موقع الصراط ... الموضوع : العلاقة العضوية داخل الجماعات الاسلامية-5
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العلاقة العضوية داخل الجماعات الاسلامية-5  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 21 / رمضان / 1433 هـ
     
  ثالثاً: الطاعة:
لا بد من الطاعة في أي عمل جمعي منظم سواء في مجال الدولة أو في الجماعة أو في العائلة أو في المدرسة أو في المعمل أو في أي دائرة اجتماعية أخرى.
والخلاف بين المذاهب السياسية قائم حول مصدر الطاعة والالتزام بها في المجال السياسي، فالديمقراطية تذهب إلى أن إرادة الشعب هي مصدر شرعية الطاعة.
والناس هم الذين يلزمون أنفسهم بطاعة المقررات والقوانين عن طريق العقد الاجتماعي والانتخاب.
ونحن نعتقد أن حق الطاعة لله تعالى، فله عز شأنه وحده (الولاية والأمر والنهي) وليس لإنسان على إنسان آخر ولاية، إلاّ أن يأمر الله تعالى.
فالمصدر الشرعي للطاعة هو حكم الله عز وجل، وأي طاعة مشروعة أخرى لا بد أن تنحدر من هذا المصدر، سواءً كان ذلك طاعة النبي أو الإمام المعصوم، أو الفقيه، أو ممثلي الفقيه، أو الأجهزة التنفيذية التي تكتسب شرعيتها من قبل الفقيه في الدولة الإسلامية.
و(الجماعة) حالة جمعية منظمة من داخل الأمة وقوامها القيادة والطاعة، ولا تستطيع الجماعة أن تؤدي دورها التنظيمي والقيادي إلاّ من خلال الطاعة.
ولا يختلف السلم الشرعي للطاعة في الجماعة عنه في داخل الأمة ولا بد أن تتسلسل الطاعة إلى طاعة الولي الفقيه ثم الإمام المعصوم الذي ينوب عنه الفقيه.
والطاعة تتطلب أن يتجاوز الإنسان مزاجه وذوقه ورأيه في العمل عندما يغاير القرار هواه ومزاجه ولربما رأيه في العمل، وذلك حتى ينسجم الفرد مع العمل الجمعي ومن غير ذلك لا تتم الطاعة فليس من الطاعة أن يستجيب الإنسان لكل قرار ينسجم مع رغباته وآرائه ويخالف القرار الذي يغاير رأيه وهواه.
وقيمة الطاعة الحقيقية تبرز عندما يكون القرار غير منسجم مع رغبات الإنسان ومزاجه وهواه وهو المحك الحقيقي لاختبار طاعة الإنسان.
ولا شك أن للطاعة سواء في مجال الجماعة أو الدولة الإسلامية قيمة عبادية يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى عندما تكون الطاعة نابعة من مصدر شرعي، ويلتزم بها الإنسان تقرباً إلى مرضاته عز وجل.
ولا شك أن قيمة الطاعة من الناحية العبادية تختلف باختلاف درجة معاناة الانسان في الطاعة، فكلما كانت الطاعة تتطلب من الإنسان معاناة نفسية أكثر لمغالبة رأيه ومزاجه وذوقه الشخصي كانت قيمة الطاعة هذه أكثر وعطاؤها أكثر أيضاً.
أما عندما يحكّم الإنسان ذوقه ومزاجه الشخصي وهواه أحياناً على القرار الصادر من قبل الجماعة فيقبل منه ما ينسجم معه ويرفض منه ما لا ينسجم معه فلا يكون من الطاعة في شيء.
وأكثر ما يمتحن الله عباده في الطاعة في هذه المواضع وأكثر ما يخرج الناس عن ربقة الطاعة في هذه الحالات.
ولا يعدم الإنسان في مثل هذه الحالات ان يغطي خروجه على الطاعة بمبررات فكرية، وما أكثر المذاهب المنحرفة التي تشعبت في الإسلام من هذا المنطلق بالذات،وما اكثر ما ترتب على ذلك من فلسفات وآراء ومناقشات ومطارحات فكرية.
وعندما يتتبعها الإنسان ويستبطن أصحابها ويبحث عن خلفياتها وظروفها يجد ان جذورها تمتد إلى الهوى وقد يكون أحدنا مطاوعاً للقرار، مستجيباً له مسرعاً إلى تنفيذه، ويتصور انه ينطلق في موقفه من منطلق الطاعة، فإذا اصطدم القرار في حال من الأحوال بذاته أو ببعض مشتهياته ومصالحه، أخذ يناقش - ولا ننتقص من قيمة المناقشة - ويحرّض على القرار ويحدد لنفسه موقفاً ثم يغطيه بما شاء من الفكر والرأي.
فالطاعة موقف نفسي قبل أن يكون موقفاً عملياً، أنها التنازل عن الذات في قبال القرار والقانون الذي يستمد شرعيته من الله عز وجل والتخلي عن الرغبات الشخصية والذوق والمزاج، عندما يصطدم القرار بذاته أو يغاير رغباته وهواه.
والتربية الصحيحة داخل الجماعة، والسعي لتهذيب النفس، هو الذي يمكّن الداعية من نفسه ويمنحه القدرة على تجاوز الذات والاستجابة للقرار عندما لا يوافق القرار مصالحه الشخصية ورغباته..
إن الأحزاب المادية والعلمانية تواجه أزمة الطاعة في داخل الجماعة بالإجراءات والعقوبات الصارمة وهو إلى حد ما معقول وضروري إلاّ أن هذه الإجراءات لا تكاد تعالج المشكلة من الأساس.
والمواجهة الصحيحة للمشكلة لا بد أن تبدأ من تربية الدعاة على التخلي عن الذات ومغالبة الهوى والاندكاك في مقتضيات العمل الجمعي والمصلحة الإسلامية، وخير ما يبتغي به الإنسان مرضاة ربه سبحانه وتعالى أن يتنازل عن هواه ومزاجه في سبيل الله.
و(التقوى) في حقيقتها هي التخلي عن الذات ومغالبة الهوى من أجل تحقيق مرضاة الله تعالى، والالتزام بحدوده.
والتربية الصحيحة للجماعة الإسلامية هي التي تمكن التقوى من نفس الداعية وتدربه على السيطرة على الهوى والذات.. ومن هنا يمكن بناء الجماعة بناءً إسلامياً سليماً.
وأما عندما يختلف رأي الداعية عن القرار ولا يكون الرأي جسراً للهوى، فله حكم آخر وحديث آخر.
فأما أن يكون الخلاف في حكم شرعي يختلف فيه الداعية اجتهاداً أو تقليداً عن الرأي الصادر من قبل الجماعة. فلا يمكن أن يطلب من الداعية في هذه الحالة الالتزام والطاعة، والطاعة هنا تساوي المعصية.
وأما أن يكون الاختلاف في الرأي في منطقة الفراغ التي تركها الشارع لأولياء أمور المسلمين ليملؤها بما تحقق المصلحة الإسلامية من أحكام تتطلبها الحاجة أو المصلحة وهي الدائرة التي يتولى أمرها الفقيه الجامع للشرائط.
وفي مثل هذه الحالة يلتزم الداعية بالطاعة، والتنازل عن رأيه، لأن جوهر الطاعة ان يتنازل الإنسان عن رأيه الشخصي عندما يختلف رأيه عن قرار ولي أمر المسلمين.
فلا يجوز أن يتمسك برأيه الشخصي عندما يغاير الحكم الصادر من قبل ولي الأمر الفقيه ولا يمنع ذلك أن يناقش القرار بل يجب عليه أن يبادر لمناقشة الرأي لتسديده، وهذا هو معنى النصيحة لأولياء الأمور وأئمة المسلمين، ومع ذلك فلا تجوز له المخالفة وتجب عليه الطاعة.
إلاّ إذا كان يعتقد ان الخطأ في القرار ناشئ من قصور أو تقصير في ولي الأمر، ومعنى القصور: عدم الكفاءة، فيما إذا كان القصور يسري إلى تكوين الرأي والموقف، ومعنى التقصير الإهمال والتسرع في القرار من دون استشارة أصحاب الرأي، والاستبداد بالرأي.
في غير هاتين الحالتين: القصور المخل بالكفاءة والتقصير المخل بالعدالة، وهما حالتان نادرتان تبقى ولاية ولي الأمر الفقيه نافذة على المسلمين في كل دوائر المجتمع، وان كان الفرد يختلف في الرأي عن الحاكم، ويقطع بعدم صحة رأي ولي الأمر وقراره في نطاق الجماعة أو في نطاق الدولة الإسلامية.
ولا تختلف الجماعة في ذلك عن الدولة الإسلامية فكما أن ولاية أجهزة الدولة التنفيذية المختلفة تتسلسل في سلم صاعد إلى ولي الأمر الفقيه وتستقي شرعية ولايتها ونفوذ أحكامها في كل أجهزة الدولة من ارتباطها بولي الأمر الفقيه كذلك الحزب الإسلامي لابد ان تسري الولاية في كل أجهزة الجماعة التنظيمية والحلقية ولابد من الطاعة أيضاً لها جميعاً حسب تسلسل حلقات سلم الجماعة إلاّ ان الولاية والطاعة في هذه الحلقات جميعاً تكتسب شرعيتها من ارتباطها بولي الأمر الفقيه المتصدي وهو الفقيه العادل الكفوء.
ولا تعني كلمة: (الجماعة) أن الجماعة دائرة منغلقة على نفسها في مجال الطاعة ومنفصلة عن الأمة وليس شيء أضر بالجماعة من هذه التصور الذي يعزله عن الأمة الكبيرة، ويفقده دوره الفاعل المؤثر القيادي في داخل الأمة.
إن جماعتنا جزء لا ينفصل من هذه الأمة تجري عليه أحكامها والتزاماتها وولي الأمر الفقيه الذي يتصدى لشؤون الأمة، ينفذ حكمه على الجماعة كأي شريحة اجتماعية أخرى في داخل الأمة، وذلك أن الجماعة جزء من هذه الأمة، والفقيه الذي يتصدى لشؤون الأمة يتصدى لشؤون كل أجزائها ودوائرها وشرائحها والتنظيمات والحركات القائمة فيها.
وعليه فإن حكمه ينفذ على الجماعة وتجب طاعته في كل حكم وقرار يتخذه.
وهناك جانب آخر من الأمر يجب أن نوليه اهتماماً خاصاً في ثقافة الدعوة.
إن حالات الخروج على أوامر الجماعة وعدم الطاعة في أي جماعة من الجماعات لا تبدأ بصورة واضحة من أول الأمر، وإنما تبدأ ببدايات خفيفة وغير مرئية، ثم تتطور وتتضاعف وتتخذ صوراً وقوالب فكرية وتنظيمية.
وإذا كان من الصعب معالجة هذه الحالات بعدما تتطور وتأخذ مجرى سلبياً، فإن من السهل معالجتها في بداياتها.
ومسؤولية المشرف في أيّ حلقة ثقافية وتنظيمية أن يتابع هذه البدايات والجذور النفسية عند أفراد حلقته، ويكتشفها اكتشافاً ضمن تعامله معهم، ومن السهل اكتشاف هذه الجذور النفسية عند الأفراد في بداياتها بشيء من التدقيق في سلوك الفرد في الجماعة وحديثه وعلاقاته.
فإذا اكتشف المسؤول هذه البدايات في نفس أي عضو يرتبط بحلقته يعطي اهتماماً خاصاً لمعالجة هذه الظواهر النفسية في بداياتها، ويهتم بتربيته وتزكيته وتهذيبه قبل أن تستفحل هذه الحالات ويصعب علاجها ضمن برامج تربوية.
كما أن من الخطأ استبعاد هذه العناصر غير المطلوبة للعمل، وإنما ينبغي أن يجهد المسؤول في احتضانهم واحتضان سلبياتهم ما كان إلى ذلك سبيل، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلاً أوكل أمرهم إلى الله تعالى.
وفي مجال تحمل المسؤوليات ينبغي أن لا يقتصر المسؤول على كفاءة الفرد في تحميله للمسؤوليات، وإنما يؤخذ بنظر الاعتبار قدرته على تجاوز نفسه ونكران ذاته وتقواه بالإضافة إلى كفاءاته ومواهبه.
ونلخص ما تقدم من حديث عن الطاعة في النقاط التالية:
1- الطاعة من أهم مقومات التنظيم ومن دون الطاعة لا تستطيع الدعوة أن تؤدي دوراً فعالاً في الأمة.
2- لا طاعة لمخلوق من دون إذن الله، وإنما الطاعة لله تعالى، ولمن يأمر الله تعالى بطاعته، وأي طاعة لا تتصل حلقاتها بطاعة الله، ولا تقع في امتداد طاعة الله فهي طاعة غير شرعية، فإن الطاعة من مقولة (التوحيد)، ولا يستحق إنسان على إنسان حق الطاعة، إلاّ إذا كانت هذه الطاعة تتصل بطاعة الله تعالى، ولو كان ذلك عبر عدة حلقات.
3- حكم ولي الأمر الفقيه المتصدي لشؤون الأمة نافذ على الجماعات المنظمة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأمة.
4- الطاعة قيمة عبادية تقرب الداعية إلى الله عز وجل إذا طلب فيها الفرد وجه الله تعالى.
5- تختلف قيمة الطاعة باختلاف درجة المعاناة التي يلقاها الفرد في الطاعة، وتبرز قيمة الطاعة في أعلى مستوياتها، عندما يعاكس الإنسان هواه في طاعة الله وطاعة أولياء الأمور، وعندما يغاير القرار رغباته النفسية ومزاجه الشخصي فينفذ القرار الجماعي إيثاراً للمصلحة الإسلامية على رغباته ومزاجه.
6- فالطاعة موقف نفسي في مغالبة الهوى يترتب عليه موقف عملي في امتثال أوامر الجماعة وقراراتها.
7- وكثيراً ما يتذرع الإنسان في تغطية أهوائه الشخصية عندما لا ينسجم مع القرار والموقف الشرعي بالأفكار والنظريات التبريرية. 8- الأحزاب المادية والعلمانية تحاول أن تواجه أزمة الطاعة بالقرارات والإجراءات الحزبية الصارمة، بينما نحن نستطيع بما أتانا الله تعالى من وعي وبصيرة في دينه، أن نعالج المشكلة من حيث المبادئ وأن نناقشها بالتربية الإسلامية الصحيحة قبل أن نلجأ إلى مثل هذه القرارات وإن كانت هي أيضاً ضرورية بدورها.
9- والتربية الإيمانية الصحيحة التي نستطيع أن تواجه حالات التخلف عن العمل الحزبي هو التهذيب والتزكية والإعداد للتقوى التي تنطوي في جوهرها على التخلي عن الذات وهذا هو الدور الأول للحلقات في الدعوة.
10- وأما عندما يكون الاختلاف نابعاً من الرأي وليس من الهوى فأما أن يكون الاختلاف في الحكم الشرعي وعنده لا يكون لأحد حق الطاعة على المكلف فيما يراه من الحكم الشرعي اجتهاداً أو تقليداً.
11- وأما إذا كان الاختلاف في الرأي في منطقة الفراغ فرأي الجماعة نافذ على العضو بموجب الموازين الفقهية.
12- ويستثنى من ذلك ما إذا علم الفرد بوجود قصور أو تقصير في مراحل تكوين القرار فإن القصور المخلّ بالكفاءة والتقصير المخلّ بالعدالة يرفع حق الطاعة عن الفرد.
13- وعلى المسؤولين والحلقات تقع مسؤولية مراقبة الجذور النفسية لحالات التخلف الجمعي لعلاجها في مراحلها الأولى بالشكل الصحيح.
14- إن على المسؤولين احتضان مثل هذه الحالات وإعطائها كل اهتمامهم وتجنب مواجهة هذه الحالات بصورة مباشرة ومثيرة.
15- وينبغي أن يلاحظ أن المقياس في تحمل المسؤولية هو قدرة الداعية على السيطرة على نفسه ورغباته بالإضافة إلى كفاءاته ومواهبه وقدراته العملية.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com