موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أميرالمؤمنين-8
 
الأحد - 16 / رجب / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أميرالمؤمنين-8  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 16 / رمضان / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
كيف واجه علي (ع) المحنة؟
لقد واجه أمير المؤمنين (ع) بعد رحيل رسول الله (ص) مشاكلَ ومحناً تنوء الجبال عن حملها فوقف بين حقه المسلوب, وبين سلامة الإسلام والحفاظ عليه من يد التحريف , وتتجلى عظمته في الخطة الحكيمة التي اتبعها لمواجهة تلك المحن, ويمكن اختصار موقفه في النقاط التالية:
أولاً: لم يسكت عن سلب حقه, وهو يعلم علماً يقيناً بأنهم لا يُرْجعونه إليه، وإنما راح يحاججهم؛ ليثبت للملأ بأنهم غاصبون منذ اللحظة الأولى, والسر في ذلك إنه (ع) يريد أن يوجد خطين: خط السياسة المصلحية المتمثلة بالحكومة القائمة, وخط السياسة الرسالية المتمثلة به (ع) ليكون مرجعاً للأمة في دينها, إليه يرجع الغالي, وبه يلحق التالي, وبذلك يكون هو صمام الأمان للإسلام من التحريف, وللمسلمين من الانحراف, ومن أول ساعة في سلب الخلافة الشرعية, وما أن انتهى من تجهيز رسول الله (ص), وإجراء مراسم الدفن, وحين سمع ما جرى في السقيفة تسائل (ع) قائلاً: (ما قالت الأنصار؟
قالوا: قالت: منا أمير, ومنكم أمير.
قال (ع): فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله (ص) وصى بأن يحسن إلى محسنهم , ويتجاوز عن مسيئهم.
قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟
فقال (ع): لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال : فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول (ص)، فقال (ع): احتجوا بالشجرة , وأضاعوا الثمرة)
وكان في كل موقع ومقام مناسب يُذَكرْ بحقه, ويُقَرع الغاصبين, ولهذا نسمعه يقول عند بيعة عثمان: (لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري, والله لأُسَلِمن ما سلمت أمور المسلمين, ولم يكن فيها جَور إلا عَليَّ خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه)
وطالماً ذَكَّر المسلمين, وقال: (أنشدكم الله! أفيكم أحد آخى رسول الله (ص) بينه وبين نفسه، حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض غيري، فقالوا: لا، فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله (ص): (من كنت مولاه فهذا مولاه) غيري؟ فقالوا: لا، فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله (ص): (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) غيري؟ قالوا: لا، قال: أفيكم من اؤتمن على سورة براءة، وقال له رسول الله (ص) إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني غيري؟ قالوا: لا، قال: ألا تعلمون أن أصحاب رسول الله (ص) فروا عنه في مأقط الحرب في غير موطن، وما فررت قط، قالوا: بلى، قال: ألا تعلمون أني أول الناس إسلاماً؟ قالوا: بلى، قال: فأينا أقرب إلى رسول الله (ص) نسباً؟ قالوا: أنت)
وأخرج الدارقطني: (إن علياً قال للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاماً طويلاً من جملته: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله (ص): يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة غيري؟ قالوا: اللهم لا)
وأقواله في ذلك كثيرة في كل تلك المرحلة, وحتى في زمان حكمه وخلافته استمر مطالباً بحقه خصوصاً في حياة الزهراء (ع) وامتنع من البيعة إلى حين وفاتها (ع), وبذلك استطاع أن يسلب الشرعية من الغاصبين, ويطهر أحكام الإسلام مما علق بها من أوهام.
ثانياً: اشتغل بجمع القرآن وتدوينه وحفظه, وقد صرح بذلك لأبي بكر حين قال لـه: (أكرهت خلافتي، قال: لا، لم أكره خلافتك، ولكن كان القرآن يزاد فيه، فلما قبض رسول الله (ص) جعلت على أن لا أرتدي إلا إلى الصلاة حتى أجمعه للناس، فقال أبو بكر: نِعمَ ما رأيت)
و(عن محمد بن سيرين قال : لما توفي النبي (ص) أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا الجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، وأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا الجمعة !)
ثالثاً: كان يراقب كل ما يصدر من أفكار وآراء وفتاوى, ويرصدها بدقة, ويرد منها ما كان مخالفاً لكتاب الله وسنة رسوله, ويبطله ويفنده, ويعطي الحكم الصحيح وهاك شواهد من ذلك:
أ- (روى الحسن أن امرأة ولدت لستة أشهر فأتي بها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهم برجمها, فقال له علي (ع): ليس لك ذلك إن الله يقول: ((وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)) فقد يكون في البطن ستة أشهر والرضاع أربعة وعشرون شهرا فذلك تمام ما قال الله تعالى (( ثَلاثُونَ شَهْراً)) فَخَلّا عنها عمر)
ب- (وروى أبو داود بإسناده, قال أُتَي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناسا فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي بن أبي طالب, فقال: ما شأن هذه؟ فقالوا: مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: ارجعوا بها. ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ, وعن النائم حتى يستيقظ, وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى، قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء، قال فأرسلها)
ج- (استدعى عمر امرأة ؛ ليسألها عن أمر, وكانت حاملا، فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها فأجهضت به جنينا ميتا، فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك، فقالوا: لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب، فقال له علي (ع): إن كانوا راقبوك فقد غشوك، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا . عليك غرة -يعنى عتق رقبة- فرجع عمر والصحابة إلى قوله)
رابعاً: كان يرصد الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ويرد عليها؛ ليحفظ الإسلام من تسريب الأفكار الإسرائيلية إليه والمسلمين من الوقوع في الشبهات والفتن, فعن محمد بن قيس قال: (دخل ناس من اليهود على علي بن أبي طالب, فقالوا: ما صبرتم بعد نبيكم إلا خمسا وعشرين سنة حتى قتل بعضكم بعضا!!! فقال علي بن أبي طالب (ع): قد كان صبر وخير ولكنكم ما جفت أقدامكم من [ماء] البحر حتى قلتم لموسى: ((اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) (الأعراف:138) )
وفي رواية أخرى (إن رجلاً من أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر, فقال له: أنت خليفة نبي هذه الأمة؟ قال: نعم. قال: إنا نجد في التوراة إن خلفاء الأنبياء اعلم أممهم فأخبرني عن الله أين هو أفي السماء أم في الأرض؟ فقال أبو بكر: هو في السماء على العرش. فقال اليهودي: فأرى الأرض خالية منه, واراه على هذا القول في مكان دون مكان. فقال له أبو بكر: هذا كلام الزنادقة اغرب عني, وإلا قتلتك. فولى الحبر متعجبا يستهزئ بالإسلام فاستقبله أمير المؤمنين (ع) فقال: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه, وما أجبت به, وإنا نقول: إن الله جل جلاله أين الأين فلا أين له, وجل عن أن يحويه مكان, وهو في كل مكان بغير مماسة, ولا مجاوره, يحيط علما بما فيها, ولا يخلو شئ منها تدبيره -تعالى- وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يُصَدق ما ذكرته لك فإن عرفته أتؤمن به؟ قال اليهودي: نعم. قال (ع): تجدون في بعض كتبكم أن موسى بن عمران (ع) كان ذات يوم جالسا إذ جاءه ملك من المشرق, فقال له موسى (ع): من أين أقبلت؟ فقال من عند الله عز وجلّ, ثم جاءه ملك من المغرب, فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله عز وجلّ. ثم جاءه ملك آخر [فقال له: من أين جئت؟] [ فقال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عز وجلّ] ثم جاءه ملك آخر, فقال: قد جئتك من الأرض السفلى السابعة من عند الله عز وجلّ. فقال موسى: سبحان من لا يخلو منه مكان, ولا يكون إلى مكان اقرب من مكان. فقال اليهودي: اشهد أن هذا هو الحق, وانك أحق بمقام نبيك ممن استولى عليه)
هذان مثالان من أمثلة الدفاع عن العقيدة الإسلامية على لسان أمير المؤمنين (ع) وهما ينبئان عن تتبع أمير المؤمنين (ع) لما يطرح في الساحة الإسلامية من الشبهات؛ ليردها ويعطي الصحيح, ويحفظ الإسلام من كيد الكائدين.
خامساً: قام بتربية رجال أكفاء أعدهم إعداداً رسالياً, فكانوا بحق نماذج مثالية في تحمل أعباء الإسلام, والدفاع عنه, وحفظ حريمه, وتبليغ أحكامه, وعقائده, ومفاهيمه, كـ(عمار بن ياسر, وسلمان الفارسي, والمقداد الكندي, وأبي ذر الغفاري, وعبد الله بن بديل, وعمر بن الحمق, ورُشيد الهجري, وهاشم المرقال, ومالك الأشتر... رضي الله عنهم وأرضاهم) وهؤلاء هم بحق الذين شايعوه وبايعوه؛ ولهذا نجده عندما يذكرهم يبكي كثيراً. اسمعه في خطبة من خطبه يتأوه, ويقول: (أين أخواني الذين ركبوا الطريق, ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة (قال ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء، ثم قال (ع) ): أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة, وأماتوا البدعة. دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه (ثم نادى بأعلى صوته): الجهاد الجهاد عباد الله)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com