موقع الصراط ... الموضوع : الأخلاقية روح النظام الإسلامي وإطاره العام
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأخلاقية روح النظام الإسلامي وإطاره العام  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 16 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم: الشيخ محمد علي التسخيري
قبل كل شيء يجب أن نحدد ماذا نعني بالأخلاقية ليتسنى لنا الحديث عن صلتها بروح الإسلام، وكيف تشكل الإطار الإسلامي لكل حكم وسلوك مفضل.
إن الأخلاقية تعني، باختصار، ذلك الانسجام الكامل بين الفكرة والحكم، وبالتالي بين النظام وهدف الخلقة الإنسانية العام وما يقتضيه من قيم عملية ضرورية التحقق حتى يتم تأمين ذلك الهدف. وهكذا يكون النظام أخلاقياً إذا كان يستمد غاياته من ذلك الهدف وتلك القيم المتفرعة منه، ويركّز ـ من حيث الطريقة ـ على الغور إلى الأعماق النفسية وتجلية الدوافع الفطرية، وبناء الداخل الإنساني وفقاً لتلك الغايات.
ولن يكون أي نظام متمتعاً بهذه الصفة إذا كان يستمد غاياته من ظروف بعيدة عن الإنسان وهدف خلقته ـ كالماركسية حين تستمد غاياتها من وضع القوى المنتجة وظروفها، والمذاهب اللامبالية التي تتناسى الهدفية الإنسانية، بل وكل المذاهب المادية التي تتغافل عن التنسيق والتخطيط السابقين على ولادة المسيرة الإنسانية السائرة على طريق إعمار الأرض حتى حين، وحتى إننا نستطيع القول: إن كل النظم التي وقفت موقفاً حيادياً من الإيديولوجية الإنسانية والرؤية التي يمكن أن تستقر عليها النفس الإنسانية بالنسبة للكون والحياة واعتبرتها موقفاً شخصياً لا يؤثر على نوع النظام السائد، كل هذه النظم كالرأسمالية في وجوهها العديدة والعلمانية في الجانب السياسي هي نظم لا تستطيع أن تدعي مطلقاً إمكان إطلاق الصفة الأخلاقية عليها.
هذا في مجال الغايات، والكلام نفسه يقال في السبل التي تسلكها النظم لتحقيق غاياتها، إذ إن الغايات ربما تكون أخلاقية باعتبار انسجامها مع الأهداف العليا، ولكن ذلك لا يكفي في التحلي بهذه الصفة، إلا إذا كان النظام يركز على العمق البشري، وذلك لوجود العلاقة القوية بين هذه التركيبة الإنسانية وبين أهدافها، ولا يمكن الفصل بينهما بالسعي لتحقيق الأهداف دونما تأكيد أخلاقية الطريقة.
وهذه الحقيقة تسوقنا إلى الحديث عن الصلة بين الهدف والتركيبة الإنسانية بشكل أكثر تفصيلاً، ذلك إننا نؤمن على ضوء التأمل الوجداني الواعي في الأنفس والآفاق وعلى أساس من نظرة الإسلام الأصيلة للنفس الإنسانية، والنصوص الكريمة الناظرة إلى هذا المجال نؤمن (بنظرية الفطرة الإنسانية الأصيلة) التي تحدد هوية الإنسان وتفصله عن غيره، والتي تقرر ذلك الترابط المذكور آنفاً بين الهدف والتركيبة من خلال انسجام الدوافع الغريزية، والمعلومات والادراكات البديهية، والقدرة الذهنية، والإرادة المسيطرة مع مسيرة طبيعية لها معالمها وحدودها لتحقيق هدف الكمال الإنساني والذي يتوافق تماماً مع مسيرة العبودية لله تعالى والتقرب إليه باعتباره تعالى الكمال المطلق.
على أساس من هذا الترابط تقوم نظرية الفطرة، أما الدين فيعمل على جلاء الفطرة لتعود إلى صفائها بعيداً عن الغش والقتام المتراكم فتعمل مكوناتها بكل انتظام كما يعمل على تجليها في السلوك الإنساني ويوضح لها ما تجهله من الحقائق الهائلة ويعبد لها الطريق نحو هدفها بعد توضيحه لها ورسمه أمامها بكل جلاء.
إن الأخلاق تستقي ثباتها وأسسها وأضواءها من الفطرة، وكل ادعاء خلقي ينفي هذا الثبات في المعايير وهذا الرسوخ في الفطرة، إنما هو ادعاء فارغ ودعاية للتصريف المحلي والتمويه على الآخرين واستغلال ميولهم الطبيعية لأغراض ضيقة. ذلك إن النسبية في الأخلاق، والسطحية في تصورها يعني نفيها تماماً، كما إن النسبية في المعرفة تؤدي بالتالي إلى إغلاق بابها حتماً. ومن هنا نعود فنقول: إن المذاهب التي لا تعترف بالفطرة لا يمكنها أن تطرح المفاهيم الأخلاقية الصرفة؛ كالعدالة، والظلم، والحق، والإنسانية وأمثال ذلك.
وقبل الحديث عن أخلاقية النظام الإسلامي المقام في أي مجتمع، ينبغي الحديث عن الأرضية التي يوجدها الإسلام في المجتمع ليكون مؤهلاً للتطبيق الإسلامي الجيد. ومثل هذا المجتمع لابدّ وأن تتوفر فيه العناصر التالية:
الأول: العقيدة المتأصلة في النفوس والمتعدية من مجال الإيمان المنطقي إلى مجال توجيه الوجود الإنساني كله.
الثاني: الرؤى والمفاهيم التي تستمد معالمها من العقيدة وتصب مباشرة في السلوك الإنساني.
الثالث: العواطف المنسجمة كل الانسجام مع العقيدة والمفاهيم.
يقول آية الله الشهيد الصدر في هذا الصدد: "فالعواطف الإسلامية وليدة المفاهيم الإسلامية، والمفاهيم الإسلامية بدورها موضوعة في ضوء العقيدة الإسلامية الأساسية، ولنأخذ لذلك مثلاً عن التقوى، ففي ظل عقيدة التوحيد ينشأ المفهوم الإسلامي عن التقوى القائل: إن التقوى هي ميزان الكرامة والتفاضل بين أفراد الإنسان، وتتولد عن هذا المفهوم عاطفة إسلامية بالنسبة للتقوى والمتقين وهي عاطفة الإجلال والاحترام".
فإذا كان المجتمع المتهيئ لتطبيق الأطروحة الإسلامية بهذا النحو، فإن ذلك يعني أن الترابط الأخلاقي ـ بالمعنى الذي طرحناه ـ يسود كل الحياة الفردية والاجتماعية ويشكل روحها وإطارها بلا ريب. ويتأكد هذا المعنى عندما نؤمن بحقيقة الترابط التام بين كل أجزاء الأطروحة، فإن هذا الترابط يعني أن أي بلورة لأي جانب يتم على ضوء المسيرة المجموعية نحو الهدف الكبير تماماً، كما نعتقد بأن أي حركة في هذا الكون الرحيب تترك أثرها على كل المجموعة الكونية الهائلة من خلال هذا الترابط التكويني المشهود والمبرهن. وهذا الترابط الهادف بين أجزاء الأطروحة وهذا الانسجام بينها وبين الهدف هو الذي أهَّل الإسلام ليكون دين الفطرة والقيم على كل الحياة. بعد هذه الحقائق نجد أنه ليس من الضروري أن نستعرض مفردات النظام الإسلامي كلها حتى نكتشف مظاهر هذه الروح الأخلاقية فيها، فيكفي أن نلقي نظرة على بعض العينات لنطمئن إليها. وكمثال على ذلك نقول: إننا نلاحظ تركيز الإسلام القوي على نظامين رئيسين قبل غيرهما معبراً بذلك عن اتجاهه الأخلاقي هذا، وهما:
نظام العبادات، والنظام الأخلاقي والتربوي، معتبراً إياهما أساس الحياة الإسلامية وقوامها. فالصلاة ـ كما تصفها النصوص ـ عمود الدين، إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها ومكارم الأخلاق وتركيزها في المجتمع تبلغ من القيمة حداً يجعلها هدف البعثة النبوية الشريفة بل يصل الأمر إلى طرح هذه المعادلة (الدين = الأخلاق)
وإذا طالعنا بعض أهداف نظام العبادات وجدناه نظام التربية الخلقية بعينه فهو يستهدف ـ من جملة ما يستهدف ـ إشباع الحاجة الفردية والحضارية الإنسانية إلى الارتباط بالوجود المطلق بأفضل وجه، والحاجة الحضارية إلى تأصل الموضوعية والإخلاص في العمل وتجاوز المنافع الضيقة، والحاجة الفردية والحضارية إلى الإحساس الذاتي بالمسؤولية الآنية والتاريخية كضمان للتنفيذ، وبالتالي فهو يستهدف إشباع حاجة الإنسان الدائمة للتذكير بالحقيقة وإنقاذه من مرض الخمول في الطاقة الإيمانية، والتقاعس عن الفاعلية الحضارية نتيجة نمط من أنماط التخلف (العقلي، النظامي، الفردي و...)
وحتى العبادات المالية نجدها تسير على هذا المنوال أروع سير، إذ إنها تستهدف الكمال الإنساني كغاية لا محيد عنها. فدافع الزكاة لن يقبل منه عمله إلا إذا قصد التقرب إلى الله، والجابي لها يرغب في الدعاء للدافع (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم...)
إن الشمولية في العبادة تعطينا معنى الشمولية الأخلاقية في الإسلام وتركز في ذهن الإنسان أن يعيش لله دائماً (وفي رواية من وصايا رسول الله (ص) لأبي ذر: يا أبا ذر، إن استطعت أن لا تأكل ولا تشرب إلا لله فافعل) فالإنسان يمكنه أن يتكامل ويتقرب إلى الكمال المطلق في كل حركاته وسكناته، في قيامه وقعوده وسجوده، في انفاقه ودفاعه، في صومه وأكله. وهكذا نجد الإسلام يوسع من روح المسجد لتسع الحياة بدلاً من الفصل بين الحياة والمسجد، أو حصرها فيه كما يفعل المتطرفون من كل جانب.
أما النظام الأخلاقي فهو المثال العيني على الأخلاقية الإسلامية. ولن نحاول التفصيل فيه، وإنما نشير إلى تحلي النظام الأخلاقي في الإسلام بالصفة الواقعية، بعيداً عن التطرف الذهني والخيال المتصوف، والرياضات الباطلة. والغريب أن نجد بعض المبادئ المادية تفرط في الخيال فيرجعها الواقع إلى صوابها، فقد ظنت الماركسية أنها تستطيع إيصال البشرية إلى مرحلة الشيوعية باعتبارها جنة الإنسانية الموعودة التي تغدق فيه الطبيعة خيراتها وتنسى الذات الإنسانية كل دوافعها الأصيلة وتموت (الأنا) لتحيا (النحن) وبالتالي لا يبقى أي مسوغ لبقاء الحكومة والقضاء والنزاع!!
إن هذا الخيال المجنح مبتلى بضعفين، ومن وجهتي نظر مختلفتين:
الأول: إنه خيال لا علاقة له بالواقع، وإلا فمتى يمكن سلب النفس الإنسانية كل غرائزها وأهمها حب الذات؟ اللهم إلا أن يبدل الإنسان غير الإنسان، وهذا ما لا تفعله المبادئ المادية، في الأقل، ولا غيرها أيضاً.
والثاني: إنه يعني انطفاء قوانين الديالكتيك نفسها التي تجعل التحولات الاجتماعية رهن الصراع الطبقي وتوابعه، فإذا مات الصراع مات الديالكتيك، وبموت هذا يموت التطور ويتحول المجتمع إلى مستنقع رجعي مقيت!!
إن الإسلام بمقتضى واقعيته يرفض مثل هذا المنطق وإنما يعلن قبوله بمبدأ حب الذات (النفس) أولاً ويستجيب لكثير من متطلباتها وأهمها (الحرية)، إلا أنه يضع مخططاً تربوياً دقيقاً نلخصه بالخطوات التالية ولا يشترط فيها أن تأتي بالترتيب:
أولاً: يبدأ قبل كل شيء بتعيين مركز الإنسان من الكون. وقد مر بعض الحديث في هذا الجانب، وخلاصته: إن الإنسان موجود خلقه الله الكامل المطلق خالق الكون، ذو القدرة، والعلم، والحياة المطلقة، لأجل أن يعمر الأرض من خلال ممارسة حياة اجتماعية طويلة، ووضع له تشريعاً في سبيل ذلك.
ثانياً: وعلى ضوء الخطوة الأولى ينمي في المسلم حب الله تعالى حتى يصل إلى الحد الذي يضحي فيه بذاته في سبيله تعالى، كما مر.
ثالثاً: ثم يربط بين التقرب إلى الله والحياة الاجتماعية، ليكون سبيل الله يعني سبيل العمل لصالح الرسالة، وتحقيق رضا الله في الأرض ونشر تعاليمه بين الناس، وفي خدمة المؤمنين ورفع أدوائهم ونقائصهم، واشاعة الأخلاق الحسنة، بالإضافة إلى التكامل الفردي:
(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له...). (البقرة: ٢٤٥)
(ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون). (البقرة: ١٥٤)
(إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله...). (البقرة: ٢١٨)
(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلةٍ مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء...). (البقرة: ٢٦١)
وهكذا يرتبط سبيل الله بخدمة المجتمع خدمة يأذن بها الله ويراها لصالحه.
رابعاً: وعلى ضوء الخطوة الثالثة، يبدأ الإسلام بتربية أخلاقية طويلة المدى، من خلال نظم عديدة (كنظام العبادات، والنظام التربوي والأخلاقي، ونظام الأسرة، وغيرها) كلها تؤكد تنمية الحس الاجتماعي فيه، وتعمل على تربية الوجدان والضمير الأخلاقي في الإنسان، وتركز على أن يرتبط بعلاقات مودة كبرى مع مجتمعه المؤمن خاصة، ومع مجتمعه الإنساني عامة.
خامساً: وبعد هذا يعمل على أن يذكر الإنسان بالمنابع الكبرى التي تنفذ عبرها غريزة حب الذات فتنمي نفسها وتطغى لتنتهي بتلك الصور. وكمثل لذلك: نلاحظ موقف الإسلام من كل من عنصري الغفلة والتكبر، وهما منفذان كبيران للذاتية.
سادساً: ومع كل هذا يأتي دور أصيل يشكل نقطة الحل الرئيسة، وهو الدور الذي يجعل المسألة الفردية والمسألة الاجتماعية أمراً واحداً، وهي تلك المعجزة التي عجزت عنها جميع الأنظمة الوضعية، وذلك بتركيز الاعتقاد بالآخرة، وإعطاء صورة واضحة عنها. وحينذاك، فالذات الإنسانية واحدة في كلا الحالين، وعندها يكون التنازل البسيط المؤقت في هذه الحياة القصيرة عن بعض اللذات لصالح المجتمع الذي يحبه، ولصالح رقي الإنسانية وهو عضو منها، يكون هذا التنازل موجباً لإشباع النفس والذات عينها بأسمى أنواع الإشباع بدخولها جنة الخلد والرضا، وخلاصها من عذاب الخلد في النيران.
(ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح. إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). (التوبة: ١٢٠ ـ ١٢١)
وقد كانت الآيات الشريفة دقيقة غاية الدقة عندما ضربت على وتر إشباع الذات إشباعاً خالداً في قوله تعالى: (... وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون). (الزخرف: ٧١)
(... ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون). (فصلت: ٣١)
(... لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون). (الأنبياء: ١٠٢)
وهكذا يتحول العمل الصالح لصالح المجتمع ولصالح النفس في الوقت نفسه.
(... وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله...). (البقرة: ١١٠)
(... وما تنفقوا من خير فلأنفسكم...). (البقرة: ٢٧٢)
ويكون المتاع الدنيوي المنحرف ظلماً وبغياً على النفس:
(... يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم، متاع الحياة الدنيا...). (يونس: ٢٣)
وهكذا (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها...). (الإسراء: ٧)
(... وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). (البقرة: ٥٧)
(ولا يحسبنّ الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين). (آل عمران: ١٧٨)
(ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم...). (الأعراف: ٩)
(... وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، والله يعلم إنهم لكاذبون). (التوبة: ٤٢) فالنفس والإنسانية تباع في الدين لله وللرسول وللأئمة وللمؤمنين ليعوض عنها بالجنة: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة...). (التوبة: ١١١)
(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم...). (الأحزاب: ٦)
وخاطب الرسول (ص) المؤمنين قائلاً :
"ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، فقال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه". (حديث الغدير)
وقد جاء في (نهج البلاغة) قول أمير المؤمنين (ع): "إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها". (الكلمات القصار: ٤٥٦)
وما أكثر الآيات والأحاديث الواردة في هذا المعنى، وكلها تنتج هذا الحل الوحيد للمشكلة الاجتماعية المستعصية. فلا يبقى ـ والحال هذه ـ إلا طريق الإسلام المتوازن تماماً فحسب.
وهكذا رأينا:
أن غريزة حب الذات غريزة طبيعية تنمو بشكل طبيعي ولا تحتاج إلى تربية منمية، وإنما تحتاج إلى تهذيب وتوجيه، وتحديد مصاديق الذات ومداها، وتنبيه على سبيل إشباع اللذائذ الإنسانية، وإن كان شعور النفس ببعض اللذائذ المعنوية يحتاج إلى تربية علمية صحيحة ليكون إشباعها إشباعاً لهذه الغريزة في الوقت نفسه.
وعندما نرد النظم الإسلامية الأخرى نجد الجانب الأخلاقي متجلياً فيها بمستوى أساس:
فالنظام الاقتصادي الإسلامي يجسد الصفتين الآنفتين: (الأخلاقية والواقعية) تمام التجسيد في غاياته وفي وسائله.
إنه لا يضمن العامل لأنه أداة إنتاج إذا أصيبت أصيب الإنتاج نفسه، وإنما يضمنه لأنه إنسان قدر أن يعمل أم لا. وانه عندما يريد تقسيم الربح لا يجعل الإنسان إلى جانب الحجر وإنما يعتبر أدوات الإنتاج خادمة للإنسان. وإنه عندما يضع خطته التنظيمية يجعل (العدالة الاجتماعية) أحد أكبر الأهداف الاقتصادية للفرد والدولة ويعمل على تحقيق التوازن في مستوى المعيشة بين الأفراد، دونما توجيه أية ضربة للدوافع الذاتية، لتؤدي دورها الاقتصادي المطلوب.
والنظام الحقوقي في الإسلام يسعى ليستلهم الحقوق الفطرية الإنسانية ويعكسها على الصعيد التشريعي معادلاً بين الحقوق والواجبات ( ... ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف...). (البقرة:٢٢٨)
والنظام الجنائي أيضاً يمتاز بهذه الصفة الأخلاقية التي تميزه تماماً عن باقي النظم الأخرى.
إن الإسلام ينظر لكل ما يخالف التكامل الروحي للإنسان باعتباره جريمة يعاقب عليها عقاباً دنيوياً كالحنث باليمين والخيانة، أو يوكل أمر العقاب إلى الآخرة كما في الغيبة والنميمة والحسد والحقد، وعدم رد السلام والتكبر وأمثال ذلك، بالإضافة إلى إمكان تصوير التعزيز الدنيوي على هذه المعاصي.
هذا بالإضافة إلى اعتباره الجرائم التي تمس المسيرة الاجتماعية الصحيحة جرائم أخلاقية حتى في حالة عدم التضرر الاجتماعي ـ ظاهراً ـ بها كما في مسائل شرب الخمر، والاستمناء وأمثالها.
وفي حين تعجز القوانين الوضعية عن علاج هذه الأمراض الأخلاقية لأنها لا تقع تحت سلطتها بل ربما لأنها لا تأبه بها. وكثيراً ما تقع هذه القوانين فريسة الضعف البشري والذوق العام، وهي غالباً ما تخدم الطبقات الحاكمة فتبشر بأخلاقها، وهو ما وجدناه من التدني الأخلاقي في المجتمعات الوضعية القائمة.
فإذا عجز القانون عن تركيز الأخلاق فقد عجز عن إزالة أسباب أعظم الجرائم أحياناً، وهذا ما نجده في مثل الكذب والنميمة والحسد. يقول (الكسيس كارليل) العالم المعروف، في كتابه "الإنسان ذلك المجهول" (ص ١٥٢): "يجب على الإنسان أن يفرض على نفسه قاعدة داخلية بتوازنه العقلي والعضوي... إن الدولة قادرة على فرض القانون على الشعب بالقوة، ولكن لا تستطيع أن تفرض عليه الأخلاق، فيجب أن يدرك كل فرد ضرورة فعل الخير وتجنب فعل الشر، وأن يرغم نفسه على اتباع هذا المنهج ببذل جهد إرادي".
ولا نرانا بعد هذا بحاجة لاستعراض باقي النظم الإسلامية كالنظام الاجتماعي المعتمد على أساس (الوحدة العائلية المتوازنة)، والنظام التعاملي وغيرهما فإن في ما ذكر الكفاية كما نعتقد. من كل ما مر وكذلك من مراجعة مجمل الأسس والمظاهر الأخلاقية في الإسلام نستنتج الظواهر التالية:
أولاً: إن الأخلاقية الإسلامية ليست أخلاقية هامشية أو جانبية، وإنما هي أخلاقية تشمل الحياة كلها، والإنسان المسلم المثالي هو الأخلاقي المثالي في كل وجوده وسلوكه.
ثانياً: إن الأخلاقية الإسلامية ليس أخلاقية انعزالية عن الحياة والملذات، وإنما هي أخلاقية الانهماك في العمل الاجتماعي بروح زاكية مع امتلاك ملكة (الزهد) والقدرة على التحرر من الأسر المادي الوضيع إذا تطلب الموقف ذلك.
ثالثاً: إن معاييرنا الأخلاقية مستمدة من عقيدتنا، وحينئذٍ مهما امتدت العقيدة امتدت هذه المعايير، فلا تتأثر بالأبعاد الجسمية، ولا العرقية، ولا المادية، وما إلى ذلك، وهي بالتالي تصلح لأن تكون معايير إنسانية كاملة.
رابعاً: إن الأخلاقية الإسلامية ليست سطحية عارضة، وإنما هي تتعامل مع الفطرة وتستمد منها مسوغاتها وتعمل على تجليتها وإسراء مفعولها إلى ظاهر السلوك.
خامساً: إن أخلاقيتنا ليست منافية للتغير المادي والرفاه البدني بل هي متلاحمة معه لصنع أهدافٍ معنوية سامية.
سادساً: إن أخلاقيتنا لا تتعامل مع الخيال المفرط وليست طوبائية النظرة، وإنما هي واقعية قائمة على أساس من علم إلهي بالواقع الإنساني والواقع الكوني والعلاقة بينهما، وتقدير دقيق لهدف الخلقة الإنسانية. ولذا فهي تتجنب أي تخدير كاذب وتسعى للرقي المعنوي الحقيقي.
سابعاً: إن الأخلاقية الإسلامية لم تطرح أهدافاً ومبادئ عليا تاركة إياها دونما تفصيل لها ولكيفية تحقيقها، وإنما هي إذ تطرح مفهوم العدالة الاجتماعية مثلاً تعطي التخطيط الكامل لها وللأساليب العملية التي يتم تحقيقها بها، وعندما تطرح فكرة تزكية النفس تعطي البرنامج العملي الدقيق الذي يحققها لئلا ينحرف السبيل بالإنسان عن الهدف الأسمى.
ثامناً: إن أخلاقيتنا ليست أخلاقية مصلحية، أي ترعى مصالح الذات الضيقة، وإنما هي أخلاقية إنسانية ترمق الهدف كلّه, وتحاول أن تنسق كل أجزاء المسيرة مع هذا الهدف وربما عملت لتحقيق ذلك على تغليب المصالح الاجتماعية على المصالح الذاتية. وبالتالي فهذه الأخلاقية ملكة تطوع خير بناء وليست سعياً وراء مصلحة.
تاسعاً: إن أخلاقيتنا أخلاقية متوازنة، فلا هي بالتي تفني الفرد تحت عجلات المصلحة الاجتماعية العليا، ولا هي بالتي تسمح للفرد أن يسحق المصالح الاجتماعية، وإنما هي تحاول إيجاد توفيق، وربما أوجدت تلاحماً بين المصلحتين فلا يحس الفرد العامل لذاته انه منفصل عن العمل لمجتمعه.
عاشراً: وبالتالي فإن الأخلاقية الإسلامية ليست مقطعية تنطفئ عندما تصل إلى حد معين، وإنما هي برنامج تكامل إنساني لا ينقطع لأنه يسير إلى الله تعالى وهو جلّ وعلا الكمال الذي يتسامى فوق كل عروج.
هذه هي بعض ملامح الحياة المعنوية في الإسلام نطرحها على أمل أن نوفق لتجليتها في حياتنا الفردية والاجتماعية.

خاتمة المطاف:
وبعد أن يتم كل هذا لنعد إلى واقعنا القائم اليوم.
إننا نعلم دونما ريب أن الأخلاقية هي أحد معالم شخصية امتنا الإسلامية وبدونها لا يمكننا أن ندعي لأنفسنا الحالة الطبيعية الإسلامية. فهل يتوفر هذا البعد في أمتنا اليوم؟
إننا نعيش في وضع غريب يتنافى مع ما أراده الإسلام، وإلا فما معنى كل هذا الفجور المعلن؟ ما معنى أن تباع الخمور في أسواق بعض بلداننا علناً وجهاراً؟ وما معنى أن يعصى الله جهاراً على البلاجات وفي الفنادق الكبرى وفي محلات الدعارة وعلى صفحات مجلات الخلاعة وعلى شاشات التلفزة والفيديو وأمثالها ثم لا نجد من يستنكر ذلك؟
ما معنى أن تداس قدسية الحجاب الإسلامي فلا تجد لها نكيراً؟
ما معنى أن تداس حرية الشعوب وتهان كرامتها فلا يلبي صرختها ملبٍ؟
ما معنى أن تسلب من أمتنا أعظم الفرص العبادية التي يمكن أن تبني فيها وجودها ولا من معترض.
أنىّ يمكننا تحمل الوضع الاقتصادي الربوي المتفسخ علناً؟
كيف تسمح امتنا بشيوع الأفكار الإلحادية والعلمانية والماسونية؟
إنها أسئلة من آلاف التساؤلات التي تطرح فتشدد علينا المسؤولية، وتعرفنا عظم الخطر، وسعة التآمر على وجودنا، لسلبنا معالم شخصيتنا. فماذا أعد العلماء لمثل هذه الحالة؟!
اللهم وفقنا لتحقيق رضاك، وابعث الروح في العروق الظامئة حتى تنطلق ملبية نداء إبراهيم، متبرئة من المشركين، ساعية نحو العلاء الذي ترضاه، إنك سميع مجيب.
المصدر: مجلة التوحيد، العدد 31 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com