موقع الصراط ... الموضوع : أهداف معركة بدر
 
الإثنين - 4 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أهداف معركة بدر  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 16 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) (الحج:39-40)
القتال في الإسلام وسيلة؛ لتحكيم شرعة الله لا للاعتداء على خلقه، وهذه الآية أول آية نزلت في الإذن بالقتال, والرد المسلح على المشركين؛ (ليدفعوا عن أنفسهم وعقيدتهم اعتداء المعتدين, بعد أن بلغ أقصاه, وليحققوا لأنفسهم, ولغيرهم حرية العقيدة, وحرية العبادة في ظل دين الله, ووعدهم النصر, والتمكين على شرط أن ينهضوا بتكاليف عقيدتهم التي بيَّنها لهم)
وأسباب الإذن بالقتال كما تصرح الآية الكريمة هو الظلم الذي ينصب على المؤمنين من طغاة قريش، وإخراجهم من ديارهم بغير حق.
أسباب القتال:
لم يلجأ الرسول (ص) إلى قتال قريش إلا بعد أن استنفذ كل الوسائل الأخرى من دعوة إلى الحق, وهداية إلى الصراط المستقيم, وصبر على الأذى بكل أشكاله, والرد بالحسنى، ومقابلة الإساءة بالإحسان....الخ، ولكنَّ قوى الكفر لا تفهم لغة العقل والمنطق, ولا ترتدع إلا بالحديد والنار.
والإسلام شَرَّعَ القتال لأهداف سامية منها:
1- الدفاع عن العقيدة, والنفس, والقيم الإنسانية, وعن المظلومين والمستضعفين.
2- تحطيم قوى الطواغيت المستعبِدَة للإنسانية, وإنقاذها وتخليصها من قوى الضلال والانحراف, وتعبيدها لله تعالى، يقول تعالى: ((وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً)) (النساء:75)
3- لرفع الفتنة: كثيراً ما تبدو قوى الطاغوت والتجبر كبيرة في أعين الناس، فينبهروا بها، فتخور عزائمهم, ولأجل رفع ذلك الانبهار لا بدَّ من تضعيف تلك القوى بالقتال؛ ولذا قال تعالى: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)) (البقرة:193) في الدر المنثور في تفسير الآية بطرق عن قتادة, قال: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي شرك, ويكون الدين لله ، قال: حتى يقال: لا إله إلا الله, عليها قاتل رسول الله (ص) واليها دعا وذكر لنا : إن النبي (ص) كان يقول: إن الله أمرني أن أقاتل الناس حتى: يقولوا: لا إله إلا الله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين, قال: وإن الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله يقاتل حتى يقول: لا إله إلا الله)
يقول العلامة الطباطبائي: (والإسلام إنما استعمل السيف, وشهر السلاح على الظالمين الذين لم يقتنعوا بالآيات والبراهين استعمل القوة في سبيل من وقف حجر عثرة في سبيل الدعوة إلى الحق أجهَزَ السلاح, لدفع شر المعاندين لا إلى إدخالهم في حظيرة الإسلام، يقول جل شأنه: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) فالقتال إنما هو لدفع الفتنة لا لاعتناق الدين والعقيدة. فالإسلام لا يقاتل عبطة واختيارا, وإنما يحرجه الأعداء فيلتجئ إليه اضطرارا, ولا يأخذ منه إلا بالوسائل الشريفة فيحرم في الحرب والسلم التخريب والإحراق والسم وقطع الماء عن الأعداء كما يحرم قتل النساء والأطفال, وقتل الأسرى، ويوصي بالرفق بهم والإحسان إليهم مهما كانوا من العداء والبغضاء للمسلمين, ويحرم الاغتيال في الحرب والسلم, ويحرم قتل الشيوخ والعجزة, ومن لم يبدأ بالحرب, ويحرم الهجوم على العدو ليلا (وانبذ إليهم على سواء) ويحرم القتل على الظنة والتهمة والعقاب قبل ارتكاب الجريمة إلى أمثال ذلك من الأعمال التي يأباها الشرف والمروءة، والتي تنبعث من الخسة والقسوة والدناءة والوحشية.
كل تلك الأعمال التي أبى شرف الإسلام ارتكاب شيء منها مع الأعداء في كل ما كان له من المعارك، والحروب قد ارتكبتها بأفظع صورها وأهول أنواعها الدول المتمدنة في هذا العصر الذي يسمونه عصر النور نعم أباح عصر النور قتل النساء والأطفال والشيوخ والمرضى، والتبييت ليلاً، والهجوم ليلا بالسلاح والقنابل على العزل والمدنيين الآمنين, وأباح القتل بالجملة.
ألم يرسل الألمان في الحرب العالمية الثانية القنابل الصاروخية إلى لندن فهدمت المباني، وقتلت النساء والأطفال والسكان الآمنين؟! ألم يقتل الألمان ألوف الأسرى؟! ألم يرسل الحلفاء في الحرب الماضية ألوف الطائرات إلى ألمانيا لتخريب مدنها؟! ألم يرم الأمريكان القنابل الذرية على المدن اليابانية؟وبعد اختراع وسائل الدمار الحديثة كالصواريخ والقنابل الذرية والهيدروجينية لا يعلم إلا الله ماذا يحل بالأرض من عذاب وخراب ومآسي وآلام إذا حدثت حرب عالمية ثالثة, ولجأت الدول المتحاربة إلى استعمال تلك الوسائل، أرشد الله الإنسان إلى طريق الصواب, وهداه الصراط المستقيم)
ونضيف إلى كلام العلامة الطباطبائي: ألم ترمِ أمريكا القنابل المحرمة دولياً - فضلاً عن تحريم الإسلام - على جنوب العراق في حرب الخليج الثانية؟ وكان في تلك القنابل مادة (اليورانيوم) والتي يمتد أثرها على البيئة البشرية بل والطبيعية لعدة أجيال, وقد بان أثره اليوم بعد مضي أكثر من عشر سنوات بانتشار مرض السرطان بين سكان المنطقة, وظهرت حالات التشوه في أجنة الحوامل, ومن قبل ذلك استعمل عميلها صدام الأسلحة الجرثومية في حلبچة ومناطق أخرى من العراق, وقتل آلاف الأبرياء على مرأى ومسمع من المنظمات الإنسانية, ولم ينفث أحد ببنت شفة.
4- لرفع الحواجز أمام انتشار الدعوة, وتطبيق شرعة الله تعالى: ففي الفقه الإسلامي على القائد أن يدعو سكان البلد الذي يروم فتحه إلى الإسلام, ويطلب منهم أن يفسحوا المجال ؛ لنشر رسالة الله في أوساطهم فإن امتنعوا ووقفوا في وجه الدعوة فحينئذ يقاتلهم؛ لينشر الإسلام في تلك البلاد (وإن لم يمنعوا من الدعوة, ولا هددوا الداعي, ولم يؤذوا المؤمنين, فإن زاحموهم في تشكيل الحكومة الإسلامية التي هي القوة المجرية للقوانين الإسلامية يكون القتال واجبا لذلك, وإذا لم يزاحموهم حتى في ذلك لا يجب القتال والجهاد, وعلى أي تقدير ليس القتال للإكراه في الدين. وبهذا الذي ذكرناه يظهر الجواب عما ربما يورد على الإسلام في تشريعه الجهاد: بأن الإسلام قام بالسيف, وإنه ليس ديناً إلهياً؛ لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء , وأن العقائد الإسلامية خطر على المدنية, ولذلك ربما سماه بعضهم كالمبلغين من النصارى بدين السيف والدم, وآخرون بدين الإجبار والإكراه؛ ليكون الدين لله والعبودية لله لا للبشر)... فلا يكون هناك - حينئذ - سلطان في الأرض لغير الله تعالى, ولا يدين العباد يومئذ لسلطان قاهر إلا سلطان الله, فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية ترك الناس أفراد يختارون عقيدتهم أحرارا من كل ضغط.
5- وقد حدد القرآن الكريم الذين يجب على المؤمنين قتالهم في ستة أصناف:
أ- الذين يقاتلون المسلمين: فالدفاع عن النفس أمر فطري وشرعي في ذات الإنسان ولذا جاء الأمر صريح في القرآن الكريم: ((وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا)) (البقرة: 190)
ب- أولياء الشيطان: وهم جميع الذين ساروا في غير خط الله تعالى من الكفار الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت. يقول تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)) (النساء:76)
ج- أئمة الكفر: وهم رؤوس الضلال الذين يقودون الناس إلى الكفر والشرك: فهم: (رؤساء الكفر والضلالة, وخصهم ؛ لأنهم يضلون أتباعهم, قال الحسن: أراد به جماعة الكفار, وكل كافر إمام لنفسه في الكفر, ولغيره في الدعاء إليه, وقال ابن عباس وقتادة: أراد به رؤساء قريش مثل الحارث بن هشام, وأبي سفيان بن حرب, وعكرمة بن أبي جهل, وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد, وكان حذيفة, يقول: لم يأت أهل هذه الآية بعد, وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم, وقرأ علي (ع) هذه الآية يوم البصرة ثم قال: أما والله لقد عهد إلي رسول الله (ص) وقال: يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة, والفئة الباغية، والفئة المارقة إنهم لا إيمان لهم، وعن أبي جعفر (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): يا معشر المسلمين قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون , ثم قال: هؤلاء القوم هم ورب الكعبة يعني أهل صفين والبصرة والخوارج) ((فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)) (التوبة:12) وسماهم أئمة الكفر, لأنهم السابقون في الكفر بآيات الله ممن يتبعهم غيرهم ممن يليهم يقاتلون جميعاً)
وواضح في الآية الكريمة أن الغرض من قتال أئمة الكفر هو إيقاف نشر تيار الكفر والضلال المتمثل في رؤوس الكفر الذين تتبعهم الناس (وعامة الناس تَبَعٌ لزعمائهم ورؤسائهم فينبغي أن يكون الهدف القضاء على رؤسائهم وأئمتهم؛ لأنهم أساس الضلال والتضليل والظلم والفساد, فاستأصلوا شجرة الكفر من جذورها وأحرقوها. فمواجهة الكفار لا تجدي نفعا ما دام أئمتهم في الوجود)
د- الذين لا يؤمنون بالله, وباليوم الآخر, ولا يدينون دين الحق: لا شك أن الإسلام يريد أن يقضِ على العقائد الفاسدة والمحرفة عن شرعة السماء, ويهدي الناس إلى العقيدة الحقة وعندما لا يتقبلون الدليل العقلي ولا المنطقي، ولا يستجيبون لدعوة الحق والعدل, ويصرون على غيهم فقد جعل الله أمامهم أحد طريقين : إما القتال, وإما دفع الجزية عن يد وهم صاغرون, يقول تعالى: ((قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الأخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)) (التوبة:29)
ه- المشركون كافة : وهم كل الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى فعلى المسلمين أن يقاتلوهم جميعا متحدين كما يقاتلونهم هم جميعا, يقول تعالى: ((وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)) (التوبة:36)
و- البغاة: (الفئة الباغية هي الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام العادل, قال النبي (ص): (ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية) يقول الشهيد الثاني في اللمعة (من خرج على المعصوم من الأئمة فهو باغ سواء كان واحد كابن ملجم (لع) أو اكثر كأهل الجمل وصفين) ويقول السيد الخوئي في منهاجه تحت عنوان قتال أهل البغي: (وهم الخوارج على الإمام المعصوم الواجب طاعته شرعاً)؛ لأن الباغي ظالم, والظالم ينبغي أن يوقف, ويؤدب, ويردع ظلمه, يقول تعالى: ((فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ)) (الحجرات:9)
وعند التأمل في هذه الموارد نجد أن الإسلام إنما أمرنا بالقتال في حالة عدم نفع الوسائل الأخرى من الدعوة, والجدال, والإقناع, وبعبارة أخرى من يعجز المنطق أن يقنعه, لابد للسيف أن يردعه. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى للقتال في الإسلام أغراضه وأهدافه الإلهية التي تقدم ذكر بعضها, ومن خلال هذه الآيات تبين أنها هي القضاء على كيد الشيطان بمختلف أشكاله , وإيقاف حركة أئمة الكفر, ودعواتهم الباطلة للقضاء على الكفر, والشرك, والظلم, والبغي والعدوان.... هذه هي أهم أهداف القتال في الإسلام.

يوم الفرقان:
((وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)) (الأنفال:41-42)
يوم من أيام الله العظيمة, وهو أول يوم أعز الله فيه الإسلام, وأذل الشرك, وكان مفتاح النصر, ونقطة الانطلاق الكبرى التي كسرت شوكة الكفر, وركزت دعائم التوحيد... ذلك هو يوم بدر الذي فرق الله به بين الحق والباطل, وأطفأ شرارة الكفر , وأشرقت فيه شمس الإسلام.
وأهداف هذه المعركة لم تكن أهدافا اقتصادية للسيطرة على أموال قريش, كما كانت العرب تصنع ذلك في جاهليتها عندما تغزو بعض القبائل بعضاً- وإن حق له (ص) ذلك- وإنما كانت هناك أهدافاً رسالية كان (ص) يطمح إلى تحقيقها, وفق المخطط الرباني لرسالته, وأهم هذه الأهداف هي:
1- إن قريش كانت ذات هيبة كبيرة في الجزيرة العربية كافة ماسكة بزمام الأمور , ومسيطرة على المستضعفين, وكانت تلك الهيبة مانعاً قوياً لدخول الناس في شريعة الله فالرسول (ص) كان يهدف إلى كسر تلك الهيبة لقريش في نفوس العرب في مكة والمدينة, وبقية القبائل الأخرى في الجزيرة العربية؛ ولذلك عندما كُسرت هيبة قريش في فتح مكة دخل الناس إلى الإسلام أفواجاً.
إذن لما كانت قريش هي العقبة الوحيدة التي كانت تقف عائقاً كبيراً في وجه انتشار الإسلام, وامتداده إلى البقاع الأخرى كان من الأمور اللازمة أن تُحطم كبرياؤها؛ لتمتد الدعوة إلى بقية البقاع, وقد كان رسول الله (ص) يبدؤهم بالقتال ويتعرض لقوافلهم, ويضغط على اقتصادهم من خلال إرسال السرايا؛ للتعرض لقوافل مكة التجارية بينها وبين الشام واليمن , وقد سبقت معركة بدر خمسة سرايا قاد بعضاً منها بنفسه (ص) وبعضاً قادها بعض أصحابه؛ ليقطع عصب الحياة عنها, وليجبرها على الاعتراف بقوة المسلمين.
2- للفت أنظار المستضعفين في الجزيرة العربية أن مركز القوى ليس قريشا وإنما المسلمون هم القوى الكبرى التي ستسيطر على مقدرات الجزيرة العربية.
هذه هي الأهداف الجوهرية لمعركة بدر... وأما غيرها فكان استثناء.
أسباب انتصار المسلمين:
رغم أن عدد المسلمين وعِدتهم بالنسبة إلى قريش قليلة جداً- فقد جهزت قريش جيشاً جراراً كان قوامه بين ألف وبين تسعمائة مقاتل تتقدمهم القيان بالدفوف والأناشيد الحماسية وساقوا معهم سبعمائة بعير ومائة فرس يقودها كبار عتاة قريش, وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتل, وليس معهم إلا فرس واحد وسبعين بعيرا, ورغم ذلك تحقق النصر لعدة أسباب منها:
1- إن رسول الله (ص) هيأ الأجواء النفسية للمعركة من خلال إرسال السرايا التي أرسلها وأمرها أن تتعرض لقوافل قريش كمحاولة للتحرش بها فقد أرسل مجموعة سرايا استطلاعية وقتالية إلى طرق قوافل قريش قاد بنفسه ثلاثة سرايا وغزوات قبل بدر هي:
غزوة الأبواء بعد اثني عشر شهراً من الهجرة ؛ ليضغط على قريش, وفيها عقد مع بني ضمرة هدنة، ومنها غزوة بواط وكانت متكونة من مئتي مقاتل، ومنها غزوة العشير أعطى فيها اللواء لحمزة, ولم يظفر بالقافلة إلا أنه وادع اليهود والمنافقين, وأخذ عليهم العهود أن لا يساعدوا قريشاً. كما كانت هناك غزوات أخرى... بكل ذلك هيأ الأجواء النفسية للمعركة مما جعل المسلمين يتشوقون لها.
2- أخذ زمام المبادرة والتحول من دور الدفاع إلى دور الهجوم, والسيطرة على ساحة المعركة مما جعل العدو في موضع الدفاع فقد سبق قريش إلى المواقع المهمة كما سيطر على الماء, وأحرز المقدار الكافي منه وجعله في أحواض.
3- جَمعُ المعلومات, واستطلاع الأرض, والمواقع المهمة, والتعرف على قوة العدو، يقول المؤرخون أن النبي (ص) (بعث علياً والزبير بن العوام وبسيس بن عمره يتجسسون الأخبار على الماء, وأشار لهم إلى موقع (ظريب) فقال: أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب الذي يلي الظريب والقليب بئر بأصل الظريب (والظريب: جبل صغير) فاندفعوا تلقاء الظريب فوجدوا على القليب روايا قريش منها سقاؤهم فآسروهم , وأفلت بعضهم)
وأتوا بالأسرى إلى النبي (ص) وهو قائم يصلي: (فقالوا نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء, فكره القوم خبرهم, ورجوا أن يكونوا لأبي سفيان، وأصحاب العير, فضربوهم, فلما أذلقوهم بالضرب, قالوا نحن لأبي سفيان, ونحن في العير, وهذا العير بهذا القوز, فكانوا إذا قالوا ذلك يمسكون عن ضربهم, فسلم رسول الله (ص) من صلاته, ثم قال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم, فقال أصحابه (ع): إنهم يا رسول الله, يقولون إن قريشاً قد جاءت فقال: لقد صدقوكم خرجت قريش تمنع عيرها, وخافوكم عليها, ثم أقبل (ص) على السقاء فقال: أين قريش؟ فقالوا: خلف هذا الكثيب الذي ترى, قال: كم هم؟ قالوا: كثير, قال: كم عددهم؟ قالوا: لا ندري, قال: كم ينحرون؟ قالوا: يوماً عشرة، ويوماً تسعة, فقال: القوم ما بين الألف والتسعمائة)
4- السرية والكمان: فقد تكتم (ص) على جميع تحركاته بدقة متناهية. فعندما التقي سفيان الضمري فقال (ص): (- من الرجل؟
- بلى من أنتم؟
- تخبرنا ونخبرك.
- وذاك بذاك؟
- نعم.
- فاسألوا عما شئتم.
- أخبرنا عن قريش.
- بلغني أنهم خرجوا يوم كذا من مكة, فإن كان الخبر صادقا فإنهم بجنب هذا الوادي,
- فمن أنتم؟
- نحن من ماء, وأشار بيده نحو العراق, فجعل الضمري يقول: من ماء أي ماء من العراق أم من غيره؟ ثم انصرف رسول الله (ص) إلى أصحابه)
5- روح التطلع إلى الشهادة عند الكثير من المقاتلين, والتفاني والاستماتة في سبيل الله، والشوق إلى الجنة مما جعلهم يتنافسون في الخروج إلى المعركة بإصرار. (وندب رسول الله (ص) المسلمين, وقال: هذه عير قريش, فيها أموالهم لعل الله أن يغنمكموها. فأسرع من أسرع, حتى كان الرجل ليساهم أباه في الخروج, فكان ممن ساهم أباه سعد بن خيثمة, فقال سعد لأبيه: إنه لو كان غير الجنة لآثرتك به, إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا, فقال خيثمة: آثرني وقر مع نسائك فأبى سعد فقال خيثمة إنه لابد لأحدنا من أن يقيم, فاستهما, فخرج سهم سعد, فقتل ببدر, وأبطأ عن النبي (ص) بشر كثير من أصحابه, وكرهوا خروجه, وكان في ذلك كلام كثير واختلاف وبعضهم تخلف من أهل النيات والبصائر, لم يظنوا انه يكون قتال, إنما هو خروج للغنيمة, ولو ظنوا أنه يكون قتال لما تخلفوا, منهم أسيّد بن حضير, فلما قدم رسول الله (ص), قال أسيّد: الحمد لله الذي سرك وأظهرك على عدوك, والذي بعثك بالحق ما تخلفت عنك رغبة بنفسي عن نفسك، ولا ظننت أنك تلاقي عدوا, ولا ظننت إلا أنها العير, فقال له رسول الله (ص): صدقت)
وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: (رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله (ص) يتوارى, فقلت: مالك يا أخي؟ فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله (ص) ويستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة, قال: فعرض على رسول الله (ص) فاستصغره فقال: ارجع فبكى عمير فأجازه رسول الله (ص) قال: فكان سعد يقول: كنت أعقد له حمائل سيفه من صغره ببدر وهو ابن ست عشر سنة)
نعم كانت روح الشوق إلى الشهادة هي الغالبة على المؤمنين يوم بدر حتى أن أحدهم عندما يسمع رسول الله (ص) يقول: (والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة, فقال عمير ابن أخو بني سلمة, وفي يده تميرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء, ثم قذف التميرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه الله تعالى)
وأصدق وصف لأصحاب رسول الله وصف عمير بن وهب الجمحي وكان صاحب قداح أرسلته قريش؛ ليستطلع لها جيش رسول الله (ص) فلما رجع قال: (يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا, نواضح يثرب تحمل الموت الناقع, قوم ليست لهم منعة، ولا ملجأ إلى سيوفهم ألا ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي, والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منا رجلا فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فما خير في العيش بعد ذلك فارتؤا رأيكم)
ويصفهم أبا أسامة الجشعمي, وقد أرسلته قريش بعد عمير بن وهب؛ ليتأكد لهم الخبر فقال عندما سألوه ما رأيت؟ (والله ما رأيت جَلَدَاً, ولا عدداً, ولا حَلْقة, ولا كُراعاً, ولكنني والله رأيت قوما لا يريدون أن يردوا إلى أهليهم! رأيت قوما مستميتين, ليست معهم مَنَعَة, ولا ملجأ إلا سيوفهم, زرق العيون, كأنهم الحصا تحت الحجف)
6- قيادة الرسول الأعظم (ص) الحكيمة: حيث استطاع أن ينظم جيشه بأسلوب مبتكر لا تعرفه العرب, وأن يسلم قيادة الكتائب والسرايا إلى رجال أكفاء أشداء كعلي (ع) وحمزة بن عبد المطلب, ومصعب بن عمير رضي الله عنهما, وأن يوقد في أنفسهم شعلة الأمل في النصر, ويدفع بهم إلى المعركة بشوق رغم قلة العدد, فقد كانوا يتعاقبون البعير الثلاثة والأربع وعندما رأى حالهم رفع يده داعياً الله تعالى: (اللهم إنهم حفاة فأحملهم, وعراة فأكسهم, وجياع وعالة فأغنهم من فضلك, قال فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهراً للرجل البعير والبعيران واكتسى من كان عارياً, وأصابوا طعاماً من أزوادهم, وأصابوا فداء الأسرى فأغنى به كل عائل)
هكذا استطاع (ص) أن يبعث في نفوسهم الأمل بالنصر, فبعد أن استشارهم, وشحذ عزائمهم قال (ص): (سيروا على بركة الله, فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. والله, لكأني أنظر إلى مصارع القوم.
قال الواقدي: وأرانا رسول الله (ص) مصارعهم يومئذ, هذا مصرع فلان, وهذا مصرع فلان فما عدا كل رجل مصرعه. قال: فعلم القوم أنهم يلاقون القتال, وأن العير تَفّلت، ورجوا النصر؛ لقول النبي (ص) )
7- الطاعة المطلقة له من أصحابه (ص) ولذا عندما, قال (ص) أشيروا عليَّ وهو يريد أن يمتحن عزائمهم, فقال له المقداد رضي الله عنه: (يا رسول الله امضِ لأمر الله فنحن معك, والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: ((فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)) ولكن نقول أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون, فوالذي بعثك بالحق, لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه, فقال له رسول الله خيرا ودعا له به)
(ثم قال (ص): أشيروا عليَّ أيها الناس، وإنما يريد رسول الله (ص) الأنصار, وذلك أنهم كانوا عدد الناس, فقال سعد بن معاذ: كأنك يا رسول الله إنما تريدنا؟ قال: أجل, فقال سعد: قد آمنا بك وصدقناك, وشهدنا بما جئت به أنه الحق, وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة, فامضِ بنا يا نبي الله لما أردت فنحن معك, والذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر, وخضت بنا لخضناه معك ما بقى منا رجل, وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً, إننا لصُبَر عند الحرب, صِدَّقٌ عند اللقاء . لعل الله يريك منا بعض ما تقر به عينك, فَسُرَ بذلك رسول الله)
ولم يجد (ص) من أصحابه تخاذلاً إلا من أحدهم ممن لم يكن له دور معلوم في تلك المعركة قال: (يا رسول الله, إنها والله قريش وعزها, والله ما ذلت منذ عزت, والله ما آمنت منذ كفرت, والله لا تسلم عزها أبداً, ولتقاتلنك, فاتهب لذلك أهبته, وأعد لذلك عدته, فقال له رسول الله: اجلس)
8- الإمداد الغيبي: لقد كان رسول الله (ص) بدعائه يستمطر النصر, ويستنزل العون, وفي كل مكان يدعوا ويهتف حتى سقط ردائه عن كتفه: (اللهم إن تُظْهِر على هذه العصابة يَظهر الشرك، ولا يَقُم لك دين)
فأنزل الله: ((إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)) (الأنفال:9-12)
قال الواقدي: (وبعث الله السماء, وكان الوادي دهسا -أي كثير الرمل- فأصاب المسلمين ما لبد الأرض, ولم يمنعهم من المسير, وأصاب قريشا ما لم يقدروا معه أن يرتحلوا منه, وإنما بين الطائفتين قوز من رمل... وأصاب المسلمين تلك الليلة النعاس ألقى عليهم, فناموا، ولم يصبهم من المطر ما يؤذيهم.
قال الزبير بن العوام: لقد سلط الله عليهم النعاس تلك الليلة, حتى إني كنت لأتشدد والنعاس يجلد بي الأرض فما أطيق إلا ذلك, فكان رسول الله (ص) وأصحابه على مثل ذلك الحال.
وقال سعد بن أبي وقاص: لقد رأيتني, وإن ذقني بين ثديي, فما أشعر حتى أقع على جنبي...
وقال رفاعة بن رافع بن مالك: لقد غلبني النوم, فاحتلمت حتى اغتسلت آخر الليل)
وبهذه الأسباب نصر الله المسلمين على الكافرين فأعز دينه وأذل أعداءه...
نتائج معركة بدر:
كان يوم الفرقان يوماً عظيماً بل أعظم أيام الله تعالى وكانت نتائجه:
1- أعز الله به الإسلام وأذل الكفر والشرك.
2- قويت شوكة المسلمين, وأصبحت المدينة مركز القوى في الجزيرة العربية , وانكسرت شوكة قريش, وذهبت هيبتها. وأصبح الإسلام قوة مرهوبة.
3- ارتفعت معنويات المسلمين, وانبعث الأمل في نفوسهم, وصاروا يتطلعون؛ لنشر الدعوة في كل أنحاء الجزيرة العربية, بل لما هو أوسع.
4- أغنى الله المسلمين من فضله بما غنموه في المعركة من أسلحة ودروع وجمال وخيل, وبما درت عليهم المعركة من أموال فداء الأسرى.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com