موقع الصراط ... الموضوع : القرآن المهجور الظواهر والأسباب-2
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  القرآن المهجور الظواهر والأسباب-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 4 / رمضان / 1433 هـ
     
  الكاتب: السيد سلام زين العابدين
كُتِبَ بتأريخ: سنة 1991م/1411هـ
أسباب الهجر:
ضمن عودة ميمونة للذات، تسود الصحوة الإسلامية أرجاء العالم الإسلامي بعدما أخذَ القرآن الكريم يعيدُ جزءً من دوره في قيادة الأمّة وريادتها بفضل الثورة الإسلامية المباركة التي أعادت للإسلام مكانته، وللقرآن قيمومته، وأخذت الشعوب الإسلامية تتطلعُ إلى الإسلام المنقذ، بعد أن بدأت كلُّ الطروحات الشرقيّة والغربيّة تتهاوى وتتساقط لما وصلت إليه من الطريق المسدود في قيام المجتمع الصالح.
ولكن تبقى العلاقةُ مَعَ القرآن الكريم بحاجةٍ إلى الكثير الكثير من الجهود الكبيرة والمتواصلة.. فإنّ الأمّة الإسلامية قد اعتادت بسبب التخلف والجهل من جهة، والاستعمار من جهةٍ أُخرى، أن تتعامل مَعَ هذا الدستور الخالد تعاملاً باهتاً وخاطئاً. ولم ينسَ الإمام الخميني ـ قدس سرّه ـ في وصيته العبادية السياسيّة، هذهِ المشكلة الكبيرة، بل كان أوّل من أوصى بإعادة دور القرآن للهيمنة وإقامة الحياة، فبثَّ شكواه العميقة، وأسفهُ الشديد لما وصلت إليه الأمّة الإسلامية في علاقتها مّع القرآن الكريم حيث يقول: "ووا أسفاه إنّ القرآن وَهُوَ كتابُ الهداية، لم يعد لهُ دور سوى في المقابر والمآتم بسبب المتآمرين من الأعداء، والجهلة من الأصدقاء"! وقد دعا الإمام في وصيته إلى ما اسماه "إنقاذ القرآن من المقابر"!!
ويمكن تحديد أهم الأسباب الرئيسيّة التي أدّت إلى هجر القرآن الكريم، وتعطيل دوره في الحياة.

السبب الأول: منهج التعاطي الخاطئ:
إنّ التعامل مَعَ القرآن الكريم بعيداً عن أجواء الرسالة التي نزل بها، وبعيداً عن خطوات الصراع التي كانَ يقودها، تجعلنا نعيشَ مَعَ القرآن حالةَ ترفَ واسترخاءٍ ولا مسؤوليّة، لأنّ عزل الآيات عن أجوائها الرسالية، وحركتها التغييريّة يفقدها حرارتها وفاعليتها وحيوتها.
لقد جاءَ القرآن الكريم ليُنشئ أمة قائدة رائدة شاهدة من خلال مواكبِة سيرها وتكاملها في ساحة الصراع المرير مَعَ أعدائها، وهُوَ معها يقودها ويوجهها ويتحكم بحركاتها.. معها في سرّائها وضرائها، في انتصاراتها وانكساراتها، وجاءَ القرآن منهج عملٍ وحركةٍ وجهاد يحكم الحياة من خلال النهوض والقيام ولينهي مرحلة التدثر والتزمّل: (يا أيّها المدّثر قم..) (يا أيّها المزمل قم..) فقد ولى عهدُ النوم والراحة والفراش وجاءَ عهدُ القيام والنصب والآلام. ولقد أدركَ الرسول القائد عمق مسؤوليّة الرسالة والقيام، فخاطبَ زوجته المجاهدة التي تطلبُ منهُ الراحة في بعض الأحيان، قائلاً: (مضى عهدُ النوم يا خديجة)!!
ولقد أدركَ الجيل القرآني الأوّل الترابط بينَ دراسة التأريخ وصناعة التأريخ، وكانَ القرآن هو الذي يقودهم في مسيرتهم، يتلقونهُ كما يتلقى الجندي في ميدان المعركة الأمر اليومي ليعمل بهِ فور تلقيه، ولهذا فلم يكن أحدهم ليستكثر منهُ الجلسة الواحدة، لأنّهُ كانَ يحسُ انّهُ إنّما يستكثر من واجباتٍ وتكاليف يجعلها على عاتقه. فكانَ يكتفي بعشرِ آيات حتى يحفظها ويعملَ بها. وهذا الشعور.. شعور التلقي للتنفيذ.. كانَ يفتح لهم من القرآن آفاقاً من الوعي، وآفاقاً من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والإطلاع، "إنَّ منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنَعَ الجيل الأوّل، ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هُوَ الذي خرّجَ الأجيال التي تليه"[1].
إنَّ الذينَ يعيشونَ الأجواء الرسالية بكلَّ مصاعبها ومتاعبها، آلامها وآمالها، دماءَها ودموعها، ويعيشون أجواء التغيير والعمل والحركة والجهاد، هم الذينَ يستطيعونَ أن يفهموا القرآن الكريم ويستوعبوا توجيهاتِهِ، ويتذوقوا آياته، ويدركوا ثقل تكاليفه ومسؤولياته.
من هذا المنطلق "فإننا نستطيع أن نقرر الفكرة التالية: وهي أنَّ القرآن لا يفهمهُ إلاّ الرساليون الذين يعيشونَ حركة الرسالة في الحياة" ولا يفهمه بوعي إسلامي إلاّ الحركيون الذين يعيشون تجربةَ المعاناة الروحيّة والجسديّة في دروب الرسالة في طريق الله، لأنّهم يفهمونّهُ في نطاق الأجواء التي نزل فيها، والأوضاع التي حرّكها، والأهداف التي أطلقها في كل ساحات الصراع، ويستوحونهُ في إغناء المضمون الحركي للحركة الإسلاميّة، بالقوّة والوعي والإيمان والثقة بالله والتوكل عليه والانفتاح على كُلّ الآفاق التي تطلُّ على مواقع طاعته ورضوانه.
أما غير الرساليين فإنهم يفقدونَ في داخلهم روحيّةَ القرآن وحيويةَ فكره.. لأنهم يفقدونَ جو الرسالة في حياتهم، ولا نعرفُ كيفَ يفهم مواقف الجهاد أولئكَ الذينَ لا يتحركونَ في مواقع الجهاد، وكيفَ يمكن أن يفهم أُولئكَ معنى التحديات والصعوبات والعقبات التي كانت تواجه الإٍسلام في بداية دعوته، وطبيعة الفعل وردّ الفعل فيما أثارهُ الإسلام في حركة الحياة.. ما داموا لم يعيشوا ذلك كلّه في حياتهم الرخيّة الهادئة التي تعيش في حالة استرخاءٍ كسول هادئ ناعم"[2]. بل إنّهم "يحاولونَ أن يأخذوا من القرآن الأفكار التي تبرر عزلتهم وضعفهم وخوفهم وابتعادهم عن المسؤوليّة عن الإسلام والإنسان والحياة ليعيشوا شرعيّةَ البعد عن ساحة الصراع، ليكون الجهاد ـ عندهم ـ حالةً تأريخيّة في الماضي لا ترتبط بالحاضر والمستقبل، ولتكونَ الدعوةُ إلى الإسلام وإلى الحركة السياسيّة ـ لديهم ـ مجرّدَ حالةٍ ثقافيّة، يعالجها المثقفون بطريقتهم الخاصّة في المحاضرات والكتب"[3].
إنَّ " معجزة القرآن البارزة تكمنُ في انّهُ نزل لمواجهةِ واقع معيّن في حياة اُمّةٍ معينة، في فترةٍ من فترات محددة، وخاضَ بهذه الأمّة معركةً كبرى حوّلت تأريخها وتأريخ البشرية كلّها معها، ولكنّهُ ـ مَعَ هذا ـ يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنّما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية، وفي صراعها الراهن مَعَ الجاهلية من حولها، وفي معركتها كذلك في داخلِ النفس، وفي عالم الضمير، بنفس الحيويّة، ونفس الواقعيّة التي كانت لهُ هناك يومذاك.
ولكي نحصل نحنُ من القرآن على قوّتهِ الفاعلة، وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة، ونتلقى منهُ التوجيه المدّخر للجماعة المسلمة في كلّ جيل.. ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أوّل مرّة.. كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة، وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرة العربية كلّها؛ وتتعامل مَعَ أعدائها وأصدقائها، وتتصارع مَعَ شهواتها وأهوائها؛ ويتنزّل القرآن حينئذٍ ليواجه هذا كلّه، ويوجه خطاها في أرض المعركة الكبيرة: مَعَ نفسها التي بينَ جنبيها، ومَعَ أعدائها المتربصين بها في المدينة وفي مكة وفيما حولهما.. وفيما وراءاهما كذلك..
أجل.. يجب أن نعيش مَعَ تلك الجماعة الأولى، ونتمثّلها في بشريتها الحقيقيّة، وفي حياتها الواقعيّة، وفي مشكلاتها الإنسانية؛ ونتأمل قيادة القرآن لها قيادةً مباشرةً في شؤونها اليوميّة وفي أهدافها الكليّة على السواء؛ ونرى كيفَ يأخذ القرآن بيدها خطوةً خطوة. وهي تعثر وتنهض. وتحيد وتستقيم. وتضعف وتقاوم. وتتألم وتحتمل. وترقى الدرج الصاعد في بطءٍ ومشقة، وفي صبرٍ ومجاهدة، تتجلى فيها كل خصائص الإنسان، وكل ضعف الإنسان، وكل طاقات الإنسان.
ومن ثمَّ نشعر أننا نحنُ أيضاً مخاطبونَ بالقرآن في مثل ما خوطبت بهِ الجماعة الأولى. وانّ بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكُلّ خصائصها، تملك الاستجابة للقرآن، والانتفاع بقيادته في ذات الطريق.
إننا بهذهِ النظرة سنرى القرآن حيّاً يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى؛ ويملك أن يعمل في حياتنا نحنُ أيضاً؛ وسنحس انّهُ معنا اليوم وغداً. وأنّهُ ليس مجرّدّ تراتيل تعبديّة مهوّمة بعيدة عن واقعنا المحدد، كما أنّهُ ليس تأريخاً مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مَعَ الحياة البشريّة[4].
"لقد ماتَ القرآن في حسّنا.. أو نام.. ولم تعد لهُ تلك الصورة الحقيقيّة التي كانت لهُ عندَ نزوله في حسّ المسلمين. ودرجنا على أن نتلقاهُ إما ترتيلاً منغماً نطرب له، أو نتأثر التأثر الوجداني الغامض السارب! وإما أن نقرأهُ أوراداً أقصى ما تصنع في حسّ المؤمنين الصادقين منّا أن تنشئ في القلب حالة من الوجد أو الراحة أو الطمأنينة المبهمة المجملة.. والقرآن يُنشئ هذا كلّه. ولكن المطلوب ـ إلى جانب هذا كلّه ـ أن ينشئ في المسلم وعياً وحياة.. المطلوب أن يراهُ المسلم في ميدان المعركة التي خاضها، والتي لا يزال مستعداً لان يخوضها في حياة الأمة المسلمة. المطلوب أن يتوجه إليه المسلم ليسمع منهُ ماذا ينبغي أن يعمل ـ كما كانَ المسلم الأوّل يفعل ـ وليدرك حقيقة التوجيهات القرآنية فيما يحيط به اليوم من أحداث ومشكلات وملابسات شتى في الحياة"[5].

السبب الثاني: النظرة التأطيريّة الضيقة:
وقد ساهمت هذهِ النظرة للآيات المباركة مساهمة كبيرة في انحسارها عن أجواء الحركة الاجتماعية والسياسية والاقتصاديّة، وفي عدم مواكبتها للأحداث والتطورات. وهناك نوعان من التأطير لآيات القرآن الكريم:
النوع الأول: التأطير الزمني:
إنَّ النظرة التأطيريّة هذهِ تنظر إلى أسباب النزول باعتبارها إطاراً للفكرة لا منطلقاً لها، فتستغرق بالأشخاص والأبطال والوقائع التأريخيّة بشكلٍ يُنسي الأفكار والمفاهيم التي ما جاءت الآيات إلاّ لتقريرها وتأكيدها، وكذلك الحال في القصص القرآني الذي ما جاءَ إلاّ لإعطاء "العبرة" (لقد كانَ في قصصهم عبرة لأولي الألباب).
والتعبير بالعبرة، ذو دَلالاتٍ رائعة، حيث إنَّ " العبرة" مأخوذةٌ من العبر والعبور، وذلك من خلال إحداث نقلةٍ في القصّة من الماضي البعيد إلى الحاضر والمستقبل.
يقول الراغب في مفرداته: أصلُ العَبر تجاوزٌ من حالٍ إلى حال، فأمّا العبور فيختص بتجاوز الماء إما بسباحةٍ أو في سفينة أو على بعيرٍ أو قنطرة.. واشتقَ منهُ عَبَرَ العين للدمع والعَبرَةُ كالدمعة.. وأما العبارة فهي مختصّةٌ بالكلام العابر الهواءِ من لسان المتكلم إلى سَمعِ السامع، والاعتبار والعبرةُ بالحالة التي يُتوصلُ بها من معرفة المُشاهَدِ إلى ما ليسَ بُمشاهد، قال: (إنَّ في ذلك لعبرةً. فاعتبروا يا أُلي الأبصار). انتهى.
وإذا لم نستطع أن نحقق هذهِ النُقلة من الماضي إلى الحاضر فلا تتحقق (العبرةُ) للقصّة القرآنية، وهنا تكمنُ المشكلة التي لا يتسنى إلاّ لأصحاب العقول الواعية الخاصة، تجاوزها (لقد كانَ في قصصهم عبرةٌ لأولى الألباب) والتعبير بـ (اُولي الألباب) لهُ دلالةٌ رائعة إلى أنَّ هؤلاء هم الذينَ يستطيعونَ أن يجعلوا من القصة القرآنية مليئةً بالدروس والعبر، لا أصحاب العقول فحسب!
لم تكن قصّة السامري ـ مثلاً ـ حادثاً تأريخيّاً عابراً قد وقع في زمنٍ بعيد فحسب، وإنّما هُوَ ظاهرةٌ تتكرر في كلّ عصرٍ وجيل.. فعندما يغيب القائد المهيمن عن الساحة يُحاول السامري الظهور إلى مسرح الأحداث ليحرفَ الأمّةَ باسم السير على طريق موسى: (قال بصرتُ بما لم يبصروا بهِ فقبضتُ قبضَةً من أثرِ الرسول فنبذتها وكذلك سوّلت لي نفسي) (طه:96). وإننا إذا تدبرنا في قصّة السامري وأساليبه التضليليّة الماكرة التي سحرت بني إسرائيل وجعلتهم يواجهون هارون (ع) بقولهم: (لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى)!!لرأينا أنّ (العجل) الذي صَنَعهُ، السامري من ذهب ما يزال موجوداً في واقعنا المعاصر بصورٍ شتى وأساليب مختلفة.. بل ولوجدنا أنّ الساحة مليئة بالعجول الذهبيّة التي تخلب الأبصار،، وتَجلبُ الأنظار!!
وإذا تدبرنا موقفَ موسى (ع) في مواجهة المشكلة لأخذنا الدروس الكبيرة، والعبر الكثيرة، حيث واجه الأمّةَ الضالة العاكفة على العجل أولاً، وواجه هارون الخليفة ثانياً، وواجه السامري ثالثاً وأخيراً! (فرجَعَ موسى إلى قومِهِ غضبانَ أسفاً قال يا قوم ألم يَعِدكُم ربكم وعداً حَسَناً أفطال عليكم العهد أم أردتمُ أن يحل عليكم غضبٌ من ربّكم فأخلفتم موعدي. قالوا ما أخلفنا موعدكَ بمَلكنا ولكنّا حُمّلنا أوزاراً من زينةِ القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري. فأخرجَ لهم عجلاً جسداً لهُ خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي) (ولقد قال لهم هارونُ من قَبلُ يا قوم إنما فتنتم بهِ وإنّ ربّكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا لن نبرحَ عليه عاكفين حتّى يرجع إلينا موسى. قال يا هارونُ منعكَ إذ رأيتهم ضلّوا ألا تتبعني أفعصيتَ أمري؟. قال يبنؤُمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنّي خشيتُ أن تقول فرّقتَ بينَ بني إسرائيل ولم ترقب قولي. قال فما خطبكَ يا سامري؟!.) (طه:86 ـ 95).والجديرُ بالذكر إنّ قصّة السامري قد ذكرت في مواضع عديدة أُخرى من سورٍ أُخرى، وهذا يدللُ على مدى العبرة الكبيرة، والدروس الخطيرة التي نستفيدها في واقعنا السياسي والاجتماعي.
وقصةُ ذي النون (ع) وذهابهُ مغاضباً وتركه الساحة، لم تكن هي الأُخرى حادثة خاصّة قد مضت وانقضت، وإلاّ لما ركزّ عليها القرآن الكريم كُلّ هذا التركيز، حيث ذُكرت في ثلاث سورٍ مختلفة (سورة الأنبياء، وسورة الصافات، وسورة ن). فنقرأُ في سورة الأنبياء (وذا النون إذ ذهبَ مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنتَ سُبحانكَ إنّي كُنتُ من الظالمين فاستجبنا لهُ ونجيناهُ من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) ونقرأ في الصافات (وإنّ يونس لمن المرسلين. إذ أبَقَ إلى الفُلكِ المشحون فساهم فكانَ من المدحضين فالتَقمهُ الحوتُ وهوَ مليم. فلولا انّهُ كانَ من المسبحين للبثَ في بطنِهِ إلى يوم يبعثون..) بينما نقرأ في سورة "ن" تحذيراً إلى رسولنا الكريم وهو بالتالي خطابٌ وتحذيرٌ لكل المؤمنين العاملين:(ولا تكن كصاحب الحوتِ إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركهُ نعمةٌ من ربّه لنُبذَ بالعراء وهُوَ مذموم)!!
ومن الجدير بالذكر أنّ موقف يونس (ع) هذا وهروبه وما آلّ إليه من الوقوع في الظلمات، من المستحب المؤكد أن نستحضرهُ يومياً من خلال صلاة الغفيلة التي هي من المستحبات المؤكدة، وهذا فيه أكثر من دلالة!
إنَّ من المصائب الكبرى التي حرمتنا الاستفادة من كُلّ هذهِ الدروس القرآنية الرائعة هُوَ أننا أصبحنا نستغرقُ بما لم يذكره القران من القصة لعدم أهميتهِ أو لقلتها.. وبالتالي ننشغل عن الدلالات العميقة للآيات وللأحداث بأمورٍ جانبيّةٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع!!.. نعم أصبحنا نفصّلَ في أمورٍ أجملها القرآن، وندققَ في أحداثٍ أهملها القرآن، وهكذا تفقدُ القصّة عبرتها وحكمتها وعطاءها.
لقد أصبحنا ندقق في تفاصيل الشجرة في قوله تعالى (ولا تقربا هذهِ الشجرة)، وفي تحديد اسم الرجل في قوله (وجاءَ من أقصى المدينة رجلٌ يسعى)، ولو كانَ ذلك نافعاً في العبرة لذكرها القرآن.. ولهذا فإننا نسينا روعةَ الخطاب الرباني (ولا تقربا هذهِ الشجرة) وماذا تمثل هذهِ الشجرة في واقعنا المعاصر؟ ولماذا جاءَ النهي عن القربِ مَعَ أنّ الأكل منها كانَ محرماً؟ وكذلك الحال في ذلك الرجل (الظاهرة) الذي جاءَ يسعى، لماذا قُدّم الجار والمجرور (من أقصى) على الفاعل، فإننا نجد في آيةٍ أُخرى (وجاءَ رجلٌ من أقصى المدينة)؟ وماذا يمثّل موقف السعي هذا لنا من دروس وعبر؟
وأكبر الظن أنّ هذا الانشغال، وهذا الفضول في نظراتنا إلى القصص القرآني فتحت الباب على مصراعيه للإسرائيليات، حتى أصبحت بعض كتب التفسير مليئة بالأساطير والخرافات، لأنّ هؤلاء المفسرين حاولوا أن يسدّوا (الفراغ) في أحداث القصّة القرآنية، والذي أرادَ الله لهذا (الفراغ) أن يبقى فراغاً، فكانت الطامة الكبرى!
النوع الثاني: التأطير الآفاقي:
إذا كان التأطير الأول تأطيراً أفقياً في الزمان فإن التأطير الثاني هو التأطير في آفاق الآية وأجوائها، مما يؤدي إلى حصر الآيات المباركة في أجواء ضيقة، وزوايا ميتة مما يمنع انطلاقتها في الآفاق الرحبة التي تتسع لها الآيات ذات الأبعاد المختلفة والتي تمتد إلى جوانب شتى في ساحات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومن الطبيعي أن آيات القرآن عطاء لا ينفد، وتوقد لا يخبو، وبحر لا يدرك قعره وإنما الضيق كل الضيق يكمن في نظراتنا المحدودة التي لا تستطيع أن تواكب الحياة وتطوراتها وتلبي الساحة وحاجاتها.
فمثلاً لو أردنا أن نفسر الآية المباركة:
(يا أهل الكتاب لم تُلبسونَ الحق بالباطل وتكتمونَ الحق وأنتم تعلمون) فإننا لا نطبق الآية إلاّ ضمن إطارٍ معينٍ محدود فيما كتمهُ أهل الكتاب بينما الآية تحدد أسلوبين من أساليب الإعلام الاستكباري القديمة والجديدة وهما: أسلوب التضليل الإعلامي (اللّبس) بقوله (لم تلبسونَ الحق بالباطل) وأسلوب التعتيم الإعلامي (الكتمان) بقوله (وتكتمونَ الحقّ وأنتم تعلمون).
ولقد استطاع الشهيد محمد باقر الصدر ـ مثلاً ـ أن يشخّصَ المشكلةَ الاقتصاديّة في العالم من خلال قوله تعالى (وآتاكم من كُلَ ما سألتموه وإن تعدّوا نعمةَ الله لا تحصوها إنّ الإنسان لظلومٌ كفّار) حيث يقول: إنّ الإسلام لا يعتقد مَعَ الرأسماليّة أنّ المشكلة مشكلة الطبيعة وقلّة مواردها، لأنّهُ يرى أنّ الطبيعة قادرةٌ على ضمان كلّ حاجات الحياة.. كما لا يرى الإسلامُ أيضاً: إنّ المشكلة هي التناقض بينَ شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع، كما تقرر الماركسية.. وإنما المشكلةُ ـ قبل كُل شيء ـ مشكلة الإنسان نفسه، لا الطبيعة، ولا أشكال الإنتاج.
وهذا ما يقررهُ الإسلام في الفقرات القرآنية التالية (اللهُ الذي خلقَ السماوات والأرض.. وآتاكم من كُلّ ما سألتموه وإن تعدّوا نعمةَ الله لا تحصوها، إنّ الإنسان لظلومٌ كفّار)(إبراهيم:33/35). ويتجسّد ظلم الإنسان على الصعيد الاقتصادي: في سوء التوزيع، ويتجسّد كفرانه للنعمة: في إهماله لاستثمار الطبيعة وموقفه السلبي منها"[6]. واستطاع الشهيد الصدر أيضاً من خلال ذلك، أن يستنبطَ الأساس النظري الذي ترتكز عليه فكرة الضمان الاجتماعي أولاً، والفكرةُ التي ترتكز على هذا الأساس ثانياً، والطريقة المذهبيّة لتنفيذ هذهِ الفكرة ثالثاً، وذلك في قوله تعالى: (وما أفاءَ الله على رَسُوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركاب، ولكنّ الله يسلّط رسله على من يشاء، واللهُ على كُلّ شيءٍ قدير. ما أفاءَ الله على رسوله من أهل القرى، فلله، وللرسول، ولذي القُربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، كي لا يكون دولة بينَ الأغنياء منكم..).
والأساس هُوّ "حق الجماعة كلّها في الانتفاع بثروات الطبيعة"، والفكرةُ هي "المسؤوليّة المباشرة للدولة في ضمان مستوى الكفاية من العيش الكريم لجميع الأفراد والعاجزين والمعوزين"، والطريقةُ المذهبيّة هي "القطاع العام الذي يتكوّن من موارد الملكيّة العامة وملكيّة الدولة". حيث يقول: وقد يكون أروع نصّ تشريعي في إشعاعه المحتوى المذهبي للأساس، والفكرة والطريقة جميعاً، هو المقطع القرآني في سورة الحشر، الذي يحدد وظيفة الفيء، ودوره في المجتمع الإسلامي بوصفه قطاعاً عاماً[7].
وعندما نفسّر معنى (المؤلفة قلوبهم) في قوله تعالى (إنّما الصدقاتُ للفقراء والمساكين والعاملينَ عليها والمؤلفة قلوبُهّم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل..).
فلا بُدُّ أن ندرس دلالات وتطبيقات (المؤلفة، قلوبهم) كمبدأ من مبادئ العلاقات الدوليّة.. وهذا المبدأ القرآني "مبدأ تأليف القلوب" "يمثّلُ إيجابيّة الشريعة الإسلاميّة بكلّ وضوح، كما يعكسُ واقعياتها.. ففي الجو الذي يتمُ تأليف القلوب فيه، تنفتحُ النفوس للحقيقة، وتقرّبُ إلى الواقع، والأصل في هذا المبدأ، هو: سهم المؤلفة قلوبهم في مصارف الزكاة، حيث فتح هذا مجالاً للعمل المنظم لتحقيق ذلك، عبر الوقوف إلى جانب كل المستضعفين، والدفاع عن قضاياهم، وجلب القلوب إلى الإسلام. ورغم أنّ الفقهاء يختلفونَ في مساحة هذهِ القلوب المؤلفة. وهل تختص بغير المسلمين، أو تشمل المنافقين، أو تعم بعض المسلمين ضعيفي الإيمان، إلاّ أنّ الذي يبدو من روح الإسلام واتجاهاته الاقتصاديّة، ومن أقوال فقهاء الشيعة والسنّة ـ ومنهم الإمام الخميني القائد ـ إنّهُ مبدأ عام، واصلٌ يتيح للدولة الإسلاميّة أن تلحظَ المصلحة أينما تكون. ومن هنا فمن الطبيعي أن يشكّلَ عنصراً إسلامياً، لهُ دورُهُ في تحديد العلاقات الدوليّة، وتقديم المساعدات إلى مختلف الدول والشخصيات والجمعيات على شتّى مذاهبها.. وبانفتاح هذا الباب، نجد المجال السياسي لتطبيقاتِهِ واسعاً جدّاً، يشمل كلّ المعونات الاقتصادية والسياسية، التي يمكن أن تقدمها الدولةُ في سبيل تقرب القلوب إليها وإلى مبادئها"[8].
إنَّ الساحة اليوم بحاجةٍ إلى النظرة المنفتحة على القرآن، والامتداد مَعَ آياته في جميع أبعادها من سياسةٍ واقتصاد واجتماع وفلسفة تأريخ وعلم نفس وغيرها. وبذلك نستطيع ان نحرّك القرآن في واقعنا، ونعرض عليه مشكلاتنا، فتكون الحركة من الواقع إلى القرآن، ومن القرآن إلى الواقع.

الهوامش:
[1] الشهيد سيد قطب ـ معالم في الطريق ـ فصل جيل قرآني فريد.
[2] فضل الله ـ محاضرة ألقيت في المؤتمر الثاني للفكر الإسلامي في طهران، تحت عنوان (في ظل التربية القرآنية).
[3] فضل الله ـ مجلة المنطلق ـ العدد66ـ67.
[4] سيد قطب ـ في ظلال القرآن ـ ج8 ص512ـ513.
[5] سيد قطب ـ في ظلال القرآن ـ ص466.
[6] الشهيد محمد باقر الصدر ـ اقتصادنا ـ ص348.
[7] الشهيد محمد باقر الصدر ـ اقتصادنا ـ ص704.
[8] التسخيري ـ محاضرة بعنوان (نظرة في العلاقات الدولية على ضوء الإسلام). المؤتمر الفكري بطهران.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com