موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-7
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-7  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 9 / رمضان / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
كيف كان موقف الإمام علي (ع) مع الخلفاء؟
رغم إحساس الأمام علي (ع) بسلب حقه, وإبعاده عن موقعه الذي نصبه الله فيه ورغم الظلامة التي وقعت عليه, إلا أنه راح يخطط؛ ليحفظ الإسلام من التحريف والأمة من الانحراف, وعندما (استجدت أمور وأحداث خطيرة تهدد الإسلام وأمته بالفناء, فقد قوي أمر المتنبئين بعد وفاة رسول الله (ص), واشتد خطرهم في الجزيرة العربية من أمثال مسيلمة الكذاب, وطلحة بن خويلد الأفاك, وسجاح بنت الحرث الدجالة وغيرهم, فصار وجودهم يشكل خطراً حقيقياً على الدولة الإسلامية.
واشتد ساعد المنافقين, وقويت شوكتهم في داخل المدينة المنورة, وكان الرومان والفرس للمسلمين بالمرصاد)
ولم يقف علي (ع) موقف المتفرج, بل وقف موقف الناصح, المصحح, والموجه الحكيم فإذا ما رأى خطراً يهدد الإسلام انطلق بقوة وحماس لا يثنيه شيء, ومن هنا (تعامل مع الخلفاء حسب ما تحكم به المصلحة الإسلامية حفظاً للإسلام, وحماية للجماعة الإسلامية من التمزق والضياع, وتحقيقاً للمصالح الإسلامية العليا التي جاهد من أجلها)
ولهذا يقول (ع): (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (ص)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما, أو هدما تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه)
وهكذا وقف الإمام علي (ع) ولم يتوانى لحظة واحدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والنصيحة والإرشاد, وبيان الأحكام الشرعية, وتركيز العقائد الإسلامية, وحفظها من كيد الكائدين, ونسف البدع, وتصحيح ما طرح من الأحكام خطأً على ألسنة الخلفاء, وتربية وإعداد بعض أصحابه الخُلص؛ لحمل رسالة الله تعالى, وفعلاً لقد خَرَّجت مدرسة علي رجالاً أكفاء في جميع مجالات العلم فقهاً وعقائداً وأخلاقاً... الخ.
وطالماً تعرض الخلفاء الثلاثة لامتحانات عسيرة المخاض أمام أحبار اليهود والنصارى فلم يجدوا مفراً إلا الرجوع إلى الإمام علي (ع)؛ ليحل لهم ما أشكل عليهم إضافة إلى الأحكام التي كان يصدرها الخليفة الثاني اجتهاداً منه, فما كان أحد يجرأ على بيان خطئه فيها إلا عليٌ, ولذا كان عمر يقول: (أدركوني بأبي حسن) وقال: (لولا علي لهلك عمر), وقال: (لا أبقاني لمعضلة لا أرى فيها ابن أبي طالب)
ولنقف عند بعض المواقف العسيرة التي وقف أمامها الخلفاء موقف الذهول؛ لنؤكد ما قلنا: (ما روي عن سلمان [الفارسي] لما قبض النبي (ص) قدم جاثليق- له سَمْت ومعرفة وحفظ للتوراة والإنجيل- ومعه جماعة من النصارى، فقصدوا أبا بكر, فقال: إنا وجدنا في الإنجيل رسولا يخرج بعد عيسى، وقد بلغنا خروج محمد بن عبد الله، ففزعنا إلى مَلكنا، فأنفذنا في التماس الحق, وقد فاتنا نبيكم، وفيما قرأنا من كتبنا أن الأنبياء لا يخرجون من الدنيا إلا بعد إقامة أوصيائهم يخلفونهم في أممهم فأنت وصيه لنسألك؟ فقيل: هو خليفة رسول الله. فسأله الجاثليق عن مسائل فلم يجبه بالصواب قال سلمان: فنهضت إلى علي فأخبرته الخبر، وكان مقبلاً إلى المسجد لذلك، فدخل حتى جلس، والنصراني, يقول : دلوني على من أسأله عما أحتاج إليه. فقال له علي (ع): سل، فو الذي فلق الحبة ,وبرأ النسمة، لا تسألني عما مضى, ولا عما يكون، إلا أخبرتك به عن نبي الهدى محمد (ص) قال الجاثليق: أسألك عما سألت هذا الشيخ، خبرني أمؤمن أنت عند الله أم عند نفسك؟ قال أمير المؤمنين (ع): أنا مؤمن عند الله، كما أنا مؤمن في عقيدتي,... قال الجاثليق: فخبرني عن الله أين هو اليوم؟
قال (ع): إن الله يجل عن الأين، ويتعالى عن المكان، كان فيما لم يزل ولا مكان, وهو اليوم على ذلك لم يتغير من حال إلى حال.
قال : أجل أحسنت أيها العالم، وأوجزت في الجواب، فخبرني عنه أنه مدْرَك بالحواس عندك أم كيف طريق المعرفة به؟ قال (ع): تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار، أو تدركه الحواس، أو يقاس بالناس، والطريق إلى معرفته: صنائعه الباهرة للعقول الدالة ذوي الاعتبار بما هو منها مشهور ومعقول، قال الجاثليق: هذا هو الحق، خبرني ما قاله نبيكم في المسيح وأنه مخلوق، من أين أثبت له الخلق، ونفى عنه الإلهية، وأوجب فيه النقص؟
فقال أمير المؤمنين (ع): أثبت لـه الخلق بالتقدير الذي لزمه، والتصوير والتغيير من حال إلى حال، والزيادة التي لم ينفك منها والنقصان، ولم أنفِ عنه النبوة، ولا أخرجته عن العصمة والكمال والتأييد، وقد جاءنا عن الله بأنه مثل آدم خلقه الله من تراب, ثم قال له: كن فيكون.
فقال الجاثليق : هذا ما لا مطعن فيه الآن، غير أن الحجاج بما تشترك فيه الحجة على الخلق والمحجوج منهم، فبما بنت أيها العالم من الرعية الناقصة عنك؟
قال (ع): بما أخبرته من علمي بما كان وبما يكون، قال الجاثليق: فهلم شيئاً من ذلك أتحقق به دعواك؟ فقال أمير المؤمنين (ع): خرجت أيها النصراني من مستقرك متعنتا لمن قصدت بسؤالك لـه، مضمرا خلاف ما أظهرت من الطلب والاسترشاد، فأريت في منامك مقامي, وحدثت فيه بكلامي، وحذرت فيه من خلافي، وأمرت فيه باتباعي.
قال: صدقت والله الذي بعث المسيح، وما اطلع على ما أخبرتني إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك وصي رسول الله، وأحق الناس بمقامه. وأسلم الذين كانوا معه, وقالوا: نرجع إلى صاحبنا فنخبره بما وجدنا)
و(عن سلمان الفارسي رحمه الله في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى بعد وفاة النبي (ص) وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها، ثم ارشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فسأله عنها فأجابه، فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن وجه الرب تبارك وتعالى، فدعا علي (ع) بنار وحطب فأضرمه، فلما اشتعلت قال علي (ع): أين وجه هذه النار؟! قال النصراني: هي وجه من جميع حدودها, قال علي (ع): هذه النار مُدَبَرة مصنوعة لا يعرف وجهها، وخالقها لا يشبهها، ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، لا يخفى على ربنا خافية. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة)
ونلاحظ في هذه الأسئلة أنها تركز على الجانب العقائدي خصوصاً في وجود الله وأسمائه وصفاته وهو دليل على أن هؤلاء اليهود أو النصارى كانوا يحاولون أن يثيروا الشبهات في أذهان المسلمين إلا أن أمير المؤمنين (ع) قطع عليهم الطريق وأجابهم بما يشفي العليل, ويروي الغليل هذا من جانب, ومن جانب آخر, كان يعمل للحفاظ على الدولة الإسلامية الفتية من ضربات الأعداء, ولهذا نراه عندما استشاره عمر بن الخطاب أن يغزو الروم بنفسه, نصحه الإمام (ع) أن لا يخرج بنفسه, فقال: (إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم وليس بعدك مرجع يرجعون إليه فابعث إليهم رجلاً مِحْرَباً, واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردءاً للناس, ومثابة للمسلمين)
ونستطيع القول بضرس قاطع: لولا موقف علي (ع)، لحماية الإسلام في تلك المرحلة والتي دامت خمساً وعشرين سنة لما استمر الإسلام في أصالته, ونصاعته, وحيويته, وحركته, وشموله, ولتَغَيّر كل شيء, ولعادت الجاهلية من جديد, ومن هنا كانت محنته (ع) لا توازيها الجبال الرواسي فيما عمل.
يتبع....
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com