موقع الصراط ... الموضوع : العلاقات العضوية داخل الجماعة الإسلامية-4
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العلاقات العضوية داخل الجماعة الإسلامية-4  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 16 / رمضان / 1433 هـ
     
  ثانياً: الثقة:
والعنصر الثاني من العناصر التي تشكل العلاقة في داخل الحزب والجماعة الإسلامية (الثقة).
ولا نقصد بالثقة هنا التقليد اللاواعي، والانقياد الأعمى والجري وراء الآخرين من غير تثبت أو تبيين فهو أمر يرفضه الإسلام رفضاً كاملاً إذا كان الظرف الآخر غير مزكى في سلوكه ودينه.
يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) (الحجرات: 6)
إلاّ أنه كما يجب التبين والتثبت عند الشك في الطرف الآخر، بحكم آية النبأ يجب طرح الثقة فيه، والاطمئنان إلى كلامه ومواقفه عند الاطمئنان إلى دينه وكفاءاته.
وينقلب الإنسان في هذه الحالة إلى قيمة قائمة بالذات في مجال التعامل، وفي شبكة العلاقات الاجتماعية، فيكون الاساس في التعامل مع المؤمن الثقة ما لم يثبت شك في دينه أو كفاءته.
وهذه الثقة هي أساس التدين والارتباط بالله تعالى، فالعقيدة بالله تعالى وكتابه واليوم الآخر والملائكة لا تتأتى في الغالب من مصادر حسية وتجريبية وإنما تأتي بالاطمئنان والثقة.
فنحن نؤمن بكتاب الله واليوم الآخر وملائكة الله وحدود الله تعالى عن طريق الوثوق بما جاء به الأنبياء والمرسلون.
كما ان حياة الإنسان على وجه الأرض تستقر بالثقة، فلو أسقط الإنسان الثقة من حياته الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعائلية لم يستقر له قرار.
والثقة بهذا المعنى هي الاتباع الواعي في مقابل الاتباع اللاواعي الذي يرفضه الإسلام في كل مجالات حياة الإنسان.
وتتأكد قيمة (الثقة) في مجال التنظيم والقيادة، فلا يمكن أن يؤدي التنظيم دوره في حياة الأمة ما لم تتوفر الثقة بصورة جيدة في شبكة التنظيم وبين الحلقات، ولا يمكن أن تؤدي القيادة أو القائد دوره الفعال في حياة الأمة أو في مجال التنظيم ما لم يتمتع بثقة الأمة أو العاملين.
فلا بد إذن أن يعتمد الإنسان عنصر الثقة أساساً للتعامل مع التنظيم والقيادة، كما لابد لكل فرد في داخل الأمة أن يعتمد الثقة أساساً للتعامل مع القيادة والأجهزة المسؤولة في الدولة الإسلامية.
ولا بد أن تكون العلاقة المتبادلة بين الفرد والجماعة قائمة على أساس الثقة حتى تستقيم هذه العلاقة وتدوم، فتضع الجماعة ثقتها في أعضائها، ويضع الفرد الثقة في الجماعة... عندئذ تكون العلاقة بين الفرد والجماعة علاقة صحيحة راشدة تحفظ الفرد والجماعة.
ولعل السر في قصة رسول الله موسى بن عمران (ع) والعبد العالم الذي آتاه الله من لدنه رحمة وعلماً كما جاء في سورة الكهف (60-82) الإشارة إلى هذه الحقيقة التربوية.
فلم يكن من بأس على العبد العالم الذي آتاه الله تعالى من لدنه رحمة وعلماً أن يعلم موسى (ع) ما سأله وأنكر عليه من أعماله لولا أنه أراد أن يعلمه الصبر والثقة وقد أخبره أخيراً بكل ما سأله رسول الله موسى (ع) وأنكره عليه وشرح له كل ما حجب عنه علمه عندما افترقا، فلم يكن إذن من سبب لعدم الإجابة على أسئلة موسى (ع) وعتابه، وأخذ العهد عليه ابتداء أن لا يسأل غير أن يعلمه الصبر والثقة.
فقد كان يعلم رسول الله موسى (ع) أن هذا العبد الصالح الذي يلتقي به عند مجمع البحرين هو ممن آتاه الله من لدنه رحمة وعلماً، ولذلك طلب مصاحبته ومتابعته عندما التقيا عند الصخرة التي فقد عندها الحوت وانقلب الحوت إلى البحر حيا فلا موجب إذن للشك في شيء من أفعاله وأقواله، ولا بد أن يطرح موسى (ع) فيه ثقته كاملاً، ويصبر على ما لا يعلم من أفعاله وأقواله.
وفي لقاء موسى (ع) مع هذا العبد العالم عند مجمع البحرين من الأدب والرفيع ما ينبغي أن يقف عنده المؤمنون طويلاً، فقد كان موسى (ع) جم الأدب والتواضع مع العبد العالم وهو الذي آثره الله بالرسالة واصطفاه نبياً، وجعله أحد الخمسة من أولي العزم من الأنبياء.
ورغم ذلك كله فإن موسى (ع) يطلب منه أن يعلمه: ((أَنْ تُعَلِّمَنِ)) ولا يطرح الطلب على صيغة الأمر بل على صيغة الاستفهام، ((قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ)) ولم يقل: أصاحبك بل اتبعك.
وأعظم قدر علمه حيث صاغه على صيغة المبني للمجهول، مما يُشعر أنه أخذ علمه من مصدر غيبي، لا يتسنى لسائر الناس، فقال: ((مِمَّا عُلِّمْتَ)) ولم يقل: مما تعلم ثم وصف علمه بـ (الرشد).
ثم لم يطلب منه ان يعلمه كل ما آتاه الله تعالى وإنما طلب ان يعلمه البعض مما آتاه الله ((مِمَّا عُلِّمْتَ))، ((من)) في كلمة (مما) للتبعيض..
وجعل ما يشيره عليه العبد العالم أمراً: ((وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً))، ولم يصرح بالتزامه بالوعد الذي ألزمه به العبد العالم، بل كنى عنه أجمل كناية، وربط ذلك بمشيئة الله تعالى: ((َسَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً))
واتبع موسى (ع) ومعه فتاه يوشع العبد العالم على أن لا يسأله عن شيء مما يفعل مما يجهله موسى (ع) حتى يحدث له منه ذكراً.
وربما أراد العبد الصالح ان يكون أول شيء يعلمه لرسول الله موسى (ع) (الصبر) و(الثقة).
فانطلقا حتى إذا ركبا السفينة خرقها العبد العالم، خرقاً لا يؤمن معه عليها الغرق، وموسى (ع) ينظر إلى ذلك، فاندهش لذلك، ولم يملك نفسه من ان يسأل العبد العالم عن سر هذا العمل الذي يعرض السفينة وأهلها للغرق، ((قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً))
فذكره العبد العالم بما أخذه عليه من عهد على الصبر والثقة. فاعتذر إليه موسى (ع) و((قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً))
فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله العبد العالم، فشاط موسى (ع) غضباً ولم يصبر على هذا العمل الذي كان يراه منكراً، وقد جرى أمام عينيه، وعلى يد عبد آتاه الله من لدنه علماً ورحمة، ونسي عهده الذي قطعه على نفسه، فقال: ((أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً))
فذكره العبد العالم ما التزمه معه من عهد، وما نبّهه إليه أول الأمر من أنه لن يستطيع معه صبراً.
فأعاد موسى (ع) الاعتذار و((قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً))
فانطلقا حتى إذا أتيا قرية وقد اضر بهما الجوع فاستطعما أهلها فلم يضيفوهما فوجد جداراً يريد ان ينقض فأقامه العبد العالم فغضب موسى (ع) من الخدمة التي قدمها العبد العالم بهذه القرية التي أبى أهلها أن يضيفوهما، فقال: ((لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)) فقال له العبد العالم: ((قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً))
ثم شرح له العبد العالم كلما أنكره عليه من الأمور التي ضاق بها صدر موسى (ع) ولم يحط بها علماً.
ولم يكن على العبد العالم من بأس أن يعلم موسى (ع) كل ذلك في حينه، ولا سيما أنّ موسى (ع) قد اصطحبه على أن يعلمه مما آتاه الله تعالى من علم لولا أنه أراد أن يكون أول ما يعلمه الصبر على ما لم يحط به علما وهو الوثوق.
ولذلك أخذ على موسى (ع) عهداً أن لا يسأل عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً.
وهذه القاعدة: (قاعدة الثقة) لها تطبيقات كثيرة في حياتنا الاجتماعية والسياسية والتنظيمية والدينية.
فقد تتصرف القيادة الإسلامية تصرفاً سياسياً قائماً على الحكمة وبعد النظر، ومن موضع المسؤولية، إلاّ أنه لا يتجاوب مع أحاسيس وعواطف الجماهير من الأمة، وقد تكون هذه الاحاسيس والعواطف صادقة ومباركة، ونابعة عن إيمان أصحابها وطموحهم وتفاعلهم الصادق مع قضايا الإسلام، إلاّ أنها ينقصها بعد النظر والحكمة.. وفي مثل هذه الحالات تتخذ القيادة من موضع المسؤولية قراراً لا يستطيع ان يستوعب عواطف الجماهير والشعارات السياسية المطروحة على الساحة، والتي تتفاعل مع عواطف الناس.
فلا يجوز في مثل هذه الأحوال معاكسة القيادة واتخاذ المواقف الانفعالية والشعارية، مما قد يؤدي إلى اضطرار القيادة للتعديل في قرارها، ولا يجوز إحراج القيادة أو إحباط القرار.
فلا شك أن القيادة من موضع المسؤولية تكون أبعد عن التأثر بالحالات الانفعالية وأقرب إلى التعقل والتروي والحكمة في اتخاذ القرار المناسب من الجمهور، ويجب في مثل هذه الحالات طرح الثقة الكاملة في القيادة لتتصرف سياسياً بما تمليه عليها المسؤولية الشرعية، بعيداً عن المواقف الانفعالية.
ولا شك أن هذه العواطف المتفاعلة مع قضايا الأمة مباركة، وهي رأس مال القيادة السياسي، إلاّ أنها لا يجوز أن تعيق القرارات السياسية والعسكرية التي تضطر إليها القيادة في بعض الظروف بمعزل عن الشعارات السياسية.
وفي الأحكام الشرعية قد نقرأ حكماً في حديث فلا تستطيع ان تستوعبه وتحيط به خبراً.
فمن المعقول والصحيح ان ترجع إلى سند الحديث لنتتبع سند الحديث إلى الإمام (ع) أو إلى النبي (ص) فإذا وجدنا السند ضعيفاً أعرضنا عنه.
إلاّ أننا عندما نتأكد من صحة الحديث من حيث السند لا يجوز ان نحكّم أفهامنا في فهم الأحاديث والسنة ونعرض عما لا نفهم منه ونقبل منه ما نفهم، فإن الدين هو الثقة بما يقول الأنبياء وخلفاؤهم (ع).
وهذه الظاهرة، وهي أن نجعل أفهامنا مقياساً لقبول وردّ الأحاديث من أكثر الظواهر الفكرية خطراً على سلامة الخط الفكري الإسلامي عند الأمة.
ومن هذا المنزلق انزلق كثيرون من أصحاب الفكر والرأي والعلم عن صراط الله المستقيم، وكان أئمتنا (ع) يحذرون أولياءهم من أن يجعلوا فهمهم مقياساً وأساساً لمعرفة أحكام الله تعالى.
روى أبان بن تغلب، قال: (قلت للإمام الصادق (ع): رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها من الدية؟ قال: عشر من الإبل، قال: قلت: قطع إصبعين؟ قال (ع): عشرون، قلت: قد قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون.
قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون، كان يبلغنا هذا ونحن بالعراق، فنقول إن الذي جاء به شيطان. قال (ع): مهلاً يا أبان، إن هذا حكم رسول الله (ص) أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغ الثلث رجع إلى النصف، يا أبان انك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين)
وفي مجال العلاقات الاجتماعية في المجتمع والعلاقات الافقية داخل التنظيم لا شيء يقوم مقام الوثوق في توطيد العلاقة وتحكيمها وترسيخ المحبة وتعريقها.
فعندما تطرح الثقة في أخيك الذي تتعامل معه في العمل أو في المدرسة أو في الدائرة أو في التنظيم أو في غير ذلك من دوائر الحياة الاجتماعية تكسب كل عواطفه وثقته، وكما أن الحب يجلب الحب فان الثقة تجلب الثقة كذلك فيبادلك أخوك الثقة بالثقة ويمنحك ثقته كما تمنحه ثقتك.
وبالعكس فإن الشك والظن يورث الظن والشك، فعندما تشك في إنسان ونظن فيه سوءاً، فإن هذا الظن يولد ظناً في نفسه بالمقابل.
وقد ورد في أحاديث أهل البيت (ع) تأكيد كثير على التعامل بالثقة فيما بين الأخوة المؤمنين، إذا كانوا من أهل الصلاح والثقة.
ففي دعاء الإمام السجاد (ع): (وأبدلني من ظنّه أهل الصلاح الثقة)
والثقة في داخل الجماعة من أهم مقوّمات التنظيم والجماعة المنظمة، فلا بد أن يتوفر في جو التنظيم السرية والكتمان دائماً ولا سيما في الظروف السياسية الصعبة، وذلك لسلامة سير التنظيم وقراراته، ومن غير الصحيح أن يطلب العضو في الجماعة أن يطلع على كل خلفيات القرار وظروفه وملابساته.
ولست أقول أن يلغي الداعية فكره وآراءه.. فإن من الضروري في حركة الجماعة أن يرفد العضو الجماعة بأفكاره وأنظاره.. فإن تبادل الأفكار والآراء بين العضو والجماعة يؤدي إلى ترشيد الجماعة وتسديدها.. ولكن ذلك كله لا يغني عن حالة الوثوق والاطمئنان بين الجماعة وأعضائها.
والحالة السليمة داخل الجماعة والمنظمة الإسلامية ان تتعادل حالة الوثوق وتداول الآراء جنباً إلى جنب.
والعكس أيضا صحيح، فلابد ان تضع الجماعة ثقتها في أعضائها، فإن الثقة كما هي تجلب الثقة تؤهّل للثقة، كذلك إذا كان الطرف الآخر من أهلها، فإن إشعار الداعية بأنه موضع ثقة الدعوة في إعطاء المسؤوليات وتخويله صلاحية العمل تجعله أهلاً لهذه الثقة وتجعل تصرفاته وأعماله وأقواله ناجمة عن الإحساس بالمسؤولية تجاه هذه الثقة.
وبعكس ذلك لو كان المسؤول يحتاط دائماً في إعطاء المسؤولية وصلاحيات العمل للداعية، ويحدده فيما لو أناط به مسؤولية عمل من الأعمال بمراجعته والاتصال به في كل ما يواجهه من مشكلة ويمنعه ان يتصرف بالشكل الذي يراه فإن قدرات الداعية وكفاءاته في مجال عمله لا تنمو نمواً طبيعياً، ويبقى الداعية بحاجة إلى رعاية مسؤولة في كل الأحوال دون ان يتمكن من الاستقلال في رأي أو موقف.
وقد يقال إنّ إناطة المسؤوليات بالداعية بهذه الصورة قد تحمل الدعوة بعض السلبيات إلاّ أن تحمّل هذه السلبيات أهون من بقاء الداعية في حيز رعاية مسؤولية إلى الأخير، وعدم تمكنه من الاستقلال بعمل أو رأي أو موقف وعجزه عن تحمل المسؤولية.
وقد تؤدي إناطة المسؤولية ببعض الأفراد في الجماعة إلى نتائج سلبية، وهذا صحيح وواقع يكتشفه المسؤول بعد فترة من الزمن، ويعرف أن الداعية لم يكن مؤهلاً لهذه المسؤولية إلاّ أن من الصحيح أيضاً أن إناطة المسؤوليات بالدعاة وطرح الثقة فيهم تكشف للمسؤول كنوزاً من المواهب والكفاءات التي ادّخرها الله تعالى في نفوس عباده، ولم يكن المسؤول يكتشف ذلك لولا انه أقدم على إناطة المسؤولية بهم.
ولكن لا يعني ذلك على كل حال ترك الداعية وعدم محاسبته وعدم مراقبته في عمله من قبل مسؤوله، فذلك مما لابد منه في داخل أي تنظيم صحيح.. إلاّ أن من غير الصحيح أيضاً التشكيك في قدرة الداعية على تحمل المسؤولية أو تحديده في عمله بحيث يشعر انه لا يستطيع أن يستقل في موقف أو رأي.
ولا يعني ما تقدم من حديث أن نضع ثقتنا في الآخرين من غير حساب وتدقيق، فإن هناك أزمتين تعاني منهما امتنا وقد عالج الإسلام كل واحد من هاتين الأزمتين علاجاً حكيماً.
احداهما: أزمة الثقة وقد تحدثنا عنها طويلاً.
والأخرى: أزمة السذاجة والاسترسال في منح الثقة من دون حساب ودقة.
وكما يجب ان ننتبه لأهمية الثقة ودورها الكبير الفاعل في حياتنا الاجتماعية والسياسية والتنظيمية والدينية، كذلك ينبغي ان ننتبه إلى خطورة وضع الثقة في غير موضعها فإن وضع الثقة في غير أهلها أخطر من سحب الثقة من أهلها، وكما يختل عمل التنظيم من دون الثقة، فإن الثقة التي توضع عن غير قناعة، وعلى غير الموازين الشرعية يكون مردودها السلبي أعظم من فقدان الثقة نفسها في داخل الحركة، ولا يقل خطر الاسترسال الساذج في الثقة عن فقدان الثقة، فلابد من الاهتمام بوضع الثقة في موضعها المناسب.
في كتاب الكافي والخصال عن الإمام الصادق (ع):
(لا تثقن بأخيك كل الثقة فإن صرعة الاسترسال لن يستقال)
وفي كتاب الغرر عن أمير المؤمنين (ع): (الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار من قصور العقل)
وعن الصادق (ع): (من لم يقدم الامتحان قبل الثقة والثقة قبل الأنس أثمرت مودته ندماً).
وهناك موازين دقيقة ومعايير لطرح الثقة في أحاديث أهل البيت (ع) نذكر أنموذجاً واحداً منها في هذا المقال.
عن الإمام زين العابدين (ع) قال: (إذا رأيتم الرجل قد حسن سمعته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخاً لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكن من حرام اقتحمه.
وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام، فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا ما قدر عقله، فما أكثر من ترك ذلك اجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله.
فإذا وجدتم عقله متيناً، فرويداً لا يغرنكم، حتى تنظروا أمع هواه يكون عقله أم يكون هواه مع عقله، وكيف محبته للرياسات الباطلة وزهده فيها؟ فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا ويرى ان لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك اجمع طلباً للرياسة، حتى إذا قيل له: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ))، فهو يخبط خبط عشواء، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما يقدر عليه من طغيانه، فهو يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له الرياسة التي قد شقى من اجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً مهيناً.
ولكن الرجل، كل الرجل نعم الرجل، هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله، وقواه مبذولة في رضا الله، يرى الذل مع الحق أقرب إلى العز في الباطل، ويعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم، في دار لا تبيد ولا تنفد، وان كثيراً مما يلحقه من سرّائها ان اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال، فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه تمسكوا، وبسنته فاقتدوا، وإلى ربكم فتوسلوا، فإنه لا ترد له دعوة ولا تخيب له طلبة)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com