موقع الصراط ... الموضوع : آثار الصوم
 
الأحد - 5 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  آثار الصوم  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 6 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))
لكلِّ فريضةٍ من فرائض الله على عباده أثرٌ في بناء شخصية الإنسان الممتثل, يظهر في أخلاقه، وسلوكه، وفكره شريطة أن يتوفر في التزامه الوعي والإخلاص، ومن هذه الفرائض فريضة الصوم سيما صوم الشهر المبارك, شهر الله, شهر الرحمة, والبركة، والمغفرة, فالخير والنفع يعود على الإنسان نفسه، فإنَّ الله عز وجلّ غني عن عبادة الناس، فلا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم ((يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد))
فمردود وحصيلة الصيام للإنسان هو رجاء حصول التقوى، (فإنَّ كل إنسان يشعر بفطرته أنَّ من أراد الاتصال بعالم الطهارة والرفعة، والارتقاء إلى مدرجة الكمال والروحانية، فأول ما يلزمه أن يتنزه عن الاسترسال في استيفاء لذائذ الجسم, وينقبض عن الجماح في شهوات البدن, ويتقدس عن الإخلاد إلى الأرض، وبالجملة أن يتقي ما يبعده الاشتغال به عن الرب تبارك وتعالى)
وآثار الصوم تشمل جميع جوانب حياة الإنسان الروحية, والجسدية، الفردية, والاجتماعية, فكما له آثارٌ على الفرد كذلك له آثار على المجتمع، ويمكن أن نذكر أهم الآثار وهي:
1- السمو الروحي: حيث إنَّ الإنسان عندما يمتنع عن تناول الملذات لفترة معينة فهو بذلك يتشبه بالملائكة, ويتسامى من حضيض عالم البدن إلى سمو سماء الروح.
2- تهذيب وتلطيف غرائز الجسد: حيث إنَّ الصوم يجعل الدافع الجنسي ضعيفاً؛ لامتناعه عن المواد المهيجة فترة من الزمن؛ ولذا ورد في بعض الأخبار أنَّ الصيام يذلل طغيان الشهوات, ودليل ذلك قوله (ص) لعثمان بن مظعون رحمه الله لما أراد الاختصاء والسياحة: (خصاء أمتي الصيام)، وهذا القول مجاز لأنَّه (ص) أراد أنَّ الصيام يضعف الشهوات, ويشغل عن اللذات، كما أنَّ الخصاء في الأكثر يكسر النزوة, ويقطع الشهوة، ومما يؤكد ذلك الخبر الآخر المروي عنه (ص) , قال: (من استطاع منكم الباه فليتزوج, ومن لم يستطعه فليصم فإنَّ الصوم وَجاء)
وعنه (ص): (من لم يستطع النكاح فليصم, الصوم خصاء أمتي، يا معاشر الشباب، عليكم بالصيام)
ويقول الرضا (ع): (وليكون الصائم خاشعاً، ذليلاً، مستكيناً، مأجوراً، محتسباً، عارفاً، صابراً على ما أصابه من الجوع والعطش, فيستوجب الثواب مع ما فيه من الإمساك عن الشهوات)
3- تقوية إرادة الصمود أمام الأزمات والمشاكل: ولذا جاء في بعض التفاسير لقوله تعالى: ((واستعينوا بالصبر والصلاة)) أنَّ معنى الصبر هنا يعني الصوم، ولا شك أنَّ الإنسان حينما يمتنع عن اللذائذ البدنية, بل وحتى النفسية امتثالاً لأمر الله تعالى، وطلباً لمرضاته فإنَّ الله تعالى يرزقه العزم والبصيرة, ويعزز في نفسه إرادة الصمود أمام المشاكل، والأزمات، والعقبات التي تعترض طريقه إلى الله تبارك وتعالى, ويرزقه الله الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر في المصائب... وفي ذلك من الخير ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإنَّ العزم والإرادة هي التي تحقق إنسانية الإنسان, وتسمو به إلى معارج الكمال الإنساني الرفيعة, فمن فَقَدَ إرادته فقد إنسانيته، فالإرادة والعزم هي القوة التي تميز الإنسان بها عن غيره من المخلوقات.
4- المواساة: وهذا أثر اجتماعي حيث إنَّ الصوم واجب عام على كل مكلف سواء كان فقيراً، أو غنياً, والشعور بألم الجوع والعطش والحرمان واحد عند الجميع؛ ولذلك سيشعر الغني بمرارة الجوع كما يشعر بها الفقير سُئِلَ الإمام الصادق (ع) عن علة الصيام فقال (ع): (إنَّما فرض الله الصيام؛ ليستوي به الغني والفقير، وذلك أنَّ الغني لم يكن ليجد مس الجوع، فيرحم الفقير؛ لأنَّ الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله تعالى أن يسوي بين خلقه، وأن يذيق الغني مس الجوع والألم؛ ليرق على الضعيف، ويرحم الجائع)
5- تركيز روح الإخلاص: ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (ع): (والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق) لأنَّ الإنسان يمتنع عن الشهوات بمحض إرادته، واختياره، طاعةً لله تعالى، وطلباً لرضاه, وهذا يؤكد روح الإخلاص، ويرسخها في أعماق المؤمن لا سيما إذا تجرد عن كل دافع آخر, تقول الزهراء (ع): (والصيام تثبيتاً للإخلاص)
6- تذكر النعم الإلهية: قد يعيش الإنسان فترات طويلة، وهو متمتع بنعم الله تبارك وتعالى بلا حدود ولا قيود حتى تصبح عنده كعادة اعتادها في نفسه، فلا يذكرها ما دام يعيش فيها، ويتلذذ بها، فإذا حرم من الطعام والشراب ولو لفترة زمنية معينة سيعرف قيمة بعض النعم التي منع منها في هذه الفترة، فحين يشتد به العطش يذكر نعمة الله في الماء، وفيما رزقه من الطيبات، وبذلك يتذكر نِعم الله خصوصاً النعم المطلقة التي لا يشعر الإنسان بوجودها ما دامت متوفرة تحت يده، فالصوم إذن عامل أساسي في تذكر نعم الله تعالى، وتذكر النعم الإلهية له دور كبير في تعميق الإيمان بالله تبارك وتعالى ((يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأني تؤفكون))
7- الحكمة الصحية: فقد ورد في الحديث الشريف: >صوموا تصحوا<, وقد أثبت الطب القديم والحديث أنَّ الصوم يصفي الجسم من كثير من سموم الأغذية والأدوية، يقول ابن سينا: (وصفة الصوم تكفي لمدة ثلاثة أسابيع أو أكثر من الدواء)
ويقول الطبيب الأمريكي (كارلوا): (إنَّ على كل إنسان مريض أن يمتنع عن الطعام مدة كل عام سواء كان غنياً أو فقيراً, لأنَّ الجراثيم ما دامت تجد الطعام أمامها متوفراً في الجسم فإنَّها تنمو وتتكاثر، ولكنَّها بالصوم تموت وتضعف)
ويقول البروفيسور روبير توكيه وهو يتحدث عن النظام الغذائي للإنسان: (قبل أن نقوم بذكر النظام الغذائي الأنسب لكل حالة من الحالات المرضية المزمنة لا بدَّ لنا من الإشارة إلى نقطة هامة. ففي كل مرض, أكان حاداً أو مزمناً, يلعب الصوم عن السوائل, أو الصوم الجزئي - المشفوع بشرب عصير بعض الفاكهة أو بتناول حساء من الخضار فقط - دوراً رائعاً، خاصة إذا ما ترافق مع حالة من الارتياح التام على الصعيدين الجسماني والفكري، فالصوم يؤدي إلى استكانة الأعضاء والأحشاء, وتوفير الطاقة, وحرق وصرف العناصر الدهنية والسامة من الجسم، إذ إنَّها تعرقل نشاط الأعضاء الفاعل والسليم، وكأني بجهاز الحياة بأكمله يرتاح لفترة وجيزة من عبء عمليات الهضم والاستيعاب؛ لكي يتفرغ لمهمات أخرى)
وقد قاموا بتجارب على بعض الحيوانات كالأرانب والجرذان؛ ليثبتوا صحة مدعاهم في الصوم، يقول العالم المذكور: (فالأرانب التي أخضعت ليومين أو ثلاثة لصوم كامل قد تبين لاحقاً عندما عادت إلى الطعام الاعتيادي أنَّ جسمها يقاوم بشكل أفضل دخول العصيات (الكولونية) في أنسجتها, وهو أمر يؤدي مباشرة إلى موت الأرانب الأخرى التي لم تخضع للصوم أبداً.
كما تبين أنَّ أمد حياة الجرذ الأبيض، والذي هو 600 يوم، يطول عندما يخضع هذا الجرذ لفترات صوم، إضافة لذلك فإنَّ الجرذ المذكور يتمتع لاحقاً بقدرة أفضل على مقاومة الأمراض المُعدية, والتورّمات من الجرذان الأخرى التي تتابع أكلها بشكل متواصل... [ثم يقول:] كما أننا نشير إلى أنَّ الصوم القصير (الامتناع عن وجبة أو وجبتين) يساعد الجسم على تجاوز حالات التسمم والأخطار القصوى التي قد تهدد حياة الإنسان من الناحية الصحية)
كل تلك الحِكَم لم تكن هي المقصودة بالذات, وإنما الغاية الأساسية هي طاعة الله, وطلب رضا تعالى, وهذه الحِكَم أو العلل هي تحصيل حاصل. وإنما ذكرناها كمؤيد لقوله (ص): (صوموا تصحوا)
ولا بد أن نشير أنَّ الصيام ليس هو صوم البطن والفرج، وإنما الصوم يشمل كل كيان الإنسان جوارحاً وجوانحاً، قال رسول الله (ص) لجابر بن عبد الله: (يا جابر، هذا شهر رمضان من صام نهاره, وقام ورداً من ليله, وعف بطنه وفرجه, وكف لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر، فقال جابر: يا رسول الله, ما أحسن هذا الحديث؟!، فقال رسول الله (ص): (يا جابر، ما أشد هذه الشروط)
وعن أبي عبد الله (ع): (إنَّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، ثم قال: قالت مريم: ((إني نذرت للرحمن صوماً)) ، أي صوماً وصمتاً - وفي نسخة أخرى: أي صمتاً- فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا، قال: وسمع رسول الله (ص) امرأة تسب جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول الله (ص) بطعام، فقال لها: كلي، فقالت: إنِّي صائمة، فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إنَّ الصوم ليس من الطعام والشراب فقط)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com