موقع الصراط ... الموضوع : الصبر-1
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الصبر-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 4 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إن الحر حر على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكَّت عليه المصائب لم تكسره، وإن أسر وقهر، واستبدل باليسر عسراً، كما كان يوسف الصديق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حريته أن استعبد، وقهر وأسر، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته، وما ناله أن منَّ الله عليه فجعل الجبار العاتي له عبداً بعد إذ كان [له] مالكاً فأرسله ورحم به أمة , وكذلك الصبر يعقب خيراً، فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا)
الصبر: لغة (الإمساك في ضيق) وهو معنى جامع يشمل حالات متعددة ولكن كلها تنتهي إلى معنى واحد، وخلاصته هو (حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه، فالصبر لفظ عام ، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه . فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبراً لا غير, ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة, ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر, ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً ويضاده المَذلُ، وقد سمي الله عز وجلّ كل ذلك صبراً)
وعند علماء الإخلاق الصبر :كف النفس عن الجزع عند حلول المكروه أو أنه امتناع عن الشكوى عند نزول البلاء , والثبات عند حالات الشدائد والصعاب وقيل: هو: (ثبات باعث الدين أمام باعث الشهوات)
وبكلمة أوجز: الصبر قوة مقاومة شرعية إزاء الضغوط الداخلية في النفس والضغوط الخارجية في الواقع … وفي جميع حالات الابتلاء:
(الصبر على الجهد، والصبر على الأذى، والصبر على النصر أيضاً، فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة، وحتى يتمخض القلب, ويتميز الصف وتستقيم الجماعة على الطريق، وتمضى فيه راشدة صاعدة، متوكلة على الله)
وبعبارات الحديث الشريف: (صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر عند نزول المصيبة)

الصبر من خواص الإنسان:
دون سواه من المخلوقات , وذلك لأن الحيوانات والملائكة لا يتصور بأنها صابرة؛ لأنها مسيَّرة في تكوينها، ولا تعيش حالة صراع داخلي، وبعبارة أخرى: الملائكة والحيوانات ذات بعد واحد والإنسان ذات أبعاد متعددة . فالبهائم خاضعة لغرائزها التي ألهمها الله عز وجلّ بها وصارت مُسخَّرة لها، ولا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوات، وليس فيها قوة تنازع وتصارع الشهوات.
وأما الملائكة فإنهم مجردون للحضرة القدسية متوجهون لطاعة الله , ولا يملكون قوة تنازعهم … وأما الإنسان فقد ركِّبت فيه القوتان.

حاجة المطيع الى الصبر:
لعل الصبر على الطاعة من أشق أنواع الصبر؛ لأنها تحتاج إلى توجه خاص يملك فيه الإنسان نفسه ويسيطر عليها؛ ليتوجه إلى خالقه بنية خالصة مجردة عن كل ضميمة , وإضافة الى ذلك فليس الجهد وحده يحتاج إلى صبر، بل ما بعد الجهد أيضا، وهو كيف يحافظ على جهده الذي بذله في سبيل الله تعالى ؟ ومن هنا يحتاج المطيع إلى الصبر في ثلاثة حالات :
1 - قبل الطاعة في تصحيح النية، والإخلاص في العمل لله تعالى دون أن تشوبه شائبة .
2 - وفي حالة العمل، ومراعاة آدابه وسننه، والدوام عليه بلا ككل ولا فتور ولا تواني، ولا رياء، ولا سمعة .
3 - حالة ما بعد الفراغ من العمل . في ضبط نفسه، لئلا تصاب بالغرور والانبهار، والعجب مع عدم التظاهر والتفاخر بأعماله، ولعل هذه الحالة أشد الحالات على المطيع، فهو هنا إلى الصبر أحوج؛ لأنه هنا إذا فقد الصبر قد يخسر كل ما بذله من جهد، وما عمله من عمل بالتباهي , والتفاخر، والإعجاب والتظاهر الذي قد يوقعه بالرياء - والعياذ بالله - فيخرج من الإيمان إلى الشرك الخفي من حيث لا يعلم، وهذه هي الطامة الكبرى؛ ولهذا نرى أن عباد الله المخلصين يعملون العمل بكل جدٍّ وإخلاص، ورغم ذلك يبقى الوجل والخوف يساور قلوبهم خشية عدم القبول (قيل لأمير المؤمنين (ع) كم تتصدق ؟ كم تخرج مالك ؟ ألا تمسك ؟ قال: إني والله لو أعلم أن الله تعالى قَبِلَ مني فرضاً واحداً لأمسكت، ولكني والله لا أدري أقَبِلَ سبحانه مني شيئاً أم لا ؟)
وأما مقامات الصبر في المصيبة فقد ذكر علماء الأخلاق ثلاثة وهي :
أ - ترك الشكوى وهي درجة التائبين .
ب - الرضا بالمقدور وهي درجة الزاهدين .
ج - المحبة بما يصنع به مولاه وهذه درجة الصديقين .

دعائم الصبر :
يقول أمير المؤمنين (ع): (الصبر على أربع شعب: على الشوق، والشفق والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات)
فأمير المؤمنين هنا يبني الصبر من خلال ربط الإنسان بالغيب، فكلما زاد إيمان الإنسان بالغيب، وتطلع إلى لقاء الله تعالى حصل له أربع حالات: شوق وشفق (خوف) واستهانة بمصائب الدنيا، وترقب للموت في كل لحظة . فحصول هذه الحالات في النفس تجعل الإنسان صابراً محتسيباً، لايصيبه هلع، ولا جزع مهما تداكت عليه المصائب، وأظلمت بوجهه دنيا الناس .
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com