بيت الرسالة يوم عاشوراء حين ذبلت الشفاه، وجفت محالب الأمهات, وكان الحسين (ع) أشدَّ الناسِ عطشاً.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com